First Published: 2018-01-11

من تجليات المخطط التركي في السودان

 

المعلومات والاعترافات الصادرة عن أعضاء حركة حسم الإخوانية المسلحة تكتشف تكاملًا تركيًا سودانيًا منذ البدايات في تشكيل وتطوير أداء هذه الحركة وغيرها والتي تستهدف إحداث اضطرابات موسعة في العمق المصري.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: هشام النجار

العداء التركي لمصر بجريرة الموقف من الإخوان

تصعيد السودان ضد مصر بسحب سفيره لدى القاهرة قبل أيام، لا تخلو من دلالات وثيقة مع محور تركيا- قطر- السودان، واشتباكه مع مخرجات زيارة الرئيس رجب طيب إردوغان الأخيرة للخرطوم وجزيرة سواكن.

يتصور الرئيس التركي أن مصر، محطة ضرورية لمختلف الأطراف، كساحة لتثبيت مخرجات الصراع السوري أو تعديل معادلاته.

من خرج رابحًا يسعى لإسناد مكتسباته عبر البوابة المصرية، كمركز حيوي لصناعة النفوذ في أفريقيا، وليس بعيدًا التنافس بين القوى المنخرطة في الصراعات على شاطئ البحر المتوسط من البوابة السورية على امتلاك مراكز نفوذ البحر الأحمر.

لذا يعاود البعض المحاولة عبر مصر لتعميق الصراعات وإطالتها، وهدف إردوغان، خلق مساحات إستراتيجية بعيدة لإعادة التموضع بكامل أدواته التي وظفها في الحرب السورية.

تسيطر نظرية السهم المندفع رئيس الوزراء التركي الأسبق داود أوغلو، على عقلية إردوغان، فالفشل في الاتجاه غربًا والانتساب للاتحاد الأوروبي أوحى له بأنه لن يفرض نفسه على أوروبا باندفاعة من الداخل التركي، إنما من خلال تشكيل إمبراطورية، ولابد من العودة للشرق للاندفاع بقوة صوب أوروبا، وتبين صعوبة أن تكون عودة السهم للداخل التركي كافية للانطلاقة نحوها.

وفقا للتصور نفسه، الفشل في سوريا أوحى إليه بفكرة الاندفاع من عمق الشرق الإستراتيجي ومن مجال النفوذ الحيوي في البحر الأحمر وأفريقيا، خاصة وأنها مساحات يملك بها حرية تحرك أكبر وعلاقات أوثق، علاوة على مجال جماهيري متجاوب مع إسقاطاته الدينية والتاريخية.

بعد وصول الصراع في سوريا لمراحله الأخيرة، تتلاقى جهود الأطراف متضاربة المصالح على أرضية الحرب على الإرهاب للتقليل من خطره وتحجيمه، وهو ما تنظر إليه القوى التي تشابكت مصالحها مع التنظيمات الراديكالية، خاصة تركيا كتحد مباشر لنفوذها وتهديد لمصالحها.

متشددو أوروبا

توصل إردوغان لمعالجة براغماتية على طريقته يعطي من خلالها الأوروبيين ليس فقط ما يبعدهم عن التنازع مع تركيا، بل ما يقربه خطوة من طريق مواصلة مفاوضات الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، مقابل التحكم في توجيه الإرهابيين الدواعش من أصول أوروبية نحو مناطق بعيدة عن بلدانهم الأصلية.

الأوروبيون يعون أنهم مهما بلغت إجراءاتهم الوقائية حد الصرامة والحزم ومهما بالغوا في استباق الحدث بمبادرات غير تقليدية، لن يمنعوا العودة الداعشية لأراضيهم من بؤر الصراع العربية عبر تركيا، ولا مفر من التفاهم مع أنقرة.

اختار إردوغان فرنسا لكونها المهموم الأول بهذا الملف فلديها أكبر عدد من المنضمين لتنظيم داعش، عادوا من سوريا وغالبيتهم الآن في محطة الترانزيت، وهذا تصريح واضح من إردوغان بشأن المساومة الدائرة الآن عندما قال إن أنقرة وباريس دخلتا مرحلة جديدة من حيث علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي.

لابد وأن تُفهم هنا أيضا إشارة إردوغان نقل الدواعش من الرقة إلى سيناء في هذا السياق، كونها رسالة طمأنة للحكومات الأوروبية، استنادًا لمقدرة الرجل على تشغيل الدواعش الأوروبيين في مواقع صراع جديدة وبعيدة، ومن ثم إعفاء الدول الغربية من متاعب جمة جراء عودة المتشددين من أصول غربية إلى بلدانهم.

هل هناك صفقة أم لا؟ هذا لا يهم، لكن تشبيك الأحداث والمواقف يسمعنا صوت إردوغان محادثًا الأوروبيين أن اسمحوا لي بالنفوذ والتمدد في هذا المساحات الإستراتيجية الحيوية بدون ممانعة أو منغصات، مقابل ضبط بوصلة توجه عودة المقاتلين الأجانب.

بذلك يستدرك ويعالج الشروخ التي أصابت جسد العلاقة التركية الأوروبية بعد التنسيق بين موسكو وأنقرة وطهران لهيكلة نهاية للصراع في سوريا، دون الوضع في الاعتبار أولويات الدول الغربية أو حتى مشاركتهم.

الاتجاه نحو أفريقيا

لن تكون وجهة عناصر داعش إلى أوروبا، بل إلى أفريقيا وهناك في البلاد العربية المستهدفة كمراكز بديلة للنفوذ التركي، وعلى رأسها مصر.

مهما كان حجم التحولات فمكان تركيا الطبيعي في المحور الغربي كموازن تقليدي بين الشرق والغرب وكحاجز لا يصد النفوذ الروسي- الصيني فحسب عن أوروبا والولايات المتحدة، بل عن تركيا في المقام الأول.

يعتبر إردوغان التنسيق مع روسيا تكتيكًا ومحطة تطلبتها تطورات الحرب السورية، والآن بعد الهزة التي تعرض لها المحور الروسي اثر انتفاضات إيران وتعرض القاعدة الجوية الروسية في سوريا لهجوم نوعي، يحرص إردوغان على إبقاء الباب مواربًا ناحية الغرب.

تتمحور خطط إردوغان التوسعية نحو أفريقيا حول تقوية جماعة الإخوان بعد اضمحلال حظوظها في سوريا، لفائدة ترتيباته لانتخابات الرئاسة المقبلة، والمتوقع أن تشهد تنافسًا أمام جناح رافض للعديد من سياساته من داخل الجيل المؤسس للعدالة والتنمية يتزعمه عبدالله جول.

لا يستغني إردوغان عن الكيانات الموازية العاملة لحسابه في الداخل التركي أو المنتشرة في الإقليم، ولن يجد من هم أكثر حماسًا من جماعة الإخوان كقوة حشد جاهزة للتعامل مع تهديدات داخلية لحكمه.

ولن يعثر على كيان يمتلك جرأة وصف الواقع التركي بكل ما فيه من قمع وتضييق وانتهاكات كونه أزهى عصور الحرية والديمقراطية كما يفعل قادة الإخوان ومرجعياتها الفقهية.

أحد أهم أهداف إردوغان في المرحلة المقبلة، هو بعث الحركة الإرهابية من مناطق إستراتيجية جديدة، ما يتسق ويتناغم مع تحركات وتمركزات هذه التنظيمات مجتمعة بمنطقة شمال أفريقيا وساحلها أيضا.

هذا تطور يتسق مع مجمل مشهد الأحداث على الساحة منذ بدايته؛ وإذا كان إردوغان فقد حليفه الإخواني محمد مرسي في مصر، فهو يحاول الاستفادة من الرئيس السوداني عمر البشير الذي يعتنق ذات العقيدة الأيديولوجية.

وإذا كانت السلطة الحالية في مصر تعاملت بشكل مختلف مع التنظيمات التكفيرية المسلحة بعد أن كانت التعليمات خلال حكم الإخوان بعدم استهدافها، فالسودان جاهز لاستيعاب هذه الحالة، لتكون المعبر الجديد الذي يؤدي وظيفة تركيا في الحالة السورية.

وبتجميع المعلومات والاعترافات الصادرة عن أعضاء حركة "حسم" الإخوانية المسلحة نكتشف تكاملًا تركيًا سودانيًا منذ البدايات في تشكيل وتطوير أداء هذه الحركة وغيرها، والتي تستهدف إحداث اضطرابات موسعة في العمق المصري، حيث اعترف بعض أعضاء الحركة أنهم تدربوا في الأراضي السودانية ومن أشرف على التدريب أفراد من جهاز الاستخبارات التركي.

إذن أهداف هذا التطور، تمرير ما يشبه الصفقة مع الأوروبيين، ثم حصار الدول العربية الممانعة لمشاريع الهيمنة الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والسعودية.

مدخل إلى أفريقيا

التمركز في قلب مراكز النفوذ العربية التقليدية، وتحويل البحر الأحمر من بحيرة نفوذ عربية إلى تركية عبر إنشاء القواعد العسكرية وإعادة نشر التنظيمات الإرهابية، يعتبره إردوغان مدخله إلى أفريقيا العربية، وهي كانت مدخله إلى آسيا العربية مع اختلاف المسميات.

التجرؤ التركي المؤجل على مصر كمحطة رئيسية لدعم جماعة الإخوان، يبدو أن مقدماته استكملت عبر الإمساك بالنقاط الجيوسياسية العربية الثلاث فائقة الأهمية، من خلال البحر الأحمر من بوابة السودان، وعبر الخليج العربي من بوابة قطر، وعبر خليج عدن والمحيط الهندي من بوابة الصومال.

مصر تشعر بأخطار وتهديدات مضاعفة ومركبة، وهناك تحركات عدائية تستهدف أمنها القومي تقودها تركيا وتمولها قطر انطلاقًا من عمقها الإستراتيجي في السودان، ما يجعل التوقعات مفتوحة على سيناريوهات مختلفة.

الدولة التي رفضت حكم جماعة الإخوان الساعية إلى استتباعها لمصالح تركيا ودعمها في الملف السوري، لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى قوى وكيانات ودول جوار تسعى لتحويلها إلى ملف وساحة صراع.

هشام النجار

نشر في أحوال تركية

 

اتهامات حقوقية للعراق بإخفاء أدلة الانتهاكات بالموصل

رايتس ووتش تدين الإجلاء القسري للاجئين السوريين من لبنان

الاغتيالات تلاحق مناهضي إيران في كردستان العراق


 
>>