First Published: 2018-02-08

المربد الشعري ينطلق متزامنا مع انتصارات العراق على الارهاب

 

الرئيس العراقي فؤاد معصوم في كلمة متلفزة: مسئولية الشعراء هي في حفظ وتقدم التاريخ الروحي للإنسانية، ولا تقدم لهذا التاريخ من دون الحرية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

ذلك هو العراق لا ريب فيه

انطلقت فعاليات الدورة الثانية والثلاثين لمهرجان المربد الشعري التي حملت اسم الشاعر كاظم الحجاج حافلة بالحضور الشعري العالمي والعربي والعراقي، حيث يشارك فيه هذا العام 360 شاعرا وشاعرة من بينهم 70 شاعرا من خارج العراق يمثلون 20 دولة عربية وأجنبية، وذلك تحت شعار "المربد واحة الشعر".

وحفل الافتتاح بالشعر فألقى الشعراء يتقدمهم الشاعر المحتفى به كاظم الحجاج ثم الشعراء التونسي المنصف المزغني والبحرينية حمده خميس والسعودي جاسم الصحيح والشاعر الكويتي عبدالله الفيلكاوي وآخرون، وقدمت فرقة دائرة السينما والمسرح لوحات فنية وأوبريتات، وقدمت فرقة أحد المدارس بمدينة البصرة بالإشتراك مع الكنيسة الكلدانية "نشيد البصرة".

افتتح المهرجان بكلمة متلفزة للرئيس العراقي محمد فؤاد معصوم، مؤكدا أن وجود هذه الحشد من المبدعين العرب والأجانب في البصرة موئل العلم والأدب والثقافة هو وجود حيوي بين عبق التاريخ وجمال التطلع إلى حضور تستحقه البصرة وقادرة على بلوغه. وقال "لا أحسب أن مثقفا من مشارق الأرض ومغاربها لم يطأ ثرى هذه المدينة خلال قرون تنويرها وإسهامها في صنع حضارة العقل، إننا نقف على تراب واحدة من أهم المدن التي لا ينساها تاريخ الثقافة والحرية الإنساني، البصرة قادرة على النهوض بهذا الدور السامي المضيء".

وأضاف أن وجود هذا الحشد من المبدعين هو خطوة في طريق طويل يجب أن تمضي فيه البصرة، إنه الطريق الذي يوصل ما انقطع ويندفع نحو ما نحلم به ونتطلع إليه إلى رفعة العقل وجمال الحياة كلما اقترن الحلم بالعقل، إننا هنا في مناسبة رفيعة، إننا في حضرة الشعر، وحيثما يحضر الشعر تحضر الحرية، دائما كان الشعر من أبهى وسائل الانسان لحفظ حريته وصونها وحتى انتزاعها ولا حياة للشعر إذا ما فرط الشعراء بهذه القيمة الإنسانية السامية، أعتقد أن مسئولية الشعراء هي في حفظ وتقدم التاريخ الروحي للإنسانية، ولا تقدم لهذا التاريخ من دون الحرية.

وأشار في السياسة كثيرا ما كانت هذه المسئولية الشعرية مصدر مشكلات للسياسة والسياسيين، ما أكثر ما تعسفت السياسة في ذلك، كلما طغت واستبدت بالحرية والأحرار، لكن في تصورنا أن الخدمة الأعظم التي يمكن للشعراء أن يقدموها للسياسة ومن ثم لمجتمعاتهم هي في تعزيزهم مبادئ الحرية وتنميتهم لقيمتها في الحياة، ابدعوا واصنعوا الجمال بلا تحسب وخشية طالما كانت الحرية دليلكم، وكلما كان الضمير محفزا لكم، ودافعا لتوثبكم وليس رقيبا عليكم أو كادحا لجرأتكم في كل ما فيه خير الإنسانية وصلاح الحياة.

وشاركت الشاعر الإعلامية والبحرينية بروين حبيب في تقديم الحفل مع الشاعر والإعلامي العراقي عمر السرايا، لافتة في تقديمها إلى أن أفق الشعر يظل مفتوحا للمغامرين والحالمين ومثيرا لغواية أسئلتهم في التجديد والتجريب والتجاوز، مثلما يظل باعتثا على قراءاتهم الخلافية لشتى سرائر ما يمكن أن تهجس به القصيدة، تلك القصيدة التي فقدت إطلالتها ورملتها ولم تعد ديوانا أو بيتا أو طريقا، لأن كل ما فيها بات الأقرب إلى ظل قلق للإنسان الثائر والمخذول، الحامل صليبه وأوهامه أو لشفراته ومغامراته التي أنزلته من لعبة البرج إلى قاع المعنى واليومي والهامشي، ولكن مذ أن وضعت حداثة القصيدة العربية التي انطلقت من العراق في العام 1947 العقل الشعري أمام سؤال عميق وصادم ارتبط بقدرة الروح الحية على التماهي مع الرغبة في الانعتاق مما هو تاريخي وسائد وتقليدي.

وقال وكيل وزارة الثقافة طاهر الحمود "ساعة الشعر المعلقة على جدارية الإبداع ستظل عقاربها تؤذن بإرث العراق الثقافي والمعرفي، وأن الاحتفاء تحت خيمة المربد كل عام بما تجود به فرائدكم المبدعة يؤكد تواصل العراق من هنا من البصرة مدينة الجاحظ والخليل وسيبويه".

وأشار الحمود إلى أن مهرجان المربد يقام هذا العام والعراق يحتفل بانتصارات العراق على قوى الإرهاب والتكفير ووقت يتطلع فيه الشعب العراقي إلى المستقبل بعين الأمل والتفاؤل، حيث حقق العراقيون بجميع فئاتهم وأطيافهم وانتماءاتهم ملحمة وطنية مما يجعل المرحلة القادمة ذات خصوصية على الصعد كافة، وبوسعنا أن نجعل منها محطة جديدة لتاريخنا الحديث، الأمر الذي يتطلب من المثقفين والمبدعين أن يكون لهم دور في رسم ملامح المرحلة تعززه حرية مفتوحة للتعبير. دور يتجاوز النقد والتأشيرة على الأخطاء لاقتراح الحلول وتقديم البدائل.

أما الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب ورئيس الوفد الإماراتي، فقال إن الشعراء هم الدعاة إلى الفرح، وهذه لحظة فرح حقيقية، فأن تحتضن البصرة شعراء العرب، وأن يلتقي الشعراء العرب تحت جناح العراق، فاحتشاد المواعيد في حفلة تعارف تبدأ اليوم، بدأت أمس، وأسست، وتؤسس، لمستقبل يقبل إقبالا.

وأضاف الصايغ "ها نحن في العراق الذي تسلل إلى أعمارنا منذ أول الطفولة، وإلى قصائدنا منذ أول الشعر. ها نحن في العراق العظيم وطن الشعر نحاور الشعر والحب معا، ونحاول الشعر والحب معا، فباسم ضيوف العراق من الشعراء العرب، وباسم الكتاب والأدباء العرب في كل مكان، للعراق التحية بقدر الشوق، والشكر على شاكلة الحنين. لقد أتينا إلى العراق لنقول قصائدنا، والعراق ظل ونبع وإلهام، لكن للحكاية تتمة. نحن هنا اليوم في مربد البصرة، وغدا في يوليو المقبل، في بغداد، حيث ينعقد المكتب الدائم للإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في بغداد، بدعوة كريمة من الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ونحن هنا لنرسل رسالة إلى الوطن العربي والعالم: نحن اليوم نستعيد العراق بعد أن استعاد عافيته، ونحن اليوم في العراق بعد أن انتصر على وحش الإرهاب وتيارات التطرف والظلام والتكفير، فليس، بعد اليوم، إلا اللقاء على كلمة اللقاء".

وأشار الصايغ إلى أن الثقافة، كعادتها الأزلية، تُمارس هوايتها المفضلة، فتجمع أهلها، وتدربهم على المحبة حتى في الإختلاف، بل خصوصا في الإختلاف، فلنعد، نحن الشعراء والأدباء العرب، إلى نوافذنا الأولى وينابيعنا الأولى، ولنتعلم من البصرة كيف تحملت جدل القرون، في النحو واللغة والفلسفة والذكاء والحضارة، وفي تلك الروح البصراوية، والإشتقاق من البصر والبصيرة، وَمِمَّا يوائم بين الأبصار والبصائر، فيؤلف الأقدار والمصائر. أما الحلم فنحن صناعه، وفي الإمكان أن ننحته نحتا، لا على طريقة فسحة الأمل في الخيال، لكن بأسلوب المزج بين المجاز والحقيقة بحثا عن كلمة السر. وكلمة السر، هذه المرة، من أربعة أحرف، وطن قديم، جديد، متجدد، كان أول الحضارة، ويستعيد عافيته، فيقيم مربد الشعر، بين الإنتصار على أعدائه الإرهابيين ومن في حكمهم، وإجراء انتخابات ناجحة تسهم في إنجاح مساره السياسي. عين راء ألف قاف.. ذلك هو العراق لا ريب فيه. شين عين راء. ذلك هو الشعر لا ريب فيه.

وختم الصايغ كلمته مناديا الشعراء "يا أيها الشعراء الذين يتبعهم الغاوون.. أضيئوا ذاكرة الوطن والأمة بغواية الأبجدية وأبجدية الغواية، وتمسكوا بالخشبة والمسرح والجمهور، بعيدا عن الملقن الذي ظل يردد أقواله حتى بعد أن مات، وقريبا، يا سيداتي سادتي، من تحريض المهج على الدهشة، وتحريض الحرائق على الوشاية، فكفى يا عتمة كفى يا كواليس يا كوابيس".

ورأى رئيس اتحاد كتاب وأدباء العراق الكاتب ناجح المعموري أن ما يميز هذا الدورة من المهرجان أنها تزامنت مع الاحتفال بالانتصار على داعش، والتنبيه إلى دور المثقفين في دحر الأفكار الإرهابية ومقاومتها بالتنوير. وانتقد وجود إشكالية في منح الأدباء والشعراء تأشيرات الدخول، فهذا يعني لنا نحن في قيادة اتحاد الأدباء والكتاب في العراق بتأشيرات أن المراقبة قدمت نوعا من المعاقبة للحركة الثقافية من خلال حجب تأشيرات الدخول للشعراء والأدباء العرب والأجانب، إنني أستغرب من هذا الموقف المقيد لحرية المثقفين، ونحن في الخط الأول دائما، صحيح نحن نختلف مع الكيانات والأحزاب لكن نتفق مع الوطن ومع التجربة السياسية.

وأكد المعموري على أن الحركة الثقافية مهيئة لاستكمال مشروعها الثقافي والمعرفي وهذا الكلام يمثل تجسدا للاتحاد وكل المنظمات الثقافية والفنية بالعراق. الحقيقة أنها مسئلة مثيرة أن تتزامن مع مربد البصرة والاحتفاء بشاعر مثل كاظم الحجاج أن يبقى الشعراء العرب يلوزون في المطارات، مسألة خطيرة جدا وعلى المثقفين والأدباء أن يعيدوا استقراء هذه الظاهرة التي تؤكد أن المراقب قد لجأ للمعاقبة وثقافة العراق غير خاضعة لذلك منذ لحظة تأسس الدولة العراقية إلى الآن. مبروك للبصرة ولكاظم الحجاج الذي أجد فيه نوعا من الروح الحارسة لحيوية البصرة وشعرها. هو صوت شعري كبير له تأثيره القوي على التجربة الشعرية العراقية وقد أحدث وجوده في عمان نوعا من الحوار مع تفاصيل تجربته المتميزة.

وأما رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة الناقد وعضو الهيئة العليا للمهرجان د. سليمان كاصد فقال "على هيئة هذه الأرض تجد نخلة تعانق نخلة وضفة مقابل ضفة حيث تتمايل موجة بين كتفي النهر الكبير، ذلك هو المشهد الشعري العربي هنا في البصرة ليصور دفق الحياة وثمرها. قيل ما دخل رجل البصرة إلا وأكل من ثمارها وذاق ماءها وسكن فيها، لطيب هوائها ورحابة أرضها وطعم رطبها. في مربد هذا العام اجتمع الأحبة شعراء الإمارات ضيوف شرف على البصرة وجاء من أرض السعودية شعراء الجمال والأناقة وجاء شعراء من مختلف الدول العربية ليبدعوا ويتواصلوا وتتلاقح تجاربهم ورؤاهم.

يذكر أن الشاعر العراقي المحتفى به كاظم الحجاج من مواليد البصرة 1942 ينحدر من مدينة الهوير في محافظة البصرة جنوب العراق. يحمل كاظم الحجاج بكلوريوس شريعة وآداب من كلية الشريعة جامعة بغداد 1967. ومن مؤلفاته الشعرية المطبوعة: (أخيرا تحدث شهريار) بغداد 1973، (إيقاعات بصرية) بغداد 1987، (غزالة الصبا) عمّان 1999، (ما لا يشبه الأشياء) بغداد 2005، (جدارية النهرين) دمشق 2011.

ومن قصائده التي ألقاها في الحفل:

حتى بينَ رصاصات الجنود

رصاصاتٌ محظوظاتٌ:

تلك التي تُخطئُ أهدافَها

ورصاصاتٌ تعيساتٌ:

تلك التي ترتكب أمجادَ الحروب!

***

نَفُكُّ صُرَّةَ الحزن بوجه الضريح

نبكي

يقول والدي .. لنستريح!

فالشرقُ دمعتانِ:

للحسين - يا بثنيَّ - و... المسيح!

***

ما لم تغادر الطيورُ أعشاشَها..

مالم يخرج الفلاحون والرعاةُ إلى الحقول،

والعمالُ إلى المصانع

ما لم تمسح الأمهات نومَهنَّ

ويُشعلنَ نيرانَ المواقد

ما لم تفتح الجميلاتُ عيونهنّ

ثم يتثاءبنَ في وجه الكون.. ويبتسمنَ

ما لم يحدث كل ذلك، في كلّ يوم

فإنّ صياحَ الديكِ وحده

لن يصنعَ فجراً جديدا.

***

في معرضِ أسلحةٍ

طفلٌ يسألُ صاروخاً:

- كم بيتاً يمكنُ أن تهدم؟

كهلٌ يسأل صاروخا:

- كم بيتاً يمكن أن تبني؟!

في معرضِ أسلحةٍ:

فوق الدبّابات يطير حَمامٌ .. ساخر!

***

خلفَ أكياس الرمال

همست عينا فتاةٍ لفتى

فرمى دفترَ أشعارٍ خجولاً

ثم.. غابْ

- حاضناً وردتَها –

وانسدَّ بابٌ

خلف أكياس الرمال!

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
صادق الصفواني يكشف أهم الأدوار التاريخية التي لعبتها المعارضة اليمنية في مصر
2018-02-25
المغربي الشرقي دهمالي: الحكومات العربية تعتبر إنشاء المتاحف ترفيها وليس أولوية
2018-02-22
عمر فضل الله: أملك مشروعاً روائياً معرفياً ذا علاقة بتاريخ السودان أريد أن أقدمه للناس
2018-02-21
نبيل ياسين: هذا العراق عراقي الشخصي .. لا ملك عليه ولا رئيس سواي
2018-02-20
أبو بكر القيسـي.. تاريخ من التنوير في اليمن
2018-02-19
شاعر عراقي يرى أن العرب فقط هم من يحرصون على كتابة الشعر التقليدي
2018-02-18
المصور الفرنسي إميل بيشارد يعرض لقاهرة القرن التاسع عشر
2018-02-17
محمد علي الرباوي: الشاعر المغاربي تخلص من سلطة صورة المشرق
2018-02-15
علوان الجيلاني يرى أن التصوف هو الحل لليمن
2018-02-14
على هامش المربد .. ثلاثة معارض فنية تبحث عن الجمال والحق
2018-02-12
المزيد

 
>>