First Published: 2017-12-23

حين ينتصر أكراد العراق لدولتهم المدنية

 

الحشد الشعبي هو القوة الضاربة التي تنتظر عدوى الاحتجاجات التي تنتقل من أكراد العراق في الشمال إلى عربه في الجنوب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما يحدث في كردستان من اضطرابات هو صورة لما يمكن أن يحدث في العراق في أي لحظة. فما لدى العراقيين من أسباب الاحتجاج أكثر بكثير مما لدى الأكراد.

وإذ يحاول رئيس الوزراء العراقي الهروب من مشكلاته من خلال تعاطفه مع المحتجين الأكراد فإنه لا يفعل ذلك إلا بهدف ابتكار ذريعة جديدة من أجل تعطيل الاحتجاجات ضد الفساد الذي دمر كل أمل في أن يخرج العراقيون من أزماتهم الطاحنة.

ومن الانصاف القول هنا إن المشكلات التي ورثها رئيس الحكومة الحالي من عهدي سلفه هي أكبر من قدرته على التصدي لها غير أن من الانصاف أيضا القول إن شخصا مثل العبادي بكل تاريخه الحزبي الذي يفصح عن نزعة طائفية مطلقة هو ليس الرجل المناسب لإنقاذ العراق من مشكلاته المتشعبة وهي الأزمات التي نتجت عن هيمنة حزبية جرت البلاد والعباد إلى موقع التناحر والتنابز الطائفي.

لقد انتهى الشعب العراقي بعد خمسة عشر عاما من الاحتلال إلى أن يتماهى مع ما نص عليه دستور البلاد الجديد من أنه ليس شعبا واحدا بل هو مجموعة من المكونات البشرية التي لم يُتح لها وقت للامتزاج لذلك يمكن أن يقتل بعضها البعض الآخر ويمكن أيضا أن يقول بعضها للبعض الآخر "وداعا" لينتهي العراق كما لو أنه لم يكن.

لقد قال الأكراد في استفتائهم المشؤوم "وداعا للعراق" بيسر وهو ما كان متوقعا بغض النظر عن ردود الأفعال العالمية التي لم تكن متوقعة.

غير أن الحكومة العراقية سبقتهم من خلال سياسات الاقصاء والعزل والإهمال والاعتقال العشوائي إلى أن تقول "وداعا" لثلث أراضي العراق حين سلمت ذلك الجزء إلى داعش في خطوة انتقامية، دُبرت من أجل تلقين سنة العراق درسا في الذل والخنوع ومصادرة الكرامة.

قبل عام 2014 الذي حمل معه كارثة ظهور داعش في العراق كان أبناء المحافظات السنية قد نظموا أنفسهم للقيام باعتصامات سلمية احتجاجا على سياسات حكومة بغداد التي كان نوري المالكي يتزعمها.

كان رد حكومة بغداد على تلك الاعتصامات أكثر عنفا من رد حكومة كردستان على التظاهرات الحالية، بالرغم من أن المعتصمين السنة كانوا أكثر سلمية من المتظاهرين الأكراد.

ما فعلته القوات الحكومية يوم قتلت خمسين معتصما سنيا في مدينة الحويجة لا يمكن تخيل وقوع ما يشبهه في كردستان. لا لأن حكومة كردستان تخشى ردود الأفعال المحلية أو العالمية بل لأنها تمتلك القليل من الخبرة في الحكم المدني وهو ما تفتقر إليه حكومة بغداد التي تفسر الأمور كلها من منظور طائفي هو نتاج الحكم الديني الذي ينتظر دعاته الفرصة المناسبة للإعلان عن قيامه رسميا.

وعلى عكس ما يتوقع البعض من مراقبي الوضع في العراق من أن احتجاجات كردستان ستنتقل مثل عدوى إلى وسط العراق وجنوبه حيث تقيم الأغلبية الشيعية فإن شيئا من ذلك لن يقع.

لا يزال الدرس السني ماثلا للعيان. مدن مدمرة وملايين بشرية نازحة وأطفال يولدون في المخيمات وتمثيل صوري منافق في الدولة عبر سلطاتها الثلاث التي يسند بعضها البعض الآخر في إخفاء الحقائق.

اما التظاهرات التي شهدتها بغداد من أجل دعم المحتجين الأكراد فإنها رسالة خبيثة إلى حكومة كردستان لذلك رحبت بها الحكومة ولو كان الامر غير ذلك لتصدت لها الأجهزة الأمنية مباشرة أو من خلال عملائها المدنيين.

غير أن الادهى يمكن أن يقع في الجنوب لو شهدت مدنه خروج محتجين على الفساد المستشري هناك بحيث صارت مجالس المحافظات تشهد حروبا معلنة بين أعضائها بسبب الصراع على الغنائم.

ليس من الصعب التكهن بما ستفعله الحكومة يومها. لقد سبق للبصرة أن شهدت حربا أيام حكم المالكي كان عنوانها الحرب على جيش المهدي وهي حرب يمكن أن تقوم في أية لحظة غير أن الحشد الشعبي سيكون هذه المرة هو الأداة الضاربة التي ستستعملها الحكومة.

ما فعله الأكراد وهم يحتجون وما فعلوه وهم يمارسون الضبط من موقع حكومي لا يمكن أن يحدث في ظل حكومة دينية تستظل بحماية الميليشيات.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
حين تخذل المرجعية الدينية أتباعها
2018-04-22
هناك مَن لا يرغب في خلاص سوريا
2018-04-21
مجاهدون ومقاومون على طاولة واحدة
2018-04-19
ما لم تكن إيران تتوقعه من السعودية
2018-04-18
اختراع إيران
2018-04-17
من أجل حرب لن تنتهي في سوريا
2018-04-16
لا أحد يسمع النداء في بلاد الجثث
2018-04-15
المعارضة السورية في أسوأ أحوالها
2018-04-14
لغز البغدادي الخفي
2018-04-12
قتلة محترفون بمزاج انساني
2018-04-11
المزيد

 
>>