First Published: 2018-01-22

منطقة الشرق الأوسط مرشحة لفتنة كبرى ثانية

 

في ظل حالة الوهن العامة التي سرت في دول المنطقة، بدت إيران تجاهد من أجل إعادة رسم الخارطة الجيومذهبية والسياسية في مسعى إلى تجريد المنطقة من هويتها العربية السنية بلغة السلاح بالوكالة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: منور مليتي

في العام 1979 زرع إخواننا الشيعة دولة فارسية تكاد تكون الأولى من نوعها إذا ما تناولناها في سياقها التاريخي على أنقاض دولة الشاه العلمانية وبشروا أنفسهم أولا وأنصارهم ثانيا بنصر سياسي وفتح ديني حالمين بتشييع شعوب المنطقة ودولها.

وللتاريخ، فقد رأى جزء من اتجاهات الرأي العام وحتى الطبقة السياسية العربية السنية في الثورة الإيرانية مفصلا من مفاصل تاريخ الشرق الأوسط الشائك إلى حد التعقيد حتى أنها ألهمت الكثير من الشباب العربي المتدين وفي مقدمته شباب الإخوان.

وللتاريخ أيضا فإن عملية اسقاط نظام الشاه قادتها ثورة بمعناها العلمي، ثورة شعبية تمتلك مشروعا تقف وراءه قيادة بقطع النظر طبعا عن أي موقف أو رؤية أو مذهب مخالف أو متوجس آنذاك من الأهداف الاستراتيجية لأنصار الخميني.

على امتداد قرون كان الشيعة الفرس على هامش التاريخ العربي الإسلامي منطوين على أنفسهم وكاتمين أصواتهم على مضض ولم ينفتحوا قليلا إلا على أنصار المذهب الشيعي في عدد من بلدان المنطقة وفي مقدمتها لبنان التي كان العرب يحلو لهم تسميتها بسويسرا العرب في ظل مرارة الحياة ومشاقها في غالبية البلدان العربية.

ويبدو أن هالة الثورة الفارسية حجبت على غالبية دول وشعوب المنطقة أن المشروع الثوري الذي قاده آيات الله هو بداية لزرع كيانات شيعية موالية بناء على الرؤية الفارسية ومصالحها الاقتصادية والدينية في مسعى إلى تشييع شعوب المنطقة.

في تلك الفترة، إلى حد معرفتي، لازمت الدول العربية موقفا صامتا مرتجفا من الدولة الناشئة باستثناء العراق الذي جاهر بكل جرأة أن الثورة الفارسية تستبطن مشروعا يهدف إلى تدمير الدول السنية وتشييع شعوبها ومن ثمة تشييع المنطقة على أنقاض تاريخها تشفيا من الفتنة الكبرى.

الحقيقة التي يجب أن يقر بها كل عربي أن نظام صدام حسين كان الأكثر وعيا بخطورة المشروع الثوري الفارسي الشيعي إذ لم ير فيه سوى تهديد لا فقط لاستقرار المنقطة وإنما أيضا للدول والشعوب السنية.

وبدا العراق حصنا منيعا ضد تسلل فكر آيات الله إلى المنطقة لا فقط بحكم موقعه الجغرافي ولكن أيضا بحكم وعي نظام صدام حسين وغالبية العراقيين بأن عمق الثورة هو عمق فارسي قبل أن يكون عمقا مذهبيا، لذلك واجه العراقيون على امتداد سنوات طويلة شراهة الآيات لتجريد العرب من هوية تاريخهم العريق.

ودفع العراقيون فاتورة لم يكن بوسع أي نظام عربي تحملها متسلحين بفكر قومي عربي ولكن أيضا بنظام شرس يرفض اقتراب أي دولة أو أي قوة من الفضاء العربي فيما لاذت بقية البلدان بصمت يكاد مطلقا اللهم بعض البيانات او التصريحات أو حتى المواقف الملتبسة، خف محملها في ظل حرب ضروس قادها العراق وحيدا.

ويبدو ان غالبية الدول العربية التي خذلت العراقيين كانت لا ترى في ثورة آيات الله سوى تهديد للعراق وهو بالتالي شان داخلي لا يعني إلا نظام صدام حسين أو ان تلك الغالبية كانت على وعي بأن التهديد سيتسلل إليها عاجلا أم أجلا وفاضلت الصمت المريب لتراقب استماتة العراق في الدفاع عن الهوية العربية على أن تشاركه الحرب.

وفي كلتا الحالتين، خذلت تلك الغالبية ليس نظام صدام الذي ترى فيه أخطر عليها من خطر الثورة الفارسية ثم ابتعدت عنه في مرحلة أولى تمهيدا لاستهدافه في مرحلة ثانية في إطار تحالفات سياسية قادتها الولايات المتحدة عسكريا لتسقط أرض الخلافة العباسية ونشأة العلوم والفكر العربي في مختلف المجالات.

بالتأكيد ارتكب نظام صدام أخطاء تاريخية وفي مقدمتها احتلال الكويت بإشارة ضمنية من الولايات المتحدة في شكل فخ تجد فيه لاحقا منفذا للقضاء على الرجل العنيد الذي فاضل الاستشهاد شنقا واقفا شامخا مهابا على حياة المذلة في رسالة قوية تستبطن أن العرب والقادة الأقوياء كالنخل لا يموتون وإلا وهم واقفين أمام حبل المشنقة.

سقط الحصن المنيع وغرقت الولايات المتحدة في مستنقع لا قرار له لتجر المنطقة بأسرها إلى الفوضى السياسية والأمنية والاجتماعية واستباحة الدماء وبدت غالبية الدول التي انتشت بسقوط العراق عارية ومجردة من أي قوة قادرة على إدارة شؤون المنطقة بل متواطئة إلى حد الخيانة مع عنجهية السلاح الأميركي.

مع سقوط نظام صدام حسين تنفست دولة آيات الله الصعداء كما تنفستها غالبية الدول المجاورة التي تعوزها الرؤية السياسية لاستشراف تداعيات سقوط الحصن على أمنها واستقرارها من الاسلام الفارسي الشيعي في نوع من الغباء المريب.

بعد أكثر من عقدين، استفاقت غالبية دول الجوار لأرض الرافدين على أن الخطر الحقيقي على المنطقة قادم من أرض الفرس لا من بغداد التي كثيرا ما حركت التاريخ العربي الإسلامي سياسيا وفكريا ودينيا مهما كانت المؤاخذات المشروعة وغير المشروعة.

واستفاقت على أن استضعاف العراق من قبل القوى الخارجية ما هو إلا الخطوة الأولى للفتك ببعض الأنظمة ومزيد من استضعاف البعض الآخر لتزداد شراهة إيران في تصدير علب منظومة نمط التدين الفارسي الشيعي تعسفا وربما ثأرا تاريخيا دفينا تعود جذوره إلى فتح المسلمين لبلاد كسرى أنو شروان قبل أن تعود إلى الفتنة الكبرى.

وفي ظل حالة الوهن العامة التي سرت في دول المنطقة، بدت إيران تجاهد من أجل إعادة رسم الخارطة الجيومذهبية والسياسية في مسعى إلى تجريد المنطقة من هويتها العربية الإسلامية السنية بلغة السلاح بالوكالة.

لا أحد اليوم بإمكانه إقناع الأغبياء بأن ما يحدث في اليمن السعيد هي ثورة حوثية قامت ضد نظام علي عبد الله صالح ولا أحد بإمكانه أن يقنع أيضا الأغبياء بأن الحوثيين همهم الأول هو بناء دولة حوثية شيعية موالية لآيات الله.

الحوثيون هم الذراع العسكرية والمذهبية والسياسية والاجتماعية لمشروع الثورة الإيرانية الذي يستهدف بالأساس الاسلام العربي السني ممثلا في المملكة العربية السعودية مهبط الوحي وأرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين جميعا مهما كانت مذاهبهم.

يدرك حكام ايران جيدا أن المملكة هي حاضنة أمن المنطقة واستقرارها وأنها قبل ذلك باتت تعد رمز الهوية العربية الإسلامية بعيدا عن الفكر الإيديولوجي الطوباوي ولذلك فإنهم يسعون فاشلين إلى التضييق على دورها الاستراتيجي في ادارة مشكلات المنطقة بناء على رؤية ثاقبة تتحسس عمقها كما يدركون ثقلها ووزنها سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي ومدى قدرتها على صناعة القرارات المصيرية بشأن المنطقة.

ونرجح أن التمدد الشيعي يمهد إلى فتنة كبرى ثانية إن لم تكن على المدى المتوسط فهي على المدى البعيد. ومن يستخف بهذا لا يستخف فقط بدور السعودية وإنما يستخف بالتاريخ العربي الإسلامي وبكيانات المسلمين الوطنية وهوياتهم المذهبية.

وتبدو الفرضية ممكنة بالنظر إلى أكثر من عامل وفي مقدمتها هشاشة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وتعقيدات الخارطة الجيوسياسية والجيودينية التي تعد أرضية خصبة للنفخ في لهيب الاختلافات المذهبية التي تراهن عليها إيران.

ومن المفارقة التي من شأنها تعزيز فرضية الفتنة الكبرى أن إيران بدت خلال هذه الفترة وكأنها تتجرد من مقولة الشيطان الأكبر لتحث خطاها نحوه منتهجة سياسات ملتوية لا هي بالمعادية كما كان الأمر في بداية الثورة ولا هي مجاهرة بالتعاون المشترك.

 

منور مليتي

كاتب تونسي

الاسم Assel
الدولة Saudi Arabia

أحسنت التقرير بمتهى الدقه !

وللاسف يؤلم من الحقيقه التي في كل كلمه فيه

الله المستعان على هذه الظروف

رحم الله صدام حسين(حامي البوابه الشرقيه للعرب) ورجاله الذين ما جاد الزمان بمثلهم

اللهم عليك بالفرس المجوس فانهم لا يعجزونك

2018-01-22

 
منور مليتي
 
أرشيف الكاتب
ازمة الديمقراطيات العربية الناشئة في أحزاب عقيمة
2018-01-26
منطقة الشرق الأوسط مرشحة لفتنة كبرى ثانية
2018-01-22
مشكلة المنطقة العربية في أنظمة مهزوزة لا تحظى بشرعية قوية
2018-01-21
معضلة الفكر السياسي العربي في تقديسه للتاريخ
2018-01-18
لعنة الديمقراطية تلاحق رغيف التونسيين
2018-01-15
من يجر تونس إلى المجهول
2018-01-11
المزيد

 
>>