First Published: 2017-12-01

مهند النداوي يحذر: إسرائيل تعمل إلى إقامة دولتها العظمى في المنطقة العربية - النيلية

 

الباحث يؤكد أن دول حوض النيل التي تعد جزءاً من القارة الافريقية، تتمتع بصفات ومميزات تختلف عن باقي دول القارة، جعلتها محطا للأطماع الصهيونية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

ضرورة وضع استراتيجية عربية مشتركة وموحدة

ينطلق الباحث مهند النداوي في كتابه "إسرائيل في حوض النيل.. دراسة في الإستراتيجية الإسرائيلية" من فرضية مفادها أن الاستراتيجية الإسرائيلية تسعى لتحقيق هدفين تجاه دول حوض النيل، هما تطويق واختراق الأمن القومي العربي، واعتبار المنطقة مجالاً حيوياً لها. وانطلاقا من ذلك حاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة المركزية، أهمها: الأهمية التي تحتلها دول حوض النيل في المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي؟ أبعاد الاستراتيجية الإسرائيلية حيال دول الحوض في ضوء الثوابت والمتغيرات؟ الوسائط التي لجأت إليها الاستراتيجية الإسرائيلية لتحقيق أهدافها في دول الحوض؟ مدى نجاح أو فشل الاستراتيجية الإسرائيلية حيال دول الحوض في ضوء الفرص والقيود المؤثرة في حركتها الاستراتيجية تجاه المنطقة؟

أكد الباحث أن دول حوض النيل التي تعد جزءاً من القارة الافريقية، تتمتع بصفات ومميزات تختلف عن باقي دول القارة، جعلتها محطا للأطماع الصهيونية الإسرائيلية بشكل خاص، والغربية بشكل عام ولاسيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية. وقال في كتابه الصادر عن دار العربي للنشر "تعتبر دول الحوض من الدول الأقرب جغرافياً والمجاورة للوطن العربي قياسا بباقي دول القارة الأفريقية غير العربية، التي تؤثر تأثيراً مباشراً في الأمن القومي العربي، إذ أن دولتين عربيتين وهما مصر والسودان، يعدان نهر النيل (الرابط الحقيقي والأساسي لدول الحوض) شريان الحياة الأساس لهما، ولكون اغلب دول الحوض تعد من الدول التي لا تتمتع باستقرار سياسي واقتصادي، فضلا عن امتلاكها لثروات اقتصادية. هذه الصفات والمميزات التي تتصف بها دول الحوض، جعلت الأطماع الصهيونية تسعى للسيطرة والتحكم في دول حوض النيل.

لذا عملت الحركة الصهيونية ومنذ إقامة كيانهم المغتصب إسرائيل في فلسطين في عام 1948، على وضع استراتيجية بعيدة المدى تجاه دول حوض النيل، تهدف للسيطرة على دول الحوض، ومن ثم تهديد الأمن القومي العربي، لضمان الأمن الإسرائيلي انطلاقا من مبدأ شد وبتر الأطراف الذي يعتبر الهدف الأساس والرئيسي للاستراتيجية الإسرائيلية. لذا وللأهمية التي تحتلها المنطقة، فقد ارتأينا دراسة الاستراتيجية الإسرائيلية حيال دول حوض النيل، وبيان مدى تأثير تلك الاستراتيجية في التفاعل بين الأمن القومي العربي وأمن دول حوض النيل، لاسيما بعد المتغيرات التي صاحبت العالم، من تفكك الاتحاد السوفيتي رسميا في عام 1991، وتراجع المد القومي العربي الوحدوي، وتصاعد مد التسوية السلمية من خلال تزايد اعتراف الدول العربية بـإسرائيل ومحاولة تطبيع العلاقات معها.

وأشار الباحث إلى أن المميزات التي تتصف بها دول الحوض، جعلت القادة الصهاينة يعملون منذ إقامة كيانهم المغتصب في الأراضي العربية الفلسطينية في عام 1948، إلى وضع استراتيجية ترتكز على ثوابت ومتغيرات واضحة الأهداف تجاه دول حوض النيل، للسيطرة عليها بالتدرج، وحسب ظروف كل مرحلة معينة، مستخدمة لذلك وسائط وأساليب متعددة من دبلوماسية وسياسية واقتصادية وعسكرية … الخ، ومستغلة في الوقت نفسه الفرص التي تعمل على إنجاح استراتيجيتها. هذا وقد برزت الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه دول حوض النيل بصورة اكثر فاعلية، بعد انتهاء الحرب الباردة، وبروز الولايات المتحدة قوة عالمية مهيمنة على النظام الدولي، مما أشر المعطيات الآتية :

أولا: بتفكك الاتحاد السوفيتي في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وبروز الولايات المتحدة قوة عظمى اقتصاديا وعسكريا، تزايدت حركة الاستراتيجية الإسرائيلية حيال دول حوض النيل، نتيـجة للترابط الاستراتيجي الأميركي - الإسرائيلي. إذ تمكـنت إسرائيل من خلالها، من العمل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في دول الحوض، مستغلة النفوذ الأميركي في المنطقة، والمعونات والقروض الأميركية المقدمة لدول الحوض.

ثانيا: تزامن ذلك مع الضعف العربي العام الذي أصاب العلاقات العربية - العربية، في ظل تزايد تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية، التي ترافقت مع اتفاقيات تسوية القضية الفلسطينية، لاسيما منذ مؤتمر مدريد عام 1991، وما صاحبها من اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف.

ثالثا: ارتبط بتزايد النزاعات والحروب الأهلية والإقليمية في دول الحوض منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، لاسيما في ظل تصاعد بروز ظاهرة الأثنية والقبلية في المنطقة، مع تزايد انتشار الفقر والجهل والمرض.

وشدد الباحث على أن كل هذه المعطيات مكنت إسرائيل في الوقت الحاضر من تصعيد حركتها الاستراتيجية حيال دول حوض النيل لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المستقبل، ليس ضمن المنطقة النيلية فقط، وإنما ضمن منطقة تشمل الوطن العربي والقارة الأفريقية ككل.

وحدد أهم أهداف الإسرائيلية في المرحلة الحالية بالتالي:

أولا: تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في ضمان الأمن وتحقيق المجال الحيوي لإسرائيل ليس ضمن الأراضي العربية الفلسطينية وما يجاورها من الدول العربية، ولكن ضمن رقعة جغرافية أوسع تشمل أية دولة من الممكن أن تشكل تهديدا للأمن الإسرائيلي بشكل أو بأخر، لتحقيق حلمها في إقامة منطقة آمنة لها من النيل إلى الفرات، والدول المحيطة بها.

ثانيا: وان ذلك يتطلب تهجير أكبر عدد ممكن من المتهودين للأراضي العربية المحتلة من أجل توطينهم في المستوطنات اليهودية المقامة في الأراضي العربية الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، وإحلالهم محل الفلسطينيين العرب ضمن مشروع تهجير الأفارقة للأراضي العربية الفلسطينية. ورغم أن البعض يرى أن ذلك يتناقض مع الديانة اليهودية المغلقة على نفسها والتي تعرف اليهودي بأنه من ولد لام يهودية فقط، إلا انه ولمقتضيات الضرورة، وحفاظا على الأمن الإسرائيلي، تعمل إسرائيل على تهويد مجموعة من الأقليات العرقية من الأفارقة ليتم تهجيرهم إلى الأراضي الفلسطينية، لاسيما في ظل الهجرة المضادة لليهود القاطنين في الأراضي العربية المحتلة، ورفض باقي اليهود الغربيين والشرقيين والذين لم يتم تهجيرهم للأراضي العربية الفلسطينية، الهجرة للأراضي العربية المحتلة، نتيجة استمرار الانتفـاضة الفلسطينية الباسلة، وتزايد تهـديدها للعمق الإسرائيلي.

ثالثا: تسعى إسرائيل كذلك من وراء تهجير الأفارقة، إلى إحلالهم محل العرب الذين يشتغلون في الأراضي العربية المحتلة، لمنع تكون قومية عربية داخل إسرائيل. ولأسباب أخرى أهمها، أن هؤلاء الأفارقة يستطيعون العمل بأجور زهيدة، ووفق أية بيئة بعكس العمال العرب، نظرا للحالة التي كانوا الأفارقة يعيشونها في بلدانهم الأصلية. فضلا عن ذلك، فأن وجود العمال العرب يشكل دائما مصدر تهديد لأمن إسرائيل وفق التصور الصهيوني.

ورأى الباحث أن سياسة التهجير تتطلب السيطرة على مياه نهر النيل. حيث تسعى إسرائيل لسد العجز المائي التي ستواجهه من جراء التهجير وذلك من خلال إحكام سيطرتها على المياه العربية، ونقل جزء من مياه نهر النيل إلى داخل الأراضي العربية المحتلة. بالإضافة إلى السيطرة على الثروات الطبيعية الموجودة في منطقة دول الحوض من معادن ثمينة، وبترول، وبأسعار رخيصة. ومن ثم العمل على تصنيعها وبيعها مرة أخرى للدول الأفريقية، تحقيقا لأهداف اقتصادية.

وأضاف أن إسرائيل تهدف من خلال استراتيجيتها تـجاه دول الحـوض، إلى تحسين صورتها لدى الأفارقة، وكسب تأييد الدول الأفريقية في المحافل والمنظمات الإقليمية والدولية من أجل الوقوف ضد أي مشروع قرار يدين الأعمال الصهيونية ضد الفلسطينيين والعرب. كما حدث في عام 1975، عندما وقفت الدول الأفريقية إلى جانب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي اعتبر الصهيونية عقيدة عنصرية. كما تهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الموجودة في المنطقة، مثل مضيق باب المندب وقناة السويس، على البحرين الأحمر والمتوسط، من أجل التحكم في حركة دخول وخروج البواخر العملاقة الناقلة للبضائع، لاسيما ناقلات البترول العملاقة التي تنقل البترول ومشتقاته من الدول العربية الخليجية إلى الدول الغربية.

وحذر الباحث من أن إسرائيل تعمل إلى إقامة إسرائيل العظمى في المنطقة العربية - النيلية، ضمن ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط الكبرى، ومنع أية دولة تقف بالضد من المصالح والأهداف الصهيونية الإمبريالية في المنطقة. وقال "هذه الأهداف الصهيونية تبين مدى الخطر الذي سيصيب المنطقة العربية، إن لم يدرك العرب مدى التهديد الذي سيصيبهم من جراء تحقيق إسرائيل لأهدافها الاستراتيجية في دول حوض النيل، وتهديد الأمن المائي العربي في المنطقة، التي هي بالأساس مكـملة للاستراتيجية الإسرائيلية حيال المنطقة العربية، نتيجة الترابط ما بين المنطقتين".

ومن أجل العمل على التصدي للاستراتيجية الإسرائيلية حيال دول حوض النيل، وضمان عدم تهديد الأمن القومي العربي في هذه المنطقة. رسم الباحث تصورا استراتيجيا مقترحا للمستقبل لضمان هذا الأمن، أو في الأقل إيقاف تأثير التهديدات الإسرائيلية على الأمن القومي العربي. هذا التصور وضعه على صعيدين: الأول: صعيد دول حوض النيل وطالب العمل على تحقيق أهداف عدة في المنطقة، أهمها :إشاعة الأمن والاستقرار فيما بين دول حوض النيل من خلال حل المشاكل والخلافات العالقة بينهما. وهنا ينبغي أن تلعب مصر والسودان دورا في الحد من هذه الظاهرة مع باقي دول حوض النيل. وزيادة التعاون الاقتصادي فيما بين دول حوض النيل في مجال التبادل التجاري والفني، لاسيما بين مصر والسودان من جهة وباقي دول الحوض من جهة أخرى. وتسوية قضية مياه نهر النيل بين دول الحوض، التي تعد القضية الأساس المعرقلة لتطور العلاقات فيما بينهما، ولاسيما أن دول الحوض تشترك جميعها في نهر النيل. وذلك من خلال تفعيل دور التجمعات الإقليمية في المنطقة، ومن أهمها (مبادرة حوض النيل)، والعمل على استغلال الفاقد من مياه النيل من خلال إقامة السدود والمشاريع المشتركة على طول نهر النيل.

وهنا يجب على مصر والسودان المستفيدين الأساسيين من مياه النيل، أن يقوما بلعب دور رئيسي ومهم في إنجاز المشاريع والسدود المشتركة فيما بينهما، من خلال تقديم الدعم المادي والخبرة الفنية والعلمية اللازمة لإنجازها. وأيضا حل المشاكل والنزاعات الداخلية في دول حوض النيل، من خلال إعطاء قـدر اكبر من الحرية، وإرساء أسس العدالة والديمقـراطية وحقوق الإنسان، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، ورفض احتكار قبيلة ما للسلطة والنفوذ على حساب القبائل الأخرى. كما حدث في قبيلة التوتسي، التي رغم قلة عددها في دول البحيرات العظمى قياساً بقبيلة الهوتو، إلا أنها تسيطر على السلطة في المنطقة، ومتحكمة في ثروات وخيرات المنطقة بخلاف قبيلة الهوتو.

وأخيرا العمل على الحد من التبعية السياسية والاقتصادية للدول الغربية الصهيونية، ورفض تدخلها في الشؤون الداخلية والإقليمية في دول حوض النيل، وإسقاط ذرائع نشر وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما تفعل ذلك الولايات المتحدة الأميركية، وتبني سياسة تقوم على تبادل المصالح والمنافع مع الدول الأخرى وأياً كانت.

أما على صعيد الدول العربية فطالبها أولا: توحيد الصف العربي ونبذ الخلافات الأساسية المعرقلة للعلاقات العربية ـ العربية وزيادة وتيرة التعاون فيما بينهم، لاسيما على الصعيد الاقتصادي والسياسي.

وثانيا: وضع استراتيجية عربية مشتركة وموحدة، بالتعاون مع الدول العربية الأفريقية، وفي مقدمتهم مصر والسودان، من أجل زيادة التعاون فيما بين الدول العربية ودول حوض النيل، لاسيما في المجال الاقتصادي. من خلال زيادة التبادل التجاري فيما بينهم، واستمرار إمداد دول الحوض بالبترول وبأسعار تتناسب مع وضعهم الاقتصادي.

وثالثا: زيادة المعونة العربية المقدمة لدول الحوض وضمان حسن استخدامها من قبل المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية، واستثمارها في مشاريع التنمية والنهوض الاقتصادي في دول حوض النيل، لاسيما غير العربية، وبخبرات فنية وعلمية عربية، وبمعونة عربية تترجم العلاقات بين العرب والأفارقة.

ورابعا: تقديم الدعم السياسي لدول حوض النيل وبصورة مباشرة، سواء أكان ذلك في المحافل والمنظمات الإقليمية والدولية، أم من خلال الجهود العربية الفردية، وفي مجال حل المشاكل والنزاعات السياسية العالقة، سواء أكانت تلك المشاكل والنزاعات قائمة فيما بين دول الحوض، أم بينها وبين الدول العربية والأفريقية.

وأخيرا: تفعيل التعاون العربي ـ الأفريقي من خلال جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، لاسيما في مجال عقد مؤتمرات دورية لمؤتمرات القمة العربي ـ الأفريقي، التي جمدت منذ انعقاد المؤتمر الأول في عام 1977 في القاهرة. وإيضاح حقيقة العرب الحضرية لدى الأفارقة من خلال محاربة الدعاية الصهيونية المضادة للإسلام بشكل عام والعرب بشكل خاص في الدول الأفريقية، والعمل على نشر الحضارة والثقافة العربية ـ الإسلامية في دول حوض النيل والقارة الافريقية ككل.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
عبداللطيف مشرف يؤكد أن المدرسة التاريخية العربية أهملت قضايا الموريسكيين
2017-12-15
علي سالم: يصعب تخيل التغيير المنشود دون تحرير وإطلاق طاقات وابداعات الشباب
2017-12-14
'الملائكة لا تأكل الكنتاكي' تبحث عن الهوية المسلوبة بعد فشل ثورات الربيع العربي
2017-12-13
حزامة حبايب تؤكد: ورثت ﻣﻦ أبي اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﻲ ﺣﻜﺎﯾة ﻧﺎﻗﺼﺔ
2017-12-12
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
المزيد

 
>>