First Published: 2017-12-18

اسبوعان على تصفية علي عبدالله صالح

 

يكتب الحوثيون تاريخا جديدا لليمن وذلك باسم 'الشرعية الثورية'. أصبحت صنعاء بكلّ بساطة مدينة إيرانية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بعد أسبوعين على تصفية "انصار الله" لعلي عبدالله صالح بدم بارد، لم يتغيّر شيء في اليمن سوى انكشاف الحوثيين من جهة وعجز "الشرعية" عن استغلال ما حصل من جهة اخرى. كان وجود علي عبدالله صالح غطاء للحوثيين ومبررا لـ"الشرعية" كي تتفادى توحيد صفوفها. كانت حجتها ان لدى علي عبدالله صالح سيطرة على جزء من الجيش اليمني وانّه لا يزال الزعيم الفعلي لـ"المؤتمر الشعبي العام"، الحزب الذي اسّسه في العام 1982... وان وجوده ودوره يشكلان عقبة في وجه أي تحرّك جدّي وفعّال في اتجاه صنعاء او تعز!

انكشف "انصار الله" الآن حتّى امام الذين كانت لديهم بعض الاوهام بانّهم مستعدون لان يكون لديهم شريك في السلطة وان يكونوا جزءا من تسوية سياسية او عملية سياسية تؤدي الى وقف الحرب في اليمن. ظهر الحوثيون على حقيقتهم. يريدون نقل اليمن الى مكان آخر، او على الاصحّ الى عصر آخر. في ذلك تكمن خطورتهم التي تتجاوز الوحشية التي تعاملوا بها مع علي عبدالله صالح واقاربه وافراد عائلته والتي يتعاملون بها حاليا مع اهل صنعاء، خصوصا مع قياديي "المؤتمر الشعبي العام".

ليس الحوثيون سوى طرف يريد السلطة، كلّ السلطة في صنعاء ومحيطها. تكمن سلبية مشروعهم في انّهم لا يمتلكون أيّ مشروع سياسي او اقتصادي او حضاري. انهّم مجموعة مسلّحة تابعة لايران تعتبر ان في الإمكان إعادة الامامة الى اليمن. منذ صعود نجمه في العام 2011 وبداية التمدد الحوثي بفضل الانقلاب الذي نفّذه الاخوان الاخوان المسلمون على علي عبدالله صالح، صدق عبدالملك الحوثي في امر واحد فقط، هذا اذا وضعنا جانبا رغبته في الثأر من علي عبدالله صالح شخصيا. يتمثل هذا الامر في قوله بعد دخول الحوثيين صنعاء واحكام سيطرتهم على المدينة في العام 2014 ان "ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر" حلت مكان "ثورة السادس والعشرين من سبتمبر"، أي ان نظاما جديدا قام في الجزء الشمالي من اليمن انطلاقا من احتلال صنعاء وانتشار الميليشيات الحوثية فيها.

من صدق، في المقابل، كان الدكتور عبدالكريم الارياني الذي قال في حديث طويل قبل سنوات عدّة الاتي: "التمرد (الحوثي) في صعده لا يتفق في أي حال من الأحوال مع تاريخ الجمهورية المنية وتاريخ اليمن. في شكل عام، هذا التمرّد لا علاقة له بالنسيج اليمني ولا بالتاريخ الثقافي والسياسي والديني اليمني، لكنّه نبتة شيطانية استقت ماءها من خارج منابع التراث اليمني والتاريخ اليمني، لكنّ الاخوان في المعارضة نظروا اليها على انّها حركة موجّهة ضد النظام ولم يدركوا، او بعضهم لم يشأ ان يدرك، انّها حركة موجّهة ضد مسيرة التاريخ اليمني، عبر اكثر من الف سنة في ظلّ الدين الإسلامي الحنيف، وانّها حركة موجّهة ضد النظام الجمهوري الذي تتفيّأ ظلّه وحرّيته وديموقراطيته جميع أحزاب المعارضة على الساحة اليمنية".

توفّى الارياني في تشرين الثاني – نوفمبر 2015، وهو على خلاف مع علي عبدالله صالح، لكن الأخير الذي كان لا يزال على علاقة بالحوثيين وقتذاك، عمل كلّ شيء من اجل ان يدفن الارياني في ارض اليمن. حرص الرئيس السابق على الإشادة بالرجل الاستثنائي الذي رافقه طوال ثلاثة عقود وانضم علنا الى خصومه ابتداء من العام 2012. لم يمنع التباعد بين الرجلين من مشاركة الرئيس السابق في جنازة الارياني الذي اكّد مرات عدة انّه عانى طويلا من مزاجية علي عبدالله صالح، خصوصا في السنوات الأخيرة من حكمه. جعله ذلك يبتعد عنه وينضمّ الى "الشرعية" ويشارك في مؤتمر الرياض.

عندما توفّى عبدالكريم الارياني، كانت لا تزال في اليمن بقية اخلاق وتقاليد تجمع بين اليمنيين، خصوصا بين اهل صنعاء. لذلك، يبدو اكثر من ضروري في هذه المرحلة الابتعاد عن كلّ ما من شأنه البقاء في اسر المماحكات ذات الطابع الشخصي، وهي المماحكات التي ميّزت العامين 2011 و2012 والتي مهّدت لدخول الحوثيين الى صنعاء ووضع يدهم عليها في 2014.

اعتقد علي عبدالله صالح ان في استطاعته ترويض "انصار الله". اكتشف بعيد دخولهم صنعاء ونشرهم "اللجان الشعبية" في شوارعها وصولا الى تطويق الحيّ الذي يقيم فيه انّه اصبح رهينة لدى هؤلاء. ناور مرات عدّة محاولا الإفلات، لكنّ غريزة الثأر لدى عبدالملك الحوثي كانت اقوى من كلّ ما عداها. كان عبدالملك الحوثي ينتظر في كلّ يوم اللحظة المناسبة للانقضاض على الرئيس السابق بحجة انّه وراء قتل أخيه حسين بدر الدين الحوثي في أيلول – سبتمبر من العام 2004، عندما انتهت الحرب الاولى بين القوات الحكومية والحوثيين.

في حديثه الطويل قبل سنوات عدّة، تطرّق الارياني الى المعارضة التي كان هدفها اطاحة علي عبدالله صالح. استغرب عدم استيعاب الاخوان المسلمين لما يمثله الحوثيون. استغرب خصوصا وقتذاك التغاضي الاخواني عن التمرّد الحوثي بحجة ان المطلوب التخلص من علي عبدالله صالح اوّلا. حسنا، خرج علي عبدالله صالح من السلطة في شباط – فبراير 2012 واغتيل في الرابع من كانون الاوّل – ديسمبر 2017، هل تغيّر شيء في سلوك الحوثيين؟

مع اقتراب السنة 2017 من نهايتها، وطي صفحة علي عبدالله صالح الذي لم يكن شخصا عاديا بأي مقياس من المقاييس، يفترض في "الشرعية" اليمنية استيعاب انّ اليمن دخل مرحلة جديدة. لا علاقة لهذه المرحلة بالماضي القريب والبعيد. من راهن على انّ في الإمكان التعاطي مع الحوثيين وإيجاد قواسم مشتركة معهم، انّما يراهن على سراب. من راهن من الاخوان المسلمين في الماضي على امكان التفاهم مع الحوثيين بصفة كونهم "قوّة إسلامية"، انّما يرتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي زار محافظة عمران في تموز – يوليو 2014 ليبحث مع الحوثيين في مشاريع مستقبلية تتعلّق بإعادة بناء مؤسسات الدولة. المضحك ان ذلك حصل بعدما باشر "انصار الله" زحفهم في اتجاه صنعاء وبعد سيطرتهم على مناطق آل الأحمر شيوخ حاشد والقضاء على اللواء 310 الذي كان يقوده العميد حميد القشيبي.

في غياب القدرة على استئصال الحوثيين واعادتهم الى حجمهم الطبيعي، أي الى صعده التي أتوا منها، سيكون في الامكان القول الف سلام وسلام على اليمن.

كان ما قاله عبدالكريم الارياني قبل سنوات عدّة بمثابة التحليل العميق والدقيق للظاهرة الحوثية التي ليس لديها أي مانع في شرذمة اليمن شرط ان تكون لدى "انصار الله" منطقة خاصة بهم عاصمتها صنعاء.

يكتب الحوثيون تاريخا جديدا لليمن وذلك باسم "الشرعية الثورية". أصبحت صنعاء بكلّ بساطة مدينة إيرانية. هذا هو الواقع الذي لا مفرّ من الاعتراف به. هل تتحمّل شبه الجزيرة العربية مثل هذا الواقع، ام لا يزال في الإمكان قلبه؟ سيتوقف الكثير على امكان تشكيل "شرعية" قادرة على استيعاب معنى الذي حصل في صنعاء منذ أيلول – سبتمبر 2014 ومعنى الإصرار على تصفية علي عبدالله صالح الذي لم ينتفض في الايام القليلة التي سبقت دخول منزله من اجل قتله الّا بعدما يأس من قدرته على إيجاد أي قاسم مشترك مع عبدالملك الحوثي الحالم بان يكون الامام الجديد في اليمن.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
'تمسكن تسلم'
2018-02-18
لا احد يريد التفاوض مع احد في اليمن
2018-02-16
ايران دولة متوسّطية!
2018-02-14
فقدان رفيق الحريري... فقدان بعض الامل
2018-02-12
مسألة اكبر من طائرة وصاروخ
2018-02-11
في ذكرى الحسين بن طلال
2018-02-09
قبل ان تهتمّ ايران بالقدس
2018-02-07
لعبة أميركية – إيرانية شارفت على نهايتها
2018-02-05
نسيب لحّود... الغياب والحضور
2018-02-04
حلقتان مفقودتان لدى جبران باسيل
2018-02-02
المزيد

 
>>