First Published: 2017-11-28

'سيدة الضياء' والبحث عن الحقيقة

 

رواية السيد حنفي تجسد الإنسان العربي الغارق في أحلامه، وفي البحث عن الحقيقة، وهو يرى قوة الشر تكبر يوما بعد يوم وتتجبر وتسلبه إرادته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: آمنة برواضي

حضور الأم في الرواية حضور قوي

تنطلق الرواية من منظور فلسفي في البحث عن الحقيقة التي تكبد البطل عناء الرحلة من أجل الوصول إليها، وكأن الأرض ابتلعتها قبل أن يكتشف أنها مجرد وهم، كما يصف موقع القرية التي تدور فيها أحداث الرواية، وما كان من معتقدات سائدة تعشش في عقلية النساء لبقاء أبنائهن على قيد الحياة؛ من التبرك بالشجرة التي يقام حولها السمر كل ليلة، وكيف أن العطاء يتم عن طريق القرابين.

يصور حالة البؤس التي يعيش عليها الناس في هذه القرية التي تدور فيها أحداث الرواية، يبحر الرجال للصيد والنسوة للتسول في المدن المجاورة، والباقي منهن يغسل الهموم وصواني الأمس.

كان حضور الأم في الرواية حضورا قويا نظرا للدور الذي تمثله الأم في حياة البطل فهي مقترنة بأسئلة الوجود.

الأم هنا رمز الأرض التي أنجبته، يصورها تحمل هما بيد وتتسول باليد الأخرى عطف الحياة.

كما يذكر أمه وهي تمسك بيده ليسافر في دروب الذكرى ليجد كل الآلام منتصبة ولم يمح الزمن منها شيئا.

• في البحث عن يد الأم لتنتشله من الضياع.

لكنها تحاول بحنانها وعطفها، ولمسة يدها أن تخفف من العتمة، ومن الظلمة التي اجتاحت أعماقه، فهي رمز الحنان والعطف. يكلمها عن السيدة التي صنعها من الضياء؛ تلك التي تمثل العقل والحكمة والضياء، السيدة التي صنعها من وحي خياله ليعيش في عالم خال من الدنس الموجود على الأرض.

يعود للحديث عن الأم مصورا معاناتها:

"أمسكت غصنا من شجرتي ... سأشكل منه وجه أمي طرحتها السوداء ملامح الانكسار مع تجاعيد الزمن تشكل صورة حقيقية للشقاء".

ارتباط البطل بأمه ارتباط بالأرض بالجذور وبرحيلها ينتهي كل شيء: "والآن أمي على وشك الموت، ولا أدري ماذا أفعل،...لئن ماتت فلن يبقى لي شيء في الحياة.." (ص: 100).

بموت الأم ينتهي كل شيء لأنها الأرض التي أنجبته يؤكد ذلك بقوله: "يا نجلاء أمي تربتي، جذوري الطينية .." (ص: 100).

ويتجلى في قوله: ".. وأم تموت الآن بين أيديهم، وهم يمزقون فيها كل جميل.." (ص: 101).

وفي المقابل هناك الأب تلك السلطة المطلقة التي لا تعرف سوى الصفع والجلد، في كل مرة يأتي فيها البطل على ذكر الأب يكون مقترنا بالصفعة على الخد. "أو عن أب يجيد الصفعات، وفنون الألم.." (ص: 101).

قد نلجأ إلى البحث عن لحظات صدق عندما تزول الغشاوة عن أبصارنا، ونرى بشاعة هذا الواقع المليء بالزيف والخداع، فكل ما يتوق إليه البطل لحظات من الصدق وإن كانت مكبلة بالوهم بالسراب لتظل الحقيقة مجرد لفظ نردده.

نظرة يائسة إلى حياة لم يعد يرجو منها شيئا يتأمل شموخ الجبل وامتداد البحر وهو مستند إلى الشجرة العجوز يصور والده بوجهه الذي يشع منه الذكاء والسلطة.

يتذكر الحبيبة "هناء" وربما اختيار الكاتب لهذا الإسم له أكثر من معنى فهي هناء، غير أنه لم يهنأ معها، رحلت هي الأخرى، وتركت الفراغ في حياته، الحقيقة هنا أيضا كانت وهما.

يغرق البطل في بحر الذكرى بعد رحيل الحبيبة، ويرى في السفر إليها راحة لكن الأقدار تضن عليه بذلك.

البطل لا يجد بديلا للحبيبة، ويفيق من الحلم ليجد نفسه وحيدا في العراء كأن حياته إلى جوارها كانت حلما.

يتساءل كيف يحرمونه من المرأة التي صنعها لنفسه في أعلى الربوة من وحي خياله ليعيش الحياة التي صنعها لنفسه.

ورغم ما يتعرض له يسترسل في حلمه، يحلم بكف الحبيبة تمسح دمعته، يحلم بكل شيء جميل معها، غير أن البحث عنها ظل مجرد وهم، لم يجدها رغم بحثه المستمر عنها والذي استغرق زمن الرواية، وهذا مرده إلى الحاجة إلى الحب الذي نفتقد إليه في أيامنا؛ حب كله طهر وصفاء.

تظل المرأة بهذه المواصفات حلم يتوق إليه البطل.

أخيرا أحب البطل نجلاء كبديل للحب الذي يبحث عنه في خياله.

في رحلة البحث عن الحقيقة يشتد الصراع بين الجذور الطينية وبين الضياء الذي كان يراه يخبو رويدا رويدا، وكل شيء يهتز من حوله يستحضر الحلاج.

الأسئلة تتناسل في الرواية، والغاية منها البحث عن الحقيقة.

لماذا يقتلون الأسماك؟

لكي نعيش.

ولماذا نعيش؟

لنقتل الأسماك.

يصور العبث من هذه الحياة، وكأن الإنسان وجد ليقتل الأسماك من أجل أن يستمر في الحياة.

الشيطان في الرواية، يرمز إلى قوة الشر الطاغية المتمثلة في هذا الكائن الذي لا يخاف الله، ويتلذذ من شرب الدماء، ومن رائحة شواء الجسد، ورغبته في سماع صراخ الضحية.

الشيطان هنا هو كل قوى الشر الغاشمة التي تتلذذ بتعذيب الإنسان، ولا يرق قلبها للضعيف.

الطيالسي إحدى شخصيات الرواية البارزة، وهي تتعاون مع قوة الشر من أجل إذلال الإنسان، وسحق كرامته في مقابل السلطة والمال، فهو يبيع ذمته، كما تصوره لنا الرواية في فصولها حين يلجأ للكذب من أجل إرضاء الخونة مستعملا من أجل ذلك قناع الورع، وهو يعيث في الأرض فسادا وله نسخ متعددة في الكون.

الليل في الرواية، هو زمن كل الأحداث التي دارت فيها، وكل الحكايات، كأن الرواية كتبت رغم الضياء الذي يشع من عنوانها بخيوط من ليل دامس، الليل لا يغادر الكاتب إنه يسكنه؛ الظلمة والعتمة التي احتلت أعماقه من هذا الواقع المتردي، ومن فقد الحبيبة، ومن الأحلام المتكسرة، ومن الحقيقة التي يصبو إليها ويراها بعيدة المنال بعدما أغلقت كل الطرق المؤدية إليها حين غشاها السواد.

يعيش في ليله يشتكي من الوجع في انتظار لحظة بزوغ الضياء الذي يحمل في طياته (الأمل).

كما يصور ما كان يحدث في الليل في حفل السمر الذي يقام كل مساء حول الشجرة، وما كانت تقوم به السعدية من رقص، وما يخفيه في سواده من رذيلة وخيانة وقتل و...

وعجز البطل عن فعل أي شيء، جعله يقتصر على العزف على الناي في هدأة الليل ليواسي أحلامه المتكسرة.

تتملكه الحيرة في ليله الذي طال فيتساءل:

البحث عن شيء؟

عنك؟

عني؟

داخلي؟

داخلك؟

هذه الحيرة مردها إلى عدم رضا البطل لما يعيشه المجتمع من فساد في ظل غياب الحق، وغياب الضياء، وانتشار الظلام والعتمة اللذين يعبران عن حلكة الواقع.

كما يعبر عن الحيرة التي يعيشها بنص شاعري جميل:

"أفيق على حرق نغمات الناي، أرتمي على جدار المدى، أغزل من حروفك قصة، تحكي الزمان المهزوم فوق جثة الظلام".

في رحلة البحث عن الحقيقة تتزاحم الأحداث والوقائع في ذاكرة البطل وتجعله يعيش حالة من التشظي والفوضى الداخلية، فيسترجع في لحظة كان فيها المريدون حول الشجرة.

تجده يضحك فيها من اللات، ويسخر من العزة، يمر بامرئ القيس، يسافر في الحضارات البعيدة مارا بالعمائم المدعومة بزيف السلام، يبكي شهيد كربلاء، يطالعه وجه الحلاج، وقميص عثمان، والمصاحف على ألسنة الرماح.

كل هذا يدل على الفوضى التي تعرفها أعماق الكاتب مما يراه في الواقع، ومما مر من أحداث عبر التاريخ.

وفي ظل الفساد الذي تعيشه القرية مكان الرواية بل العالم بأسره؛ في الشرق الأوسط والأدنى والأصغر، والأكبر،...ينتظر الخلاص من السماء فيقول "أنتظر أن تمطر السماء خواتيم الحياة. أو لحظة صدق أو فضل كبرياء.." (ص: 82).

كما ينتقد بشدة الخليج في قوله: "عند الباب العالي ابن رشد يتأبط شرا، تتسع خطوات الحلاج، ينظر تحت أقدام القوم، يشير إلى الإله المنغمس في بئر البترول.." (ص: 83).

حسرة الإنسان العربي الذي يرى حرمة وطنه تنتهك، وهو مطـأطأ الرأس لا يفعل غير الحسرة وتذكر أمجاده. "وأنا مطأطأ الرأس. أهمس سرا وطني حبيبي الوطن.." (ص: 83).

في رحلته الشاقة للبحث عن الحقيقة وقناعته بكونها مجرد وهم يقول: "وهذا كفي المرآة الذي لم يستطع أن يشكل أي حقيقة في الكون بعدما عرف أن الحقيقة لفظ دال على تطور الوهم البشري.." (ص: 92).

"وعدت أبحث عن وهمي" (ص: 95).

وفي نفس السياق يقول معللا لعروسه التي تركها وصعد الربوة مجيبا عن تساؤلها: "ما تركتك أبدا، لكني أبحث عن مكامن الضوء لعلها تغير من تلك النفس المظلمة.." (ص: 108).

ويقول أيضا: " ... أنا قد مللت العزلة، والرحيل والترحال، وسهر الليالي المملة فوق الربوة وحدي أبحث عن لا شيء بلا جدوى..." (ص 111).

• خلاصة

رواية "سيدة الضياء" تأخذك في رحلة من الخيال، والبحث عن الحقيقة مستعملا في ذلك الأساطير والخرافة والجن...، والتاريخ المزيف والظلم الذي يتخبط فيه الإنسان بسبب جشع الأقوياء الذين يصورهم بالشيطان، وكل من يخدمه من أجل إذلال الإنسان، والمس بعرضه وكرامته في مجتمع يفتقد إلى القواعد التي تشد كيانه وتجعله صلبا متماسكا.

البلدة أو القرية مكان الرواية رغم صغر مساحتها جعل لها امتدادا في التاريخ والحضارات فهو يبحث عن أنف أبي الهول ويستحضر الغزالي وابن رشد ويتحدث عن الأقصى ... والبترول ورابعة العدوية.

ينتقد الكاتب في الرواية وبشدة حقيقة الحب التي أصبحت بدورها مشوهة ملتصقة بالجسد في حين أن الحب هو السمو والرفعة.

تصور لنا الرواية كيف يطغى الشر في العالم، ويحل الظلم والظلام مما يجعل الضياء بعيد المنال.

كما تجسد لنا الإنسان العربي الغارق في أحلامه، وفي البحث عن الحقيقة، وهو يرى قوة الشر تكبر يوما بعد يوم وتتجبر وتسلبه إرادته، بمساعدة الخونة الذين يتقربون إليها ويدوسون بقوة على كرامة وكبرياء الأبرياء لينالوا عطفها، ورضاها والعيش الذليل في ظلها وتحت حمايتها.

رواية "سيدة الضياء" بلغتها الرصينة الشعرية تنساب سلسلة مع كل الضياء الذي يشع من فقراتها في البحث عن الحقيقة (الوهم).

رواية تأخذك في رحلة شاقة متعبة من أجل البحث عن الحقيقة، تعرف الكثير من المواقف، وتنساب الدموع والحسرة على امتداد الأحداث التي عاشها البطل، وبسبب الفقد الذي استمر من أول الرواية إلى آخرها؛ بدءا بأحلامه التي تكسرت وأصبحت ملقاة إلى جواره عبارة عن شظايا عندما رمت المرأة من الجان بالدمى التي كان يصنعها، وفقد الحبيبة، وفقد الأخ، وفقد الأم وهو الأصعب لما تمثله هذه الأخيرة.

 

الحشد الشعبي يطلق الرصاص على محتجين مسيحيين قرب الموصل

ايطاليا تدرس تسليم ليبيا انقاذ المهاجرين رغم الانتهاكات والمصاعب

التوترات تسود طوزخرماتو وسط مخاوف أممية

الأزمة السياسية لم تؤثر على الاقتصاد اللبناني

روسيا تقرر استئناف الرحلات الجوية المباشرة مع مصر

المرجعية الشيعية تطالب بدمج فصائل الحشد في القوات العراقية

لبنان يحسم موعد الانتخابات البرلمانية بعد أزمة عاصفة

76 بالمئة من اللاجئين السوريين بلبنان تحت خط الفقر

الإعدامات في العراق تروع الأمم المتحدة

كارثة مقتل تلاميذ في تصادم حافلة وقطار تصدم الفرنسيين

'بيت آمن' يقلل من معاناة المهاجرين في بني وليد الليبية

هل يحسم السيستاني موقفه من الحشد الشعبي بعد التحرير من الجهاديين

لبنان يواجه تحدي تثبيت سياسة النأي بالنفس وإنجاح الانتخابات

روسيا تعرض خدماتها لمساعدة أميركا في حل الأزمة الليبية

دعوات عربية لمحاسبة إيران عقب كشف تورطها في اليمن

تمسك أممي باتفاق الصخيرات لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا


 
>>