First Published: 2018-01-10

باحثون روس يتتبعون تاريخ العلاقات المصرية الروسية

 

كتاب 'بين الفولجا والنيل' يضم 24 بحثا تتناول مصر وعلاقاتها مع روسيا، والتي نُشرت في مجلة 'الأرشيف الشرقي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

جولة تاريخية

يضــم هذا الكتاب "بين الفولجا والنيل" مجموعة البحوث التي تتناول مصر وعلاقاتها مع روسيا، والتي نُشرت في مجلة "الأرشيف الشرقي"، وهي دورية علمية يصدرها باللغة الروسية معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروســية منذ العام 1998، وهي أربعة وعشــرون بحثاً تنشــر ترجمتها للمرة الأولى في جولــة تاريخية تحوي صفحات متنوعــة في مضمونها تتناول روسيا، ودير سانت كاترين في سيناء، وأعمال البعثة الأثرية الروسية في الجيزة ، ومصير أول قنصل روسي في مصر، وآخر مبعوث من قبل القيصر الروســي لمصر، والجالية الروسية في بلاد الأهرامات، والأسرى المصريين في روسيا، وإقامــة العلاقــات الدبلوماســية بــين مصــر والاتحاد الســوفيتي، وذكريات دبلوماســيين سوفييت ولقاءاتهم مع الرئيس جمال عبدالناصر.

الكتاب الذي صدر عن دار أنباء روسيا قدم له د. حســـين الشـــافعي لافتا إلى أن مؤلفي هذه المقالات ليســوا بالضرورة من أســاتذة معهد الاستشــراق بــل إن هناك باحثين آخرين من مراكز أخرى لعلوم الاستشــراق في موســكو، وسانت بطرسبورج، وقازان، وخاباروفسك، وزملاء من الخارج .

وأشار إلى أن مقال د. فلاديمير بيلياكوف الباحث الشــهير بمعهد الاستشــراق التابع لأكاديمية العلوم الروســية، يأخذنا في جولة بين وثائق وأرشيفات مهمة تسجل أحداثاً مهمة في تاريخ العلاقــات المصريــة - الســوفيتية، يبدأها بفتح صفحات تقرير - ينشــره للمــرة الأولى - أعده الدبلوماســي الســوفيتي البارز فلاديمير فينوجرادوف الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب وزيــر الشــئون الخارجيــة للاتحــاد الســوفيتي (1970 - 1974) ، ثــم عمــل ســفيراً لدى مصر (1974 ـ 1977).

لا يكتفــي فينوجــرادوف في هــذا التقريــر بذكر اللقــاءات التي جمعته بالزعيم جمال عبدالناصر، وإنما يلقي الضوء على السياسات التي انتهجها الاتحاد السوفيتي السابق تجاه منطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة من التاريخ ومازالت تدور حولها النقاشات حتى الآن.

أما مقال ديمتري فرومين فيعود بنا ســنوات للــوراء ليحكــي لنا قصة إنشــاء أول قنصلية روســية في مصر، حيث أصــدرت الإمبراطورة كاتريــن الثانيــة في الثلاثــين من أغســطس/آب عــام 1784 قــراراً إمبراطورياً بتعيــين البارون "فون طونوس" قنصلاً عاماً لروســيا في مصر، وفي الســابع والعشــرين من يوليو/تموز 1785 تم رفع العلم الروسي فوق مقر القنصلية الروسية بالإسكندرية وسط احتفال بهيج.

ويكشــف مقال جينادي جورياتشــكين أستاذ التاريــخ المعاصــر بجامعة موســكو دور القوات المصريــة في حرب القرم، والحرب الروســية التركية خلال عامي1878 – 1877. حيث كان معروفاً أن الإمبراطورية العثمانية تضم خلال الحروب التي خاضتها ضد روســيا وحدات عسكرية من الدول الواقعة تحت سيطرتها ومن بينها مصر، فماذا حدث في المواجهة العســكرية بين القوات المصرية والقوات الروســية، والتي شــارك فيها قرابــة 40 ألف جندياً مصري من بين ما يربو على خمسين ألفا.

ومن جانب آخر تساءل جورياتشــكين كيف استقبلت القاهرة الدفعة الأولى من المهاجرين الروس - وكان قوامها 4250 مهاجراً أغلبهم مرضى وجرحى - قدموا في بدايات عام 1920، فجرى إيداع المرضى منهم في مستشفى ميدانــي علــى أطراف مدينة القاهــرة - العباســية - ونقل الأصحاء منهم إلى معســكر التل الكبير، ثم جرى نقلهم إلى معســكر سيدي بشــر المتاخم لسواحل البحر المتوسط خلال عام واحد من وصولهم ، ليأسســوا أول مدينة للمهاجرين الروس، حيث شرعوا في ممارسة حياتهم وفق الطريقة الروســية المعتادة، وهو الأمر الذي عملت على تســجيله مجلة شــهرية شرعت الجمعية الثقافية - التعليمية التي تأسســت في المعســكر الأول - معســكر التل الكبير- في إصدارهــا واسمها "المهجر" ليرصد طبيعة الحياة التي عاشــها هــؤلاء المهاجرون، ومعاناتهم ومعيشــتهم وكيف تآلفوا في جمعيات تنشــر الثقافة والعلوم فتلقــي المحاضرات، وتنظم الندوات والــدورات التعليمية والتثقيفية والتنويرية، وتتبادل الرســائل والخبرات وتجتمع للبحث عن مصادر لتمويل أنشــطتها وفعالياتها، وتقيم الكنائس للعبادة، كما يرصد لنا المهن التي مارســها المهاجرون لتكســب قوت يومها ما بين طبيب وحلاق وبائع تبغ، كما يحكي لنا عن الأمسيات الأدبية التي كانت تجمع في حلقاتها المهاجرين الروس.

أيضا تناول جينادي جورياتشكين في مقال آخر قصة سميرنوف القنصل الروســي الشهير الذي قضى بمصر عشرين عاماً (1905 - 1924) وكان أحد أبرز الشخصيات المثقفة في عصره، يحدثنا جينادي بعد أن طوى بذكرى سميرنوف النســيان بعد أن واراه التراب بالقاهرة بعد وفاته، ودفن بالقرب من مقابر اليونانيين المصريين.

سميرنــوف ولد في ســانت بطرســبورج في العــام 1869 ودرس العربيــة والفارســية والتركية بكلية الشــرق بالعاصمة الروسية - آنذاك - وعمل بالعاصمة العثمانية قرابة العشــر ســنوات ثم باليونان ثم القاهرة، حيث تم اختياره عميداً للسلك الدبلوماسي بالقاهرة منذ العام 1908، وحتى العام 1923. لم يعترف سميرنوف بثورة أكتوبر، ولا بالاتحاد الســوفيتي ووصف اللجنة الشــعبية الســوفيتية بأنهم "عصابة من المغتصبين الذين اســتولوا على الوطن بعد ســقوط الســلطة الشــرعية للبلاد"، وشهد مرحلة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا وتقليص وتجميد العلاقات بين البلدين.

بالتوازي مع هذه المرحلة بدأ نجم سميرنوف في الظهور كأب حقيقي للجالية الروسية في مصر، حيث شهد عام 1920 وصول عدد المهاجرين الروس إلى أكثر من عشرة آلاف روسي بمصر تركزوا بشــكل أساســي في العاصمة القاهرة، ومدينة الثغر (الإسكندرية)، لم يجدوا ظهيراً وراعياً لهم إلا سميرنوف .

وقال الشافعي أن جورياتشكين تحدث أيضا عن رحلة أبناء الخديوي توفيق الأمير عباس ولي العرش (ذو الخمســة عشر عاماً)، وشــقيقه الأمير محمد علي (ذو الثلاثة عشر عاماً) لزيارة روسيا بصحبة الأمير طونين باشــا (رئيس المراســم بالقصر الخديوي)، ود.محمد شكري بك مدير المكتــب الخديــوي ونجيــب أفندي رئيس الحاشــية وعدد كبــير من المرافقين عــام 1888، وجاءت زيارة الأمير الروســي سيرجي الكســندروفيتش، والأميرة يليزافنا فيدروفنا والأمير بافل ألكسندروفيتش لمصر في أكتوبر - نوفمبر 1888 رداً على زيارة الأمراء المصريين لهم.

ورصد مقال ألكســي أنتوشين كيف حاول الاتحاد السوفيتي التغلغل إلى مصر، بمحاولة دمج عناصــره في المجتمــع المصــري. كان الأمــر يتطلــب أن تجيــد هــذه العناصــر اللغــة العربية، ومعرفة جيدة بشــوارع المدينة، التي ســيعملون بها، حيث رشــح القنصل الروســي في ربيع عــام 1922 أحدهم للعمل في البوليس المصري الإنجليزي حينما، ســنحت الفرصة لطلب شــخص يتحدث الروســية، فهــا هي تقاريره عن المهــام التي قام بها تنشــر لأول مرة عن بعض هؤلاء العملاء.

وتتناول د. فيرونيكا كونكوفا في مقالها أحد المخطوطات العربية التي يحتفظ بها معهد المخطوطات الشــرقية التابع لأكاديمية العلوم الروســية في ســانت بطرسبورج بها، وهي "مختصر الدول" لصاحبه المؤرخ والفيلســوف ورجل الديــن يوحنا جريجوريوس الملطي (1286-1226) الســوري، وهي المخطوطة التي تتضمن فيضاً من المعلومات عن الخليفة المنصور (775 - 754) أحد أهم حكام الدول العباسية.

وتسجل إلينور كورميشــيفا أســتاذة المصريات، ورئيســة البعثة الأثرية الروسية العاملــة بمصر لقطــات من يوميــات البعثة الأثريــة في الجيزة، حيث أســس لأعمال هذه البعثة رائد علم المصريات ف. س. جولينتشــيف.

تحكي إلينور كورميشــيفا قصة أعمال البحث والدراسة عام 1995 في مقبرة خفرع عنخ المشرف على بناء هرم خفرع - الهرم الثاني من حيث الحجم، وكيف عانت البعثة الأثرية الروســية من أجل العثور على معلومات وبيانات تاريخيــة مفيــدة حتــى ولو بالمــكان التقريبي لهــذه المقبرة، وفي هذا الشــأن قامــت الأثرية الروســية بالتردد علــى المكتبة الوطنية البريطانية، وأرشــيف معهد جريفيس والمكتبة الوطنيــة الفرنســية وجامعتي هايدلبرج وبوســطن. مقالة رائعة تكشــف عن مدى الصبر والتحدي والدأب حتى تم كشف الأسرار التي تحيط بهذه المقبرة.

وعرض الكاتب فلاديمير بيلياكوف موضوع اللاجئين الروس السياسيين في مصر في مطلــع القرن العشــرين، وقد كانــت أغلبيتهم من اليهود المعاديــن للنظام القيصري في روسيا حيث قام الثوار الروس باستغلال تواجد هذه الجالية الروسية في مصر في أوائل القرن العشــرين لإرســال وتداول المطبوعات الماركســية عن طريق مجموعة من البلاشــفة، وهي مهمــة نــوه لها فلاديمــير إيلينش لينين مبكــراً في عام 1901 في خطاب له عن خطة إرســال "اســكرا" "الشــعلة" عــبر الإســكندرية، ومنهــا إلى دول أوروبا.

ثم يحكــي لنا كيف تيقظ البوليس الســري التابع للقيصر بالإســكندرية لذلك وكيف أوقف هذه المحاولات، وكيف تطورت هذه الأعمال. كل هذا نجده في ثنيات هذه المقالة، لقد واكب بخسارة الموجة الأولى من الثورة الروســية، والخوف من ملاحقات السلطات القيصرية ظهور الحركة الوطنية المصرية وقيام عدد من النشطاء المشاركين في الأحداث الثورية بالانتقال إلى مصر.

وتطرق بيلياكوف لتاريخ الكنيسة الأرثوذوكسية في مصر كاشفا عن أول تقرير كتبه القنصل الروســي بمصر عام 1915 وســجل فيه "أن 96 % مــن الروس بمصر يعتنقون اليهودية، وأن الأعداد القليلة من الروس المسيحيين الأرثوذوكس يتوجهون إلى الكنائس اليونانية لأداء الصلوات، حيث إن "تاريخ أول كنيسة أرثوذوكسية روسية في مصر يعود إلى عام 1914، حيث أقيمت في منزل مســتقل في 24 ميدان الرمل (شــارع سعد زغلول) حالياً، حيث أقيمت كنيسة مستقلة باسم القديس "ألكسندر نيفسكي".

يذكر أن الكتاب صدر عن دار أنباء روسيا بالتعــاون مع معهد الاستشــراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وبدعم من المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم، في إطار المشروع الذي تتبناه المؤسسة للترجمة؛ لدعم التواصل الثقافي العربي – الروسي. وأشرف عليه د. حســـين الشـــافعى رئيس المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير مجلة "أنباء روسي"، وشارك في ترجمته د. محمد رياض ومنى دسوقي وأماني التفتازاني.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
أمير تاج السر: أعمل على مشروع عربي وليس سودانيا فقط
2018-04-23
نجيب بلدي: 'مدرسة الإسكندرية' حركة فكرية وليست متحفا
2018-04-22
علي بن مخلوف يشدد على أهمية قراءة الفلاسفة العرب اليوم
2018-04-21
إنجو شولتسه يرصد صدى انهيار جدار برلين في 'قصص بسيطة'
2018-04-19
عبدالهادي سعدون يترجم قرنا من الشعر الإسباني الحديث
2018-04-18
سيد الإمام يؤسس للملهاة التهكمية جماليا وفلسفيا
2018-04-17
شوقي بزيغ: ليست شطارة أن تكون فوضويا في الكتابة
2018-04-16
مركز بحثي بريطاني يرصد ويحلل المنظومة الدعائية والإعلامية لداعش والقاعدة والنصرة
2018-04-15
مواجهات ابن باجه وابن طفيل وابن رشد مع الفلسفة الإسلامية والمسيحية
2018-04-14
شكري المبخوت يحذر: النقد العربي أمام أزمة تهدد وجوده
2018-04-13
المزيد

 
>>