First Published: 2018-01-26

ازمة الديمقراطيات العربية الناشئة في أحزاب عقيمة

 

عجاج الربيع العربي غمر الانظمة والاحزاب المعارضة معا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: منور مليتي

خلال الستينات من القرن الماضي تفجرت الأحزاب السياسية في غالبية المنطقة العربية بشكل لافت منها هو قومي ومنها ما هو وطني ومنها ما هو يساري ومنها ما هو ليبرالي يحاول المشي ساقا في رمال الثقافة السياسية العربية وأخرى في سجاد الديمقراطيات الغربية العريقة.

وفي ظل أنظمة تقود مشروعا ترى فيه خطا احمر لا يجب الاقتراب منه لم تجد الأحزاب العربية الناشئة آنذاك من منفذ للنشاط سوى زرع التنظيمات السرية لمعارضة أنظمة كثيرا ما استخفوا بمشروعها الذي لم يرو فيه سوى نقاط الضعف على أهميته وسوّل لهم خواء ثقافتهم السياسية بان يرموا تلك الأنظمة بالدكتاتوري وحتى بالخيانة.

تجاهلت غالبية الاحزاب التي انتشرت في المنطقة المشاريع الوطنية والقومية المشاريع التي قادتها أنظمة قوية في إطار مؤسسات دولة اشد قوة لتركز نشاطها على المعارضة الراديكالية في ظل طبقة سياسية محافظة ومجتمع أكثر محافظة.

صحيح أن تلك الأحزاب اكرهت على النشاط السري تحت سطوة أنظمة حكم ترفض التعددية السياسية وترى ان المشاريع الناجحة انما يقودها حزب واحد يمتلك رؤية واضحة ليقود عملية التحديث الاجتماعي والسياسي ولكن الصحيح أيضا أن راديكاليتها جوفت أداءها السياسي منذ نشأتها لتحكم على نفسها بالانطوائية.

ولنا في تونس مثلا حيث تأسس اول حزب يساري العام 1920 تحت اسم "آفاق" أي قبل تأسيس الحزب الاشتراكي الدستوري على يدي الزعيم الحبيب بورقيبة العام 1932 الذي قاد مشروعا وطنيا طيلة أكثر من نصف قرن، ولم يتمكن اليسار منذ تأسيسه على اليوم من بناء قوة سياسية برامجية تقنع التونسيين.

كان بورقيبة ممتعضا من اليسار لا فقط على خلفية نرجسيته التي لا حدود لها وانما أيضا على خلفية معارضة يسار يرفع شعار الحداثة لمشروعه الوطني التحديثي ضد القوى التقليدية الدينية حتى أنه كان يتساءل دائما "كيف يعارضني اليسار وأنا أقاوم من اجل بناء دولة مدنية ومجتمعا منفتحا على التحديث السياسي والاجتماعي."

هب عجاج الربيع العربي وفتحت كل الأبواب امام حرية الرأي والتعبير والحق في التنظيم الحزبي وعلى الرغم من ذلك تمسك اليسار براديكاليتها واختار مقاعد المعارضة دون أن نستنقص طبعا من صدقية نضاليته وخطابه ومواقفه السياسية.

لكن رمال عجاج الربيع الشاحب تسللت أيضا إلى مختلف الأحزاب لتحكم على نفسها بنوع من العزلة السياسية والشعبية وفشلت في استقطاب الآلاف من التونسيين بخطاب اجوف يراهن على الشعبوية اكثر مما يراهن على مشاريع برامجية.

أما الأحزاب الإسلاموية التي تأسست على أرضية الكراهية والتشدد إلى حد الإرهاب الفكري فقد بدت اكثر فشلا في مجتمع منفتح تقوده دولة علمانية حققت الكثير من المكاسب مهما كانت المؤاخذات المشروعة وغير المشروعة.

وتظهر قراءة أداء الأحزاب السياسية في المنطقة العربية انه وضعها لا يختلف عن المثال التونسي إذ تكفي نظرة على الخارطة الجيوسياسية لتكتشف أن غالبية الأحزاب هي اقرب للطوائف بمعناها الأنثروبولوجي اكثر مما هي أحزاب منفتحة على مشاغل الشعوب التنموية والسياسية والثقافية وتتبنى مشروعا برامجيا مهما كانت توجهاته.

ألقت الانطوائية والراديكالية وغياب البرامج والمشاريع الواضحة على التجارب الديمقراطية العربية الناشئة بل الأخطر من ذلك زجت بالخارطة السياسية في أزمات حادة بعد ان حولت وجهة الديمقراطية من عملية تشاركية إلى غنيمة حربية.

نشأت الأحزاب السياسية كما تقول ضد الاستبداد لتزرع نسائم الحرية والديمقراطية ولما صعد بعضها الى الحكم، وتونس مثالا، بدت أكثر غطرسة مدفوعة بشراهة لا حدود لها في التموقع من على الكراسي لتهيمن على الشأن العام وتستضعف بقية الأحزاب الى حد الاستبداد من خلال السطو على صناعة القرارات المصيرية.

وفي ظل تدني أدائها وغياب أي برامج مقنعة لم تجد الأحزاب السياسية مخرجا من ازماتها الداخلية سوى الاحتماء بمؤسسات الدولة التي نشأت أصلا لإسقاطها وإسقاط مشروعها حتى انها بات تبتز مؤسسات الدولة وتستقوي بها على المعارضة.

يبدو أن غالبية الأحزاب التي فرخت في المنطقة العربية تفتقد للوعي السياسي العميق بان الديمقراطية هي عملية سياسية برامجية من مشمولاتها لا من صلاحيات الدولة كما يبدو انها تتبنى ثقافة سياسية غنائمية تدفعها إلى تجريدها من هويتها كقوى تسعى الى التنافس السياسي بناء على البرامج لا بناء عن منطق غنيمة عائدات الحرب.

ومن المفارقات الكارثية أنه بدل ان تقود الأحزاب العربية عملية التنشئة على الديمقراطية من خلال تأطير الناس وبناء ثقافة سياسية تشاركية تؤمن بحق الاختلاف غرقت في أزمات داخلية نتيجة غياب الممارسة الديمقراطية في إدارة شؤونها الداخلي لتزج ببلدانها في أزمات عمقت عزوف الناس عن النشاط السياسي.

وباتت الدولة المستبدة والقاهرة والديكتاتورية والكافرة هي الراعي الوحيد للتجربة الديمقراطية الناشئة والمتعثر وتحولت مؤسسات الدولة إلى المؤتمن الأمين على مسارات الانتقال الديمقراطي، ففي تونس مثلا لو لم تتكفل أجهزة الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية والأمنية بحماية البلاد من تداعيات أزمات الأحزاب لتبخرت اول تجربة تتحسس ديمقراطية في المنطقة العربية.

في الديمقراطيات العريقة تقف الدولة على نفس المسافة من جميع المواطنين لتترك العملية الديمقراطية بين يدي الأحزاب مهما كان دور القوى الخفية المتنفذة سياسيا وماليا أما في المنطقة العربية فقد قلبت الأحزاب العملية الديمقراطية رأسا على عقب لتلوذ بالدولة وتورية فشلها والاستقواء بها في اداة الشأن العام.

وفي الديمقراطيات العريقة تكمن قوة الأحزاب السياسية في قدرتها على انتاج الأفكار الكفيلة بأقناع اتجاهات الراي لتتحول الى ما يشبه مصانع الإنتاج اما احزابنا في المنطقة العربي فهي في غالبيتها عقيمة لا تنتج الفكر التحديثي وانما تكتفي باجترار نفس الأفكار التي تبنتها منذ نشأتها قبل اكثر من نصف قرن من الزمن.

لم تسمح الراديكالية اليسارية والمرجعية العقائدية لغالبية الأحزاب العربية بفهم أن أي عملية ديمقراطية هي قبل كل عملية انتاج سياسي وفكري واجتماعي وثقافي وليست مجرد حرب يفتك فيها القوي الضعيف ومن ثمة يفتك بمفهوم الديمقراطية في حد ذاته.

مأزق الديمقراطية الناشئة في عدد من البلدان العربية وفي مقدمتها تونس هو مأزق سياسي هيكلي تتحمل الأحزاب الحاكمة والمعارضة مسؤولية الخروج منه من خلال مراجعات جذرية لأحلامها التي صاغها النشاط السري بعيدا عن منطق الدولة بل وبعيدا عن المشاغل الحقيقة للشعوب بل أكثر من ذلك بعيدا عن أي مشروع.

حين نتصفح خارطة الأحزاب في المنطقة العربية نكاد لا نعثر على مشروع واضح وعملي يعكس ثقافة سياسية مدنية وتفاعلا مع التجارب السابقة من خلال استثمار جوانبها المضيئة وإنما نكتشف فوضى من الشعارات الجوفاء تراهن على الشعبوية السياسية التي تستبطن نوعا من استغباء الشعوب والاستخفاف بإرادتها.

وفي ظل هكذا وضع سياسي كارثي باتت غالبية اتجاهات الرأي العام في المنطقة العربي لا ترى في احجوجة الديمقراطية سوى كذبة كبرى تقدم الأحزاب على انها قوى والحال انها وهنة ضعيفة وهزيلة تراهن على الاستعراض السياسي التظاهري اكثر مما تراهن على مشاريع ديمقراطية برامجية كثيرا ما رددت انها فرخت من اجله.

 

منور مليتي

كاتب تونسي

 
منور مليتي
 
أرشيف الكاتب
ازمة الديمقراطيات العربية الناشئة في أحزاب عقيمة
2018-01-26
منطقة الشرق الأوسط مرشحة لفتنة كبرى ثانية
2018-01-22
مشكلة المنطقة العربية في أنظمة مهزوزة لا تحظى بشرعية قوية
2018-01-21
معضلة الفكر السياسي العربي في تقديسه للتاريخ
2018-01-18
لعنة الديمقراطية تلاحق رغيف التونسيين
2018-01-15
من يجر تونس إلى المجهول
2018-01-11
المزيد

 
>>