First Published: 2017-12-02

الجزائر بين الواقع والتوقع

 

كان الجزائريون يعملون في فرنسا وعينهم في الجزائر. صار الجزائريون يعملون في الجزائر وعينهم في فرنسا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: نورالدين خبابه

عدد لا يستهان به من الجزائريين والجزائريات، يقرأون الكتب أو ربما يؤلفونها، ويقومون بالتحليلات بوسائل مختلفة، والنظريات، وينشطون الملتقيات والمؤتمرات والموائد المستديرة، ويحضرون الخطب والمواعظ. منهم من يحدثك عن الاستشراف والمستقبليات وكأنه عالم بما سيحدث، ويهملون في المقابل قراءة الواقع الذي يحياه الناس.

فيما مضى، كان المغتربون الجزائريون يعملون بشكل عام في فرنسا، قبل أن يلجئوا الى دول أخرى، وطيلة العام يجمعون ما استطاعوا، وعند عودتهم الى الجزائر، يشرعون في تشييد البناءات المختلفة، ومنهم من يعود الى حياة الصغر حيث الطبيعة وحياة البدو والريف، ومنهم من يشيد القصور في بعض الولايات. بمعنى أن عيشهم في فرنسا وعيونهم تُحدّق في الجزائر، أو بعبارة أخرى، أجسامهم في فرنسا وقلوبهم تسوح في الجزائر.

عند قدومي الى فرنسا، عشت لمدة سنتين في بعض أماكن المغتربين، وتحديدا في باريس. رأيتهم كيف يعيشون في الواقع، بعيدا عن طرق التجميل التي تستعمل للتضليل والمفاخرة، وكيف يجمعون ملابس أبنائهم قطعة قطعة في الحقائب. منهم من يفكر حتى في أقاربه، وكيف يحضرون أنفسهم للسفر والعودة، ومنهم من لا يعرف باريس، لأن وقته عمل ويوم راحته غسيل الأواني والقماش... والذهاب الى السوق.

ورأيت المتقاعدين الذين يعودون لفرنسا وهم مرغمون، ومنهم من يحترق شوقا للعودة الى الجزائر مجددا. ولو وجد كيفية أن لا يعود الى فرنسا من أجل تجديد وثائقه التي تسمح له بسحب أمواله، ما عاد اليها.

أغلب المغتربين يحضرون أنفسهم للعودة الى الجزائر بشكل نهائي، سواء ما تعلق الأمر بعد التقاعد، أو ما قبله بفتح مشروع ما.

اليوم انقلبت الموازين، حيث رأيت بأم عيني أناسا جاءوا من ولايات مختلفة الى فرنسا للاستقرار فيها. لم تأت بهم الأزمة الاقتصادية التي جاءت بأغلب المغتربين الذين تحدثت عنهم قبل قليل، ولا حتى العشرية الحمراء. بل جاؤوا بعد ما يسمى عصر المصالحة، وأنهوا حياتهم في الجزائر وخرجوا الى التقاعد. منهم من أصبح مديرا لشركة أو رئيسا لمشروع أو ضابطا ساميا، وله في الجزائر فيلا وكلب يحرسها، وسيارة وسائق يقودها.

وعليه وجب طرح أسئلة حول هذا الواقع المعاش بعيدا عن التوقعات العسلية التي تقدم للناس في الجزائر بصورة وهمية هروبا من الواقع التعيس.

ما الذي يجعل هؤلاء الجزائريين يفكرون في العيش في فرنسا وقد ضمنوا تقاعدهم؟ هل هو لضمان مستقبل آخر في فرنسا وخوفا من مستقبل يلفه الغموض في الجزائر؟ أم لأنهم وصلوا الى درجة من الجشع والتخمة جعلتهم يكفرون بالنعم ويتوقعون أن يعيشوا في فرنسا أحسن من الجزائر؟ أم جاءوا لمزاحمة المغتربين عنادًا؟ أم مع ما يمتلكونه في الجزائر لازالوا يشعرون بمركب النقص؟ أم جاؤوا نتيجة تأثير الاعلام ونتيجة التضليل؟

الواقع شيء والتوقع شيء آخر يا سادة.

قد يقول قائل إنه الظلم والحيف والنظام المتسلط هو من دفع بهؤلاء الى الهجرة الى فرنسا. أنا هنا لا أدافع عن النظام ولا عن العصب ولست هنا أعني زيدا أو عمرا من الناس. إنما أتحدث عن الواقع المرير الذي نعيشه.

أتفهم طالبا هاجر من أجل الدراسة، أو بطالا طال انتظاره، أو محروما من سكن قتله اليأس، أو عانسا تم نسيانها، أو إطارا تم تهميشه، أو مبدعا تم تحطيمه، أو سياسيا تمت مضايقته ومصادرة حقوقه. ولكن هناك خلل ما.

البارحة وبعد حملة في وسائل الاعلام المختلفة عن التقشف وعن الحالة الخطيرة التي بات يعيشها الشعب الجزائري على كل الصعد، خرج الشباب في ولايات مختلفة يتصارعون بالمفرقعات والشماريخ في جو لم أره في أي بلد في العالم وكأنها حرب.

عندما أحدث أناسا عن عودتي المحتملة الى الجزائر، يصرخ البعض في وجهي ما بك؟ هل جننت؟ كيف والناس يهربون على زوارق الموت من أجل العيش في فرنسا وفي غيرها من البلدان وأنت تريد العودة؟ تعال جرب أسبوعا واحدا... أرجوك لا تجازف بحياتك، الجزائر أصبحت جحيما لا يطاق بسبب الظلم والغلاء والقهر والفساد... لا تقارن الجزائر بالوقت الذي كنت فيها فذاك وقت أصبحنا نتمنى رؤيته في المنام.

فيا أيها السادة: كنتم محللين أو دعاة أو سياسيين... دعونا من التنظير والخطب العصماء... وتحدثوا لنا بلسان الواقع ودعوا التوقعات جانبا.

 

نورالدين خبابه

كاتب جزائري مقيم في فرنسا

 
نورالدين خبابه
 
أرشيف الكاتب
التأخر في الجزائر والاستقالة في بريطانيا!
2018-02-13
ماذا لو كتب ياسمينة خضرا أو كمال داود بالعربية؟
2018-02-07
أيتها التلفزة: عودي بنا الى جزائر الأمس فلعلّ وعسى!
2018-01-25
صورة فرنسا المثقوبة!
2018-01-23
قالوا: بوتفليقة من رجال هواري بومدين!
2018-01-13
من يعالج جراح الطبيب في الجزائر؟
2018-01-05
للعربية ربّ يحميها
2018-01-02
اللغة العربية في الجزائر بين الرفض والفرض
2017-12-31
عيد يناير والأمازيغية في الجزائر
2017-12-29
بعد شرب 'حليب' التيس في الجزائر، ترقبوا شرب بول الكلاب والحمير!
2017-12-27
المزيد

 
>>