First Published: 2018-02-09

'مفاتيح الأدراج' للجيلاني يحتفي بنصوص الصمت غير المألوف

 

الناقد اليمني يقدم خلاصة اثنين وعشرين عاماً من الكتابة عن السرد بشقيه الروايات والمجموعات القصصية ناهيك عن النقد الثقافي المتعلق بهما.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

أصداء لقراءات ومثاقفات

"حين نختار عملاً أدبياً لنقرأه، فلا بد أن يكون لإقبالنا عليه سبب مّا؛ سببٌ يزين لنا قراءة هذا العمل، وقراءة عمل معين ـ خاصة في عالم السرد ـ هي رغبة أكيدة في التماهي مع عوالمه، مشاركته والتلبس بحيثياته. القراءة في حد ذاتها عمل تشاركي، إنها إعادة إنتاج للنص المقروء، ذلك أنها لا تخلو بأي حال من الأحوال من عملية بناء ذاتية تتم مع كل لحظة من لحظات التلقي.

أما حين نجد أنفسنا مدفوعين لمقاربة عمل مّا، فذلك يعني أن وراء اتخاذ قرار بمقاربته سبباً يكمن في النص غالباً، ثم فينا بدرجة ثانية، قد تكون تلك رغبة في الاحتفاء بالنص أو سعياً لتقديمه للآخرين، وقد تكون المقاربة سياقيّة ناتجة عن اشتغالنا بإبداعات من جنسه أو مجاورة له، أو ضمن أسباب أخرى لا يجهلها المشتغلون بالنقد أو الحائمون حول حماه، الواقفون على مشارفه، لكنها في كل الأحوال ستبدو محاولة لاقتراب أعمق يتغيّا تفهماً أفضل لمعطيات النص وجمالياته، كما يحاول إدراك تقنيّاته ومحمولاته، بمعنى آخر يحاول التقليل قدر الامكان من مساحات "ما لا تؤديه الصفة" في النص.

ربما تكون تلك الأسباب وفوقها أسباب أخرى موجودة في مقارباتي وقراءاتي المختلفة التي يقدمها هذا الكتاب لطيف من النصوص السردية، وبعض القضايا الأخرى المتعلقة بالسرد".

هكذا يفتتح الشاعر والباحث اليمني علوان مهدي الجيلاني كتابه الجديد "مفاتيح الأدراج" الكتاب الذي يحمل عنواناً فرعياً، هو "مقاربات مختلفة لإبداعات سردية" يقع في 293 صفحة، ويقدم فيه المؤلف خلاصة اثنين وعشرين عاماً من الكتابة عن السرد بشقيه الروايات والمجموعات القصصية ناهيك عن النقد الثقافي المتعلق بهما.

الكتاب أيضاً يأتي في سياق اشتغالات الجيلاني على النقد وسبر أغوار النتاجات الإبداعية والثقافية المختلفة بما فيها الأدب الشعبي والكتابات السيرية، وقد سبق له أن أصدر مجموعة من الكتب بدأها بتحقيق ديوان الحضراني أحد رواد الشعرية اليمنية المعاصرة الذي صدر عام 2006 ثم كتاب "امناجي ثواب وكوميديا الألم" وهو كتاب بيداغوجيا شعبية ثقافية صدر عام 2008 وكتاب "قمر في الظل" الذي يموضع تجارب رواد الثقافة والإبداع في اليمن، وقد صدر مع كتاب آخر هو تحقيق "ديوان الشيخ عبدالرحمن بكيرة" أحد أساطير السماع الصوفي اليمني سنة 2010 ناهيك عن كتاب "أصوات متجاورة" وهو أول كتاب يرصد رصداً شاملاً جيل التسعينيات الشعري في اليمن وهو صادر سنة 2010 أيضاً. وكتاب "عبدالباري طاهر صوت الحرية وقلمها" الذي اشتمل على اختيارات من كتابات طاهر وكتابات عنه أعده الجيلاني وقدم له وصدر سنة 2014.

ناهيك عن اشتغالاته الإبداعية التي تشتمل على ستة دواوين كان أو لها "الوردة تفتح سرتها الصادر عام 1998، وآخرها يد في الفراغ الصادر عام 2018.

مفاتيح الأدراج هو بشكل من الأشكال مكمل لاشتغالات مؤلفه على الشعراء التسعينيين، الفارق أنه في هذا الكتاب خرج عما ألزم به نفسه من حيث الإشتغال على السرد اليمني فحسب، فقد اشتمل الكتاب في الشطر الأول منه على سبع مقاربات ثقافية تتناول السرد في عمومه بوصفه الأقدر على التعبير عن الأزمات الوجودية والإنسانية، متناولاً سرديات مختلفة تتراوح بين الرواية والمسرح بوصفها علامات مميزة في تاريخ السرد الإنساني والعربي، مطوفاً في أعمال أوجين يونسكو ولوتريامون وهنري باربوس ويوجين أونيل وكولن ولسون وجان بول سارتر وألبير كامو وثورننون وايلدر وصامويل بيكيت وآرثير أداموف وصولا إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم.

وقد وصف في مقدمة الكتاب هذه التناولات بكونها "تمثل أصداءً لقراءات ومثاقفات كان الهدف منها الانتصار لوجهات نظر طالما دافعت عنها إبان احتدام المشهد الثقافي اليمني بعراكات التسعينيين قبل ثمانية عشر عاماً".

أما القسم الثاني من الكتاب والذي يشتمل على معظم صفحاته فهي مقاربات لإبداعات سردية مختلفة نشرها الجيلاني في الصحف والمجلات، وقدمها على منابر ثقافية في فترات مختلفة بين 1997 و2017، من ضمنها المقدمة التي كتبها لكتاب وجدي الأهدل الأول وهو الكتاب الذي لم ير النور وكان بعنوان "خمسون قصة هربت من درج المؤلف واستقرت هنا"، وهي مقدمة تبشيرية حدثني الكاتب أنها لقيت تحفظات حين نشرها في حينه ثم أثبتت الأيام صدق ما بشر به، وفي الكتاب تناولتين أخريين لإبداعات سردية تقع ضمن منجز الغربي عمران إحداهما عن مجموعته الأولى "الشراشف" والثانية عن قصة مفردة له بعنوان "موت أبي". ومقاربات أخرى لكتاب مثل نبيل الكميم ومحاسن الحواتي وحامد الفقيه وفارس البيل وسيرين حسن وغيرهم من اليمنيين، إلى جانب تناولات أخرى لابداعات عربية مثل "مقتنيات وسط البلد" لمكاوي سعيد و"الفيل الأزرق" لأحمد مراد و"الخباء" لميرال الطحاوي و"درب الأربعين" لماجد شيحة و"عاشق الحي" ليوسف أبو رية و"حارة نجوى" لٱدم سلامة و"الإنتحاري والفول" لحنان رحيمي.

ويلفتنا في الكتاب أسلوب المؤلف الذي يبتعد كثيراً عن جفاف النصوص النقدية معطياً مساحات أوسع لجمال الأسلوب الذي يتدفق بجاذبية معتمداً مداخل طريفة لتناولاته يبدأ من العتبات ثم متن الكتابة وتزويقاته، يفتتح مثلاً كتابته عن توفيق الحكيم تحت عنوان "تزييف اللامعقول" عن سبب كتابة توفيق الحكيم لمسرحية "ياطالع الشجرة": عندما كان صغيراً كان يتأمل دائماً صورة لفارس من أبطال الأساطير الشعبية تمثل الصورة مبارزة لهذا الفارس مع خصمه حين يضرب بسيفه رأس الخصم فإذا بالسيف قد شق الرأس والجسم معاً، وإذا الصورة تمثل الخصم مشقوق الجسم وهو لم يزل في مكانه فوق حصانه، وكأنه لم يدرك بعد ما أصابه ونفس هذه الصورة عبر عنها بالكلام الأدبي الشعبي في مثل هذا الموقف وقد ضرب فارس من فرسان هذه الأساطير الشعبية ولعله "أبو زيد الهلالي" أو "الزناتي خليفة" ضربة سيف شطر بها عدوه من منتصفه وظل العدو على فرسه لم يفطن إلى إصابته بل قال ساخراً للفارس الضارب: طاشت منك الضربة. فأجابه الفارس: اهتز يا ملعون، فلما اهتز جسمه انشطر الجسم نصفين ووقع على الأرض.

الحديث هنا عن الكاتب العربي الكبير "توفيق الحكيم 1899 – 1987" الذي قال معقباً على تلك الحادثة "هذه الصورة غير الواقعية قصد بها قصداً أن تكون هكذا لأن الفنان الشعبي في بلادنا مصوراً كان أو أديباً قد أدرك بالسليقة هذه المنطقة الغنية العميقة من مناطق التعبير الفني قبل أن يدركها الفنان الغربي ويضع لها المذاهب. وهذا هو السبب الذي دعاني إلى كتابة هذه المسرحية".

تقنياً تتفاوت تناولات الكتاب بين دراسات منهجية ومقاربات حرة تعتمد على الخبرة والتجربة والحب الفائض للنصوص وهذا ما يعترف به الكاتب في المقدمة حيث يقول "إن تحيزاتي للنصوص ورغبتي في الاحتفاء بها غير خافية؛ بل هي ظاهرة بينة ولا مجال لنكرانها، فليس صحيحاً أنني كتبت هذه المقاربات بوصفي ناقداً يحمل أدواته ومناهجه ويتقدم إلى النص بدم بارد، لقد كتبتها – على تباعد فترات الكتابة – بمحبة وحماس، بروح هاوٍ يرغب في التعلم، وشعور طاغ بضرورة ما أكتبه بوصفه واجباً تحتّمه احتياجات المشهد الثقافي الأدبي بمقدار ما يحتمه حبي لهذه العوالم ورغبتي في الاستمتاع بمباهجها المدهشة".

الكتاب في مجمله إضافة جديدة لمنجز الجيلاني، بمقدار ما هو ضوء جديد يلقى على مشهدنا السردي الذي يعد أكثر المشاهد الأدبية فاعلية اليوم على الساحة العربية.

يذكر أن الكتاب يأتي ضمن سلسلة المائة كتاب التي تصدر عن وزارة الثقافة اليمنية بالاشتراك مع مؤسسة أروقة للطباعة والترجمة والنشر.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
صادق الصفواني يكشف أهم الأدوار التاريخية التي لعبتها المعارضة اليمنية في مصر
2018-02-25
المغربي الشرقي دهمالي: الحكومات العربية تعتبر إنشاء المتاحف ترفيها وليس أولوية
2018-02-22
عمر فضل الله: أملك مشروعاً روائياً معرفياً ذا علاقة بتاريخ السودان أريد أن أقدمه للناس
2018-02-21
نبيل ياسين: هذا العراق عراقي الشخصي .. لا ملك عليه ولا رئيس سواي
2018-02-20
أبو بكر القيسـي.. تاريخ من التنوير في اليمن
2018-02-19
شاعر عراقي يرى أن العرب فقط هم من يحرصون على كتابة الشعر التقليدي
2018-02-18
المصور الفرنسي إميل بيشارد يعرض لقاهرة القرن التاسع عشر
2018-02-17
محمد علي الرباوي: الشاعر المغاربي تخلص من سلطة صورة المشرق
2018-02-15
علوان الجيلاني يرى أن التصوف هو الحل لليمن
2018-02-14
على هامش المربد .. ثلاثة معارض فنية تبحث عن الجمال والحق
2018-02-12
المزيد

 
>>