First Published: 2017-12-06

القهر الثقافي والفني

 

تصرفات كمال إسماعيل ورومانسيته، تعد - في وقتنا هذا - نوعا من الجنون.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مصطفى نصر

أنت تروّح

يحكون في الوسط الفني - في مصر - عن حكاية تعبر عن القهر الفني المنتشر والذي أضاع بالكثير من المواهب الفنية.

فيقولون إن الممثل المعروف "كامل عزام" – قد التحق بإحدى الفرق المسرحية، في بداية حياته، وبدأ ممثلا صغيرا، لكنه لفت النظر إليه حتى صار الأهم والأعلى أجرا، وقد أحس صاحب الفرقة ومؤلفها بقيمته العالية، فمنحه كل اهتمام، مما أثار زملاؤه حوله. وتجرأ "وديع طلخاوي" – وهو ممثل مسن – كان له دور في كل مسرحيات الفرقة، فهو الأب، والمدير الكبير. تجرأ وأبدى رأيه في العلاقة بين كمال عزام وصاحب الفرقة، ولمح بأن بينهما تصرفا مشينا، خاصة أن هناك أقاويل تتهم صاحب الفرقة وتضعه في هذه الخانة.

وما صدق أحد ممثلي الفرقة بأن وجد فرصته ليتقرب من الممثل الأول للفرقة، ولصاحبها أيضا، وأبلغهما بما قاله "طلخاوي".

وفي المسرحية الأخيرة للفرقة، ما أن قرأ طلخاوي النص حتى عرف دوره ومكانه، واستعد له. وفي بروفة "الترابيزة" جلس كل منهم حول المائدة الكبيرة، ممسكا بنسخة من المسرحية، وأخذ يقرأ الحوار الذي سيقوله في صوت خافت، في انتظار حضور بطل الفرقة، الذي يأتي متأخرا في الفترة الأخيرة.

وما إن هلَّ على القاعة الواسعة حتى وقف الجميع، حتى صاحب الفرقة وقف معهم، لكن "كامل عزام" لم يحييهم، أو يهتم بوقوفهم، وأشار بإصبعه لطلخاوي باستخفاف قائلا:

- أنت تروح.

ظل الكل واقفا ومندهشا مما يحدث، حتى صاحب الفرقة تابع الموقف في صمت وبلا إبداء رأي. وشعر طلخاوي بالأسى، فكامل عزام في سن ابنه، فترك نص المسرحية، وسار ناحية الباب.

ويقولون أيضا إن طلخاوي بقى في بيته دون عمل لعدة سنوات. فقد امتنعت كل الفرق المسرحية عن تقديم أدوار له، مجاملة لكامل عزام الذي يسطع نجمه من وقت لآخر في المسرح والسينما والتليفزيون.

وظل طلخاوي يرسل إليه المراسيل والاعتذارات لكي يغفر له، ويسمح له بأن يعمل، لكنه لم يرق ويسامحه إلا بعد سنوات طويلة، ولم يستمر في العمل طويلا، فقد داهمه المرض ومات.

**

كاتب فذ، ذو ميول يسارية كتب العديد من الكتب الأدبية والسياسية، وترجم إحدى روايات الكاتب اليوناني "نيكوس كازانتزاكي"، يقولون إنه اختلف مع اثنين من رؤساء تحرير المؤسسة الصحفية التي يعمل بها؛ فتسببا في احتجازه بالمصحة النفسية لسنوات.

وفي أحد مؤتمرات أدباء الأقاليم، تبنوا توصية بالإفراج عنه، وخروجه من المصحة النفسية، فبادر صحفي كبير بالصعود للمنصة، وقال إن مشكلته إنه لو خرج من المصحة لن يجد سكنا يعيش فيه (وهذه مشكلة من يسجنون لسنوات طويلة، أو يحتجزون في المصحات لسنوات كثيرة، فأقاربهم يستولون – عادة – على شققهم ومساكنهم).

وخرج هذا الكاتب الفذ بالفعل من المصحة بعد أن أوجدوا له شقة يعيش فيها، وقد رأيته في مكتب الصديق محمود قاسم بدار الهلال، قدم إليه أوراقا، ثم انحنى له بطريقة تمثيلية، ونظر محمود إلي مندهشا، بينما كدت أبكي من الأسى.

وحكى لي الكاتب محمد جبريل، بأنه زاره في مكتبه بجريدة المساء، وتحدثا معا، ووقف ذلك الكاتب الفذ استعدادا للرحيل، واستدار محمد جبريل ليأتي بورقة، ليكتب له عنوانا أو اسم كتاب، فانكمش الرجل في نفسه وارتعد خوفا، ظنا منه أن محمد جبريل سيأتي بعصا يضربه بها، فقد دمروا نفسية الرجل وسحقوها.

**

وتعرفنا بشخصية مشابهة، رجل من أبي حمص، تم القبض عليه أيام الملك فاروق، حيث كان طالبا في التعليم الثانوي، وهو يسير في الظلام، فقد كان يمارس رياضة المشي من محافظة لأخرى، وعندما فتشوه وجدوا معه مقالة ترفض الملكية. فحاكموه، واتفق أخوه – المدرس – مع أمه على أن يدعيا إنه مجنون حتى لا يحكموا بإعدامه، واحتجز بالمصحة النفسية في عنبر المذنين، وظل بها ولم يخرجوه منها إلا في عصر حسني مبارك.

تعرفت عليه في ندوة بقصر ثقافة الحرية؛ كان غريبا وسط رواد الندوة، بملابسه المتواضعه، والطاقية المتسخة فوق رأسه وزكيبة بلاستيكية قائمة، يخرج منها الكتب والمجلات، ويقدمها للحاضرين.

لمحت معه كتاب "ظاهرة الفساد السياسي في مصر المعاصرة 1974 – 1986"، فطلبته منه، فتردد بعض الوقت، ثم أعطاه لي. وتوطدت علاقتي به، فيأتي إلى بيتي (كان يذهب لبيوت الكثيرين من كتاب الإسكندرية) حكى لي عن مأساته، وقدم لي أوراقا كثيرة، كتب بعضها، والبعض الآخر، مقالات في المجلات والجرائد عن مأساته، ومحاضر أقسام الشرطة، وشهادات من كتاب وسياسيين كبار، يشهدون فيها، برجاحة عقله، وثقافته، ودوره الثقافي المميز في توصيل الكتب للآخرين. كان يلح علي لكي أكتب عنه رواية.

حكى لي عما يحدث له من مآسي، مع رجال الشرطة، ومنها، إنه حصل على إجازة من المصحة وزار القاهرة، فمر بملابسه المتواضعة وطاقيته المتسخة وزكيبته القائمة، أمام مبنى الجامعة العربية بميدان التحرير، فاتهموه رجال الشرطة هناك بالتسول، وجرّوه لقسم الشرطة، وحكم القاضي عليه بشهر سجن، دون أن يسأله أو حتى يراه، وظل طول هذا الشهر ينقل المياه في السجن لعنبر المحكوم عليهم بالإعدام. وعندما خرج من السجن، طالب بتبرئته، وقدم إذن الخروج من المستشفى الذي رفض الضابط ووكيل النيابه والقاضي النظر إليه.

تصرفات كمال إسماعيل ورومانسيته، تعد - في وقتنا هذا - نوعا من الجنون. فعندما أقدم إليه طعاما في بيتي، يسألني: "معمول بلحمة؟" فيرفضه لو "معمول" بلحم. سألته:

- طوال إقامتك في المصحة، كنت تمتنع عن أكل اللحم؟

قال: لا، ولكنني وأنا سائر في شوارع باكوس، رأيتهم يشدون بقرة في الشارع ويذبحونها بقسوة، فامتنعت عن أكل اللحم من وقتها.

ويأتي لي بكتب من دور نشر أو مكتبات كبيرة، فيمنحون المشتري 10% ويمنحونه هو 10% (ربما رأف صاحب المكتبة لحاله، من تواضع ملابسه، فمنحه هذا الخصم) لكنه يمتنع عن أخذ نسبته، ويصيح في غاضبا: حاكسب منك؟!

وزارني في الشركة التي كنت أعمل بها، ليسلمني كتبا مرسلة لي من مؤلفيها. كان يحمل زكيبته العالية الممتلئة بالكتب والأوراق، وأنا أعمل في شركة ورق، خامتها الرئيسية الورق والكتب القديمة، يطحنونها ويعجنونها ويحولونها لورق جديد، وعند خروجه من الشركة سيتهمه الخفراء بأخذ الكتب والورق من مخازن شركتنا، ومنظره المتواضع، سيشجعهم أكثر لضربه والنيل منه. فطلبت من موظف البوابة ألا يسمح له بالدخول، فقال الرجل:

- وبعدين ده شكله لا يشرفك.

خرجت إليه، قابلته خارج الشركة، واعتذرت لأنه ممنوع دخول الأغراب الشركة، فصاح غاضبا:

- أنت بتشتغل في شركة، والا معتقل؟!

وأخرج الكتب، وأوراق كثيرة لكي أوقع عليها بما يفيد الاستلام، كل هذا في الخارج.

آخر مرة شاهدته فيها، كان يبحث في صندوق زبالة كبير في شارع خلف مبنى سكك حديد الإسكندرية.

**

أثَّر فينا أديب الشباب محمود عبدالرازق عفيفي، كاتب غريب الأطوار، احتقر اسم "أديب الشباب" له، فقد كنا شبابا مثله في ذلك الوقت، كان يعلق لافتات معلنا عن اسمه واسم كتابه الجديد، أو يلصق إعلانات على صاج الأتوبيسات، ويعلق لافتة في الإستاد وقت إقامة مبارة القمة بين الأهلي والزمالك.

أثر فينا، ففعلنا مثله، علقت لافتة بجوار فرش جرائد وكتب عم السيد الرملي بميدان محطة الرمل عن روايتي الأولى "الصعود فوق جدار أملس" عام 1977، وسبق أن فعل سعيد سالم ذلك عند إصدار روايته الأولى "جلامبو" – وطلبت من صاحب المطبعة التي طبعت لي روايتي الأولى، أوراقا صغيرة، فيها اسم الرواية واسمي، وأعطيتها لقريب لي يعمل بورش الأتوبيسات في مصطفى باشا، ليلصقها فوق زجاج الأتوبيسات المركونة هناك. لكنه وجد صعوبة، فلا بد من تصريح وموافقة من مديرين كبار.

من سوء حظ محمود عبدالرازق عفيفي إنه عمل بوزارة الداخلية، فأصحاب الرتب الكبيرة فيها يتعاملون مع الموظفين بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع المتهمين في قضايا السرقة والمخدرات، وقد ذهبت يوما مع الصديق شوقي بدر يوسف إلى مديرية الأمن القديمة بشارع أبي الدرداء،لاستخراج أوراق تخص ابنته التي تعيش في أميركا، فرأيت هناك ضابطا يدفع موظفا تابعا له ويجلسه على المقعد بالعافية، والموظفون والضباط يخرجون من مكاتبهم، ويصيح أحدهم في استنكار، لكن بصوت خافت:

- هو كل يوم الدوشة دي؟!

عمل محمود عبدالرازق عفيفي باحثا قانونيا بمقر الوزارة بلاظوغلي، ثم نُقل لإدارة الشئون الإدارية بالدراسة، ونتيجة لشجاره مع رئيسه في عام 1992، تم إرساله للمصحة النفسية، لكن الطبيب لم يقبل احتجازه، وأخرجه من المصحة. ثم أدخلوه فيها لثلاث مرات أخرى. ذاق فيها المُر من المرضى، وأجهزة التمريض.

ثم جاءه أمر بالنقل إلى الوادي الجديد، لكنه رفض تنفيذه، وتفرغ للمعارضة والشكوى لوزير الداخلية ورئيس الجمهورية، وانتهت المشكلة بمكالمة تليفونية من مسئول كبير في الوزارة بأن يبقى في بيته إلى أن تهدأ الأمور، وسيصله مرتبه في بيته أول كل شهر.

وبالفعل تقاضى مرتبه لمدة عام كامل، ثم توقف، فأقام دعوى ضد وزارة الداخلية، فحكمت له المحكمة بأربعين ألف جنيها تعويض، لكن القرار لم ينفذ.

وتزوج محمود عبدالرازق عفيفي رغم كل ظروفه الصعبة. وحكم عليه آخر المطاف بالسجن لمدة عام، لسبّه لوزير الداخلية. قضاه في سجن الفيوم. فذاق عذابا ومهانة أضعاف ما رآه وعاناه في المصحة النفسية، فالمسجونون كانوا يصفعونه على قفاه كل صباح. فيا ويل المسجون – من زملائه المساجين - إذا وصي عليه الضباط والحراس، فالمساجين يهمهم إرضاء الضباط والحراس، فمنعوه من الاستحمام.

وعندما ذهبت زوجته للسؤال عنه لم تجده، قالوا لها: "تم الإفراج عنه وخرج". وتساءلت: " فلماذا لم يعد للبيت؟!".

وظلت تبحث وتسأل عنه لعدة أيام، إلى أن اتصلت بها مستشفى بأن نزيلا بها، وجدوه ملقي في الشارع، ويزعم بإنه زوجها وأملاهم رقم تليفونها، فذهبت إلى هناك، فوجدته هزيلا، وحالته صعبة للغاية، وكان يرتدي ملابس السجن الزرقاء، وعلمت زوجته بعد ذلك، إن سيارة الترحيلات، تركته في الشارع، فأصيب وهو سائر بغيبوبة سكر، فنقله الناس للمستشفى، فقضى فيها عدة أيام حتى أفاق واستطاع الاتصال بزوجته.

 

مصطفى نصر

 
مصطفى نصر
 
أرشيف الكاتب
القهر الثقافي والفني
2017-12-06
عندما أحبت الأميرة نازلي سعد زغلول
2017-11-08
أستاذي محمد الصاوي
2017-10-15
المزيد

 
>>