First Published: 2018-01-12

كيف وصلت تونس إلى هذا وهل من مخرج؟

 

الشعب التونسي يعيش فوق إمكانياته منذ زمن بعيد. ما يحدث هو النتيجة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمّار

في وقت عرفت فيه تونس هزات شعبية على خلفية قانون المالية لسنة 2018 وما تسبب فيه من ارتفاع صاروخي للأسعار وغلاء في المعيشة، حريّ بنا أن نقف وقفة تأمل ونحاول فهم الحدث من زوايا مختلفة عن الزوايا التي يتناوله من خلالها الإعلام.

ما من شك في أن تونس تمرّ بأزمة اقتصادية خانقة وأنّ قانون المالية ما هو الا القطرة التي أفاضت الكأس. فالشعب التونسي يعيش فوق إمكانياته منذ زمن بعيد والديون الخارجية تثقل كاهل ما كان يسمى بالطبقة الوسطى والعقلية الاستهلاكية ضاربة منذ عقود في النسيج السيكولوجي للمجتمع. إذن لا تقتصر الأزمة على البعد السياسي أو البعد الاجتماعي أو البعد الاقتصادي دون سواها. فما هي الأبعاد الخفية للأزمة التونسية؟

هنالك في رأيي أبعاد عديدة للأزمة إذا حصرناها في محاور كبيرة ستُفضي إلى السياسي العلوي أي المتعلق بنمط الدولة، ثم إلى الجانب الجغراسياسي، وأخيرا إلى الثقافي/الديني/العقدي.

بالنظر إلى السياسية العالمية ونمط الدولة، أعتقد أنه من سوء حظ تونس والتونسيين أنّ الانتقال الديمقراطي جاء في ظروف عالمية تتسم باحتضار مفهوم "الدولة القومية". هكذا منذ تحولات ديسمبر 2010- يناير 2011 أصبحت على كاهلنا اثنتان من المهام تشكلان معًا رهانا شبه مستحيل: تجذير الديمقراطية وفي نفس الوقت المحافظة على مقومات الدولة القومية. كيف يمكنك أن ترسخ الديمقراطية والحال أنّ المحمل الذي يُفترض أن ترتكز عليه متّسم بالاهتراء؟ تلك حالة شبيهة بحالة فلاح يزرع القمح في تربة بُركانية أو يحرث في الماء. في ضوء هذا، أعتقد أن المهمة لا بد أن تتغير. فالمطلوب مستقبلا هو توظيف مفهوم وآليات الديمقراطية من أجل تغيير نمط الدولة من دولة عصرية من صنف "صفر" إلى دولة عصرية من صنف "أ".

أما الجانب الجغراسياسي والاستراتيجي العالمي فيُرغمنا على قراءة الوضع التونسي في خضمّ الاستراتيجيا العالمية وعلى التشديد على الصبغة الامبريالية لهذه الاستراتيجيا. فلا يجوز أن ننسى أنّ المنطقة العربية بأكملها رهينة ما يسمى بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" (أي مشروع إسرائيل الكبرى) الذي تمتد مطامعه إلى تونس من بين بلدان أخرى. ولا يجوز أن نغفل عن أنه قد تمّ الشروع في تنفيذ بنود هذا المشروع الأخطبوطي وذلك تقريبا وبصفة ملموسة منذ التدخل الثلاثيني في العراق في سنة 1991 بدعوى تحرير الكويت. كما تم احتلال هذا البلد الشقيق في 2003 لإتمام تكسير شوكته، فأصبح حينئذ المجال مفتوحا لفتح باقي البلاد العربية، بواسطة الديمقراطية إن أمكن (تونس ومصر) أو بواسطة السلاح إذا استعصى أمر الديمقراطية السلمية (ليبيا وسوريا). وقد استغل الغرب بقيادة الولايات المتحدة مطالبة المثقفين العرب بالديمقراطية لاستقطاب مجموعة من النشطاء ثم تكوينهم ضمن مؤسسات أميركية شبه حكومية مثل فريدم هاوس ومركز الإسلام والديمقراطية، تكوينهم ليكونوا قادة عند عودتهم إلى بلدانهم. وهذا ما حصل في الحالتين التونسية والمصرية بالخصوص.‍ أما النتائج التي آلت إليها الثورتان المفبركتان في كلا البلدين فقد تراوحت بين الاحتراب الإيديولوجي (مصر) والفوضى السياسوية (تونس) مرورا بالمتاعب الاقتصادية. وما الوضع الاقتصادي والمالي في تونس الآن إلا "خير" صورة لنتيجة الاستعمار غير المباشر لبلدنا. في سياق متصل، أليس تزامن قرار دونالد ترامب إعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني مع الأحوال المتردية لليبيا واليمن ومصر وتونس "خير" تجسيد للديمقراطية المستوردة؟

أخيرا يحتوي المشهد الثقافي/الديني/العقدي عاهات دفينة قلما اهتم بها قادة الرأي (أو ربما استغلها قادة الرأي الفاسد لقضاء مآرب طالحة!) فنحن شاهدون على ثقافة وطنية متخلفة لا يُفرَّقُ فيها بين اليمين السياسي (سالب) واليمين في الدين (موجب). وهذا مما جعل الناس يفضلون تصديق الكذب ويؤْثِرون سماعَ أقوال وتحاليل من هبّ ودبّ بلا إصغاء ولا تروٍّ ولا تعمّق ولا بحث ولا تمحيص. وهذا مما حَكم على مَلَكة النقد بأن تُضاهي عند النخب والعامة على حدٍّ سواء الشتم والشخصنةَ والتقزيم.

هل يُعقل أنّ في مجتمع تونسي مسلم منذ 15 قرن نجد فسادا مثل الذي نراه اليوم (فسادا ماليا واقتصاديا ومدرسيا واجتماعيا وحتى غذائيا)؟ إنه من البديهي أنّ الاستقالة باتت جماعية: فردية وأسرية وتربوية واجتماعية وحكومية وخاصة مسجدية. فالمشايخ والأئمة أضحكوا الأمم علينا وحاشى دين الإسلام، وهو منهم براء. هُم من لم يكونوا قادرين على إنقاذ المجتمع المسلم من براثن المادة وعلى إرشاده كي يحقق التوازن المطلوب بين الروحي والمادي.

كنتيجة لعَدم انفتاحهم على الفكر غير الديني، لم يحاول المشايخ والأئمة تصحيح مفاهيمَ مثل اليمين واليسار بالنظر إلى الدين وإلى السياسة حتى أضحى رجل السياسة اليساري منبوذا ومكروها وعُرضة للتكفير من طرف عامة الناس لا لشيء سوى لأنه تمّ إسقاط مفهوم اليسار في الدين في بوتقة السياسة بشكلٍ مهّد الطريق أمام اليمين ليكون المكوّن شبه الأوحد ليحكم البلاد (التحالف بين "النهضة" و"النداء" نموذجا).

كما أنّ اليسار بدوره مقصّر من حيث عجزه عن توضيح الرؤى. وهو ما جعل اليسار في تونس غير قادر على فهم فكر الشعب. فهذا اليسار، إذْ يشدد على عدم الخلط بين الإيمان الديني والسياسة إلا أنه يرتكب خطأ أكبر وذلك بأنه يخلط بين الإيمان ونتائج الإيمان. فهو يختفي وراء هذا العجز والخلط ليقدم أفكارا لا ترضي الشعب ولا تنفعه، ما يتسبب في تأليب الرأي العام عليه من طرف خصومه (أليس اتهام الجبهة الشعبية اليسارية بالتحريض على النهب والتخريب في أحداث يناير الجاري دليلا على ذلك؟) فاليسار في تونس لا يزال يتيما وهو المتسبب في صعود اليمين (النهضة والنداء) مع أنه أوّل من يلوم هذا الصعود. لذا فهو مطالَب باعتماد آراء الشعب إن أراد أن يسوسَه بأحقية في يومٍ ما لأنّ آراء الشعب ليست صورا مباشرة للإيمان أو دعوات لاعتناق الدين وإنما هي آراءٌ تحمل في طياتها آثار الإيمان الديني، مما لا يتناقض مع مبدأ عدم إرغام أيّ يساريّ على الإيمان.

بالمحصلة، ليس من المفاجئ أن يثير قادة الرأي وصناع القرار في الغرب ثورة أو انتفاضة في تونس أو في أيّ بلد آخر، علما وأنّ بلدا مثل تونس عبارة على "كتاب خطايا مفتوح" أمامهم. لقد كان هذا الغرب يعلم أنّ تونس ستنتابها روحٌ من الفوضى (الفوضى الخلاقة/الهدامة!) وأنها ستروح ضحيةَ صناديقِ النقد الدولية (وهو ما يحصل حاليا). لكن الآن ونحن بصدد مشاهدة المكروه، ماذا يتوجب علينا القيام به لمكافحة الوضع خاصة وأنّ الأزمة التونسية باتت متعددة الأبعاد؟

في رأيي، سواء تعلق الأمر بمقاومة الفساد أو بحُسن توظيف الدين لتصحيح مفاهيمَ حياتية أو بتوعية الشعب بضرورة التوازن بين الروحي والمادي أو بمقاومة الاستعمار الجديد أو بمناهضة الحروب "الناعمة" و"بالوكالة" التي تُشَنّ ضد العربانيين عموما أو بضرورة خلق فرصَ عمل للمعطلين ولخرجي الجامعات، ينبغي إيجاد تصوّر شامل يرتكز على فكرة مثل الآتي شرحها:

باسم الاستقلال وباسم الدولة القومية وباسم القومية التونسية ثم باسم الوطنية، وبسبب قابليتها للاستعمار ثم بسبب الدور الخطير الذي قام به الاستعمار، بقيت تونس، مَثلُها مَثلُ الجزائر وكل بلد كان يعيش معنا تحت مظلة الامبراطورية العثمانية، بقيت يتيمة ومنبتّة ومنفصلة ومعزولة. هي في الظاهر بلد مستقل ذو سيادة ولكن في باطنها جزء، مهما كان كبيرا وهاما، من جسمٍ أكبر بكثير ألا وهو جسمٌ من الضروري البحثُ عمّا يشكله بالكامل، لا العودة إلى تشكيله مثلما كان في الأزمنة الماضية. تونس جزء من كيان أعظم لا بدّ من ابتكاره. ابتكاره في الأذهان أولا ثم في الواقع.

حينئذ فقط ستعود تونس إلى ذاتها وتعود الشقيقات الأخريات والشبيهات بها إلى ذواتها. حينئذ فقط ستلوح في الأفق ركائز نظام سياسي جديد قد يكون صالحا أيضا للبلاد المتقدمة نظرا للتراجع التدريجي المسجل في مستوى نمط الحكم والدولة القومية في تلك البلدان. حينئذ فقط ستبرز المبررات لتشكيل منوال اقتصادي يرتكز أساسا على التبادل والتكامل مع الجارتين ليبيا والجزائر. حينها ستظهر المقومات الضرورية لصياغة هوية ثقافية معاصرة مبنية على التعارف بين شعبنا وكافة الشعوب ثم الدفع بالهوية الثقافية ألى الأعلى وعدم التواني على منافسة الدول العظمى والإشارة الصريحة بالإصبع إلى كل من افتك منا حقا مع الالتزام باسترجاع الحق وصون الكرامة.

حين تتوفر مقومات العمل والتشييد سيكون تشغيل اليد العاملة مسألة عادية إذْ ليس التشغيل رهنَ وزارة دون سواها وإنما يصنعه التوق إلى الأعالي. وهذا سيأتي بفضل الوعي والسعي. الوعي بأنّ تونس لم تتأسس لتحيا وحيدة، البحر أمامها، والحدود المفبركة وراءها، و"الحَرقة" مآل شبابها والحُرقة مآل أهاليهم ومآل التونسيين كافة.

 

محمد الحمّار

كاتب تونسي

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

2018-01-14

 
محمد الحمّار
 
أرشيف الكاتب
كيف وصلت تونس إلى هذا وهل من مخرج؟
2018-01-12
متى تكون القدس لنا؟
2017-12-13
هل يفهمُ المتخصصون الإسلامَ أفضلَ من العوام؟
2017-10-14
في رمي الجسور بين الديني والدنيوي
2017-10-03
ما وراء حديث الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم
2017-09-22
الليبرالية بين حُروبهم الناعمة وعقولنا النائمة
2017-08-06
إذا كانت الانكليزية عشيقتنا فالعربية أُمُّنا
2017-06-13
فسادٌ من المُنتج إلى المُستهلك
2017-06-07
ماذا بعد عسكرة منشآت إنتاج الطاقة في تونس؟
2017-05-12
تونس: سُخطٌ إعلامي غير مبرَّر بسبب إقالة جلول
2017-05-09
المزيد

 
>>