First Published: 2018-02-10

بطل الرواية الحربية.. 'الحرب في بر مصر' أنموذجًا

 

رواية يوسف القعيد جعلت من البسطاء فى أغوار الريف المصري أبطالا بمعنى ما.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: السيد نجم

رواية الحرب الداخلية

إن جوهر شخصية الأمم، يتجلى بالتعرف على أدبها، وفيه جوهر كل سماتها الفكرية والنفسية فضلا عن ملامحها اﻹجتماعية والسياسية واﻹقتصادية، وأيضا الثقافية. ما أحوجنا الآن إلى تجاوز كل ما هو آني ويومي ومتغير للبحث عما هو جوهري ودائم.

لعل البحث عن "البطل" في الأدب هو المدخل، وربما الوقوف أمام البطل في الرواية الحربية ليس تجزئة للقضية بقدر ما هو خطوة لها أهميتها، إلى جوار دراسات أخرى حول البطل. هذا ما فعلته بعض الدول الأمم التي وصفت فكريا اليوم بـ "أمم ما بعد الحضارة"، ولا ندهش أن نرى على أرض الواقع شخصية "البطل" الأميركي "الكاو بوي" بعد أن كنا نطالعه على شاشة السينما، وبين دفتي الكتب!

ما عاد من المدهش أن مؤسسة سياسية مثل "الكونجرس" الأميركي تحرص ما بين الحين والحين، على دعوة أحد أدباء الخيال العلمي، كي يتحدث عما يتخيله في أية قضية أو حتى حلم يحلم في تحقيقه، بعدها يتم تفريغ الحلم من الشوائب وتوضع آليات تحقيقه.. سواء بشأن الجوع أو المرض أو أمنية في الفضاء!

فكرة "البطل" قديمة قدم الأساطير والملاحم، وجنس الرواية بعدها، وهي الابن الشرعي لهما. لقد نالت الرواية مجدًا باقيًا خلال القرن التاسع عشر على يد "بلزاك، ستاندال، فلوبير، ديكنز، دستوفيسكى، تولوستوى.." ربما بسبب تناولهم المكثف للبطل، ولكل منهم منهجه وطرائقه في التعبير؛ "بلزاك" له الشخصية المكثفة والعميقة والمعبرة في النهاية عن الإنسان والجماعة، ثم "تولستوى" و"دوستوفيسكى" وربما "بروست" أيضا، كانوا أصحاب شخصيات مغلفة بالجانب الروحي ومعبرة عن الإنسان والجماعة. أما "ستاندال" جعل بطله متمردًا ربما لكونه من الطبقات الشعبية، وجعله ينتصر لجماعته في مقابل السلطة (طبقة الأثرياء) .

ﺇن الرواية المعاصرة أصبحت "رواية بلا بطل" بالمعنى التقليدي، فمحاولات قتل البطل مستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وﺇن كانت فكرة نزع البطل عن موضع قدميه بدأ بمحاولات سابقة، لكن الفكرة رسخت على مجموعة الفرنسيين الجدد، حتى أن "الآن روب جرييه" منظّر الرواية الجديدة في كتابه "نحو رواية جديدة" أعلن موت البطل لأنه لم يعد للغرب الأوروبي حاجة إليه. وقال:

"ينبغي بناء عالم أكثر صلابة ومباشرة بدلا من عالم الدلالات.. ولتفرض الأشياء والحركات التعبيرية نفسها.." (هنا تتجلى أهمية وعمق تأثير التجربة الحربية التي نسعى للكشف عن البطل في المنجز الأدبي وخصوصًا الروائى، حيث "الحرب فى بر مصر" للروائي يوسف القعيد).

ومع ذلك لا يمكن إغفال "البطل".. إن كان بلا اسم، أو رقم، أو حتى شبح يشار إلى أفعاله ولا نعرف شكله وسمائه.. لا يمكن إغفاله إن تحقق وﺇنتصر وﺇن زاغ وخبا بعيدًا عن العالم في السحاب أو بين طيات النسيان.. ﺇن كان فاعلا أو مفعولا به .. وحتى إن كان شيئا من الأشياء.

وعلى سعة صدر الكاتب والمتلقي لقبول الجديد، نتساءل: هل هذا ملائم لعالمنا العربي الآن؟ هل يجب قبوله بلا مناقشة أو تحليل؟ هذه قضية أخرى!

يمكن القول باطمئنان إن الرواية العربية الآن، ورواية التجربة الحربية خصوصًا.. مازلت متمسكة بالبطل المتعارف عليه، والذي هو من أحفاد "عنترة" و"أبو زيد الهلالي" و"السندباد البحري" و"على بابا" وحتى "السيد أحمد عبدالجواد". ونحن على يقين أن الأدب ليس هو الواقع، هو التعبير عنه لأنه ضمير الأمة أية أمة.

• من هو البطل؟

لأن التجربة الحربية عامة/ خاصة، فهي قادرة على إنتاج أبطالها. ولأنها لحظة تاريخية للشعوب والأفراد، فكل من يتجاوب معها ويتفاعل، فهو داخل التاريخ. المؤرخون وحدهم هم المسئولون عن تمجيد اﻹسكندر الأكبر ونابليون وحتى هتلر، أما المبدعون فهم المنوط بهم تمجيد البسطاء والفقراء والعامة، على شرط أن يكون داخل التاريخ فاعلا معطاء ويبذل الجهد والدم.

من هنا كانت أهمية تناول رواية "الحرب فى بر مصر"، تلك التي جعلت من البسطاء فى أغوار الريف المصري أبطالا بمعنى ما.

لقد عبر البطل الأسطوري قديمًا عن حاجة الجماعة وهمومها، وجعله نصف إله لعله يجد إجابة شافية عما يراوده من تساؤلات ومن حيرة.. حتى أنه حارب الآلهة التي هي (في الغالب) بأوصاف البشر.

كما عبر البطل الملحمي عن كيان بشري عملاق وقادر، تعلق اﻹنتصار بأطراف أصابعه وكعب قدميه. وأيضا بطل السيرة، وﺇن بدا أكثر التصاقا بأهله وناسه وأكثر دهاء.

أما وقد تحطم المجتمع الإقطاعي، وجاءت الرأسمالية لتتشكل الطبقة البرجوازية الجديدة، ورسخت فأنتجت "الرواية" بالشكل والتناول المعروف (وقد مرت بمراحل سابقة مثل المقامة والنادرة وغيرها عند العرب.. كانت هناك أشكال أخرى في مناطق أخرى).

وكانت المذاهب الأدبية التي شكلت أبطال الروايات، كما ﺇستفادت الرواية بالأشكال السابقة عليها. وفى الغالب يأتي الروائي بأبطاله ويلبسهم أفكاره.

• أنماط البطل في الرواية الحربية..

التجربة الحربية معطاءة، جعلت بطلها (الذي هو الفرد العادي) أسطوريًا وملحميًا وبطلا شعبيًا.. كما جعلته ذاتًا معبرة عن نفسها وعن جماعتها بلا ﺇفتعال. وربما نوجز أنماط ذاك البطل في بعض النماذج التالية:
- البطل الأسطوري، وهو الإيجابي والباحث عن المجهول والمغامرة.

- البطل الملحمي، وهو الذي يتقدم الجماعة، يعمل معهم وينتصر.

- البطل الشعبي، وهو الذي ينشأ في بيئة شعبية، ويتشبع بروح الجماعة التي غالبًا تمثل نمطا شعبيًا ما، فهو شعبي الخبرة والتوجه.. مع بروز البعد الديني والصياغة الشعبية للرواية.

- البطل الدون كيشوتى (نسبة إلى دون كيشوت) الذي حمل قضيته في قلبه وخرج وهو يعلم مقدار المشقة وقلة الحيلة أمام الواقع الخارجي.

- البطل المتأمل والمنسحب إلى الداخل.

- البطل التعليمي، أو البطل الملتزم، وهو ما يحرص الروائي على إيصال المقولة قبل توفير أدوات إيصالها فنيا و تقنيا.

- البطل المحوري، فهو التجربة الحربية كلها، على الرغم من وجود الجماعة، وغالبا بتعمد من الروائي ﺇحتفاء ببطولاته .

- البطل المهزوم، المحبط والمتشائم، وربما يصل إلى اللامنتمي.

انتهى زمن رجال البطولة ولا نقول "البطل"، ذاك الزمن الذي عبر فيه الشعر الجاهلى عن تلك الشخصية أجمل تعبير، ونصدقه.. لأنه عبر عن ﺇحتياج حقيقي للجماعة في حينه. بقيت "الفروسية"، "القوة البدنية"، "حامل الحكمة والمعرفة والعدالة".. هي وغيرها وكل شاكلتها محفوظة فى كلمات الشعر القديم، وخطب المفوهين منهم.

• البطولة في التجربة الحربية

أتاحت "التجربة الحربية" دروبا وحيلا للراوي لأن يقول، رفضًا أو قبولا لتلك الحرب التي اشتعلت، ولا يملك غير قلمه. إلا أنه تلاحظ على الرواية الحربية في مصر والعالم العربي.. أن أغلب التجارب الحربية مقبولة. وﺇن رفضها الكاتب فمن وراء حجاب يعبر عن رأيه، وهو ما تلاحظ في بعض الأعمال الروائية التي تناولت الحرب العراقية/ الإيرانية ورواج "البطل المحبط" فيها. وربما يرجع ذلك إلى قدر الحرية المحدود الذي يتحرك فيه المبدع.

ذلك على النقيض من الأدب العبري، حيث يستشعر القاريء الفطن "الرؤية المستقبلية" التي يتمحور حولها "وجهة نظر" الروائي. ففي ذروة ﺇنتصارهم العسكرية في 67، كانت الروايات المعبرة عن قلق بطلها، وأن هذا اﻹنتصار كاذب، لأن العربي لن يستسلم!

نشير في عجالة إلى حاجتنا في الوطن العربي كله إلى "البطل" لا إلى "شخصية البطل"، نبغي الإنجاز والقدرة على التحمل، نريد الواعي والقادر على إعمال القرار، نريد من يفهم أن "الصراع" هو جوهر سر الحياة. أما ذاك البطل المحبط وقد ﺇنزوى في عتمة النكوص (اللابطل) فلن نرفضه فنيًا.. لندع المبدع يقول ما عنده لعله يعلن عن نبؤة بمولد بطل آخر.. عالم آخر.

• "الحرب في بر مصر" رواية الحرب الداخلية!

رواية "الحرب في بر مصر" 1985، تشي بقدر وافر من التساؤلات: فهي لم تتناول حربًا بالمعنى التقليدى للجنود على حدود البلاد.. تدور أحداثها (غالبًا) داخل حدود قرية مجهولة بدلتا مصر.. التجربة الحربية فى الرواية تتجلى في تأثير المعارك والحرب المشتعلة على الحدود على المدنيين في أعماق القرى والمدن. وﺇن كان الكاتب ممن خاضوا التجربة الحربية وشارك في المعارك، الا أنه فضل الاستفادة بالخبرة الخاصة تلك فى التعبير عن قضية جمعية وعامية، قضية اﻹستلاب في الوطن حتى في زمن الحرب!

بالرغم من كون الرواية تعد من روايات أدب الحرب (أدب المقاومة)، لم تكن الشخصيات سوى نماذج مدنية من قرية ومدينة (العمدة، المتعهد، الخفير، الصديق، الضابط، المحقق، والأم وبقية الشخصيات النسائية) كلها شخصيات مألوفة لدى القاريء. بدا هم تلك الشخصيات رسم لوحة دامية للصراع القاتل بلا رصاص. قاتل لأنه تمكن من قتل ابن الفقير وهو الشاب العفي الحي، بدلا من ابن العمدة، بعد أن شارك بالمعارك باسم ابن العمدة!

فورًا نقول إن الحرب أفرزت الزيف، اﻹضطهاد، العنف، التعالي، السلطوية، القهر، قلة الحيلة.. كلها وغيرها تعبر عن أحوال تأثير الحرب على المدنيين، ﺇما أن تكون الحرب سببًا لها، أو الحرب هي نتيجة تجذرها فى القرى المصرية. (يبدو "القعيد" حريصًا على ﺇبراز تلك الثيمة عن وعي وقصدية. وهو ما تجلى في روايات سابقة: رواية الحداد/منصور أبو الليل. رواية أخبار عزبة المنيسي/ هبة الله المنيسي" وقد نشرا قبل رواية الحرب في بر مصر.

• الحبكة..

بدت المفارقة وبداية الهشة مع ابن الخفير وابن العمدة حيث يأتي ميعاد التجنيد لهما، الا أن ابن الخفير يحق له تقديم استمارة الاعفاء من التجنيد لكونه ولدًا وحيدًا.. وهو ما دفع العمدة وخطط له، أن يستبدل بيانات ابنه بابن الخفير ليحل الأخير محل الأول، ويتم تجنيد ابن الخفير. تبدأ اللعبة ويتم لها الإنجاز الناجح بالتزوير والتدليس في المسندات الرسمية بواسطة "المتعهد". وهو الشخصية التى تمثل البيروقراطية والسلطة والزيف معًا. ما جعله يتغر في نفسه ويقول للجميع بأنه متعهد حل العقد، والمشاكل التي تسبب الإرتباك والحزن والخوف، وبلغ به الغرور أن شبه نفسه بالزناتي خليفة أو أدهم الشرقاوي!

نجح المتعهد في تنفيذ خطته، وزور كل المستندات اللازمة!

نجح في ﺇستغلال فقر الخفير وحاجته ﺇلى المال، وأغراه بما يجود به العمدة وهو كثير بالنسبة للفلاح الخفير! ثم نجح في رد الجميل للعمدة الذي أعاد ﺇليه أرضه التى ﺇستولى عليها من قبل؟! وحدث ما لم يتوقعه أحد سريعًا.. ﺇندلعت الحرب، يستشهد مصري ابن الخفير الفقير، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع وتتجلي المفارقة فى أنصع صورها.. يكاد يصاب الأب ومعه الأم الفقيران، على موت ابنهما، ويتابع العمدة جني الثروات المحرمة بصرف ما تقرره القوات الميلحة من أموال في مثل تلك المواقف! .. وفيما يشبه اﻹنقلاب الدرامي، تظهر بعض المستندات التي تفضح العمدة والمتعهد معًا. ويبدأ التحقيق في جريمة لم يعهدها المحقق من قبل (ولا القاريء)، وتفشل كل السبل كي يتمكن المحقق من الوصول ﺇلى الحقيقة.

وتدور الأحداث من بعد معبرة عن حيرة وﺇستنكار الخفير وزوجه من خلال السؤال/ الأسئلة المضمرة والعلنية، من الذي يصرف مستحقات الشهيد، العمدة الذي ليس له ناقة ولا جمل في هذا الموضوع سوى اسم ابنه، أم صاحب الحق الخفير والد الشهيد، لتبقى المفارقة وتتعمق، وهو ما عبر عنه "القعيد" بالسؤال اﻹستنكاري، يقول الروائي: "إن الموقف الذي يجب بحثه هو: الآن بعد أن ﺇستشهد ابن الخفير نيابة عن ابن العمدة لأي منهما يحسب هذا الإستشهاد، لا بد من الرجوع إلى الجهات المسئولة ومصادر الفتوى، وقراءة التاريخ لمعرفة إن كانت هذه الواقعة قد حدثت من قبل أم لا؟ وإن كانت قد حدثت، فكيف تصرفوا في مواجهتها؟ لكي نحسم الأمر: من الذى استشهد، ابن الخفير الذي ذهب بنفسه، أم ابن العمدة الذي أناب شخصًا آخر مكانه لكي يستشهد بدلا منه؟!"

• الخاتمة

ترى في أي المواقع يقف "البطل" في رواية الحرب في بر مصر..؟ لعله البطل المهزوم، المحبط والمتشائم.. لعله الخفير الفقير قليل الحيله وابنه.. لعلها أصداء المعارك عند حدود البلاد وقد كانت خلف كل أحداث العمل الروائي.

ﺇنها الحرب وتأثيرتها ﺇذن.. ليبقى الأدب المعبر عن التجربة الحربية فى الميدان فوق الحدود وفى الداخل، والجيد منه هو الأدب الأكثر التصاقا بقضايا الناس وهموم المجتمع بعامة.

 

الجزائر تداري انتهاكات حقوق الانسان بحملة تبريرات مضادة

العاهل الأردني يقوي فريقه الاقتصادي في الحكومة والديوان

المصرف العقاري يعود للموصل وسط ركام الأنقاض

مصر تتحفظ على أموال أبوالفتوح

تعرض كاتم أسرار القذافي المالية لمحاولة اغتيال في جوهانسبورغ

الإضرابات النقابية تزيد مصاعب الحكومة في الجزائر

أردوغان يرسم في جولة افريقية ثانية خارطة التمدد التركي

اتهامات لبغداد بفرض عقوبات جماعية على اقارب الجهاديين

مشاورات موسعة تمهد لحل أزمة العمالة بين الكويت والفلبين

تواتر الهجمات الإرهابية يكشف ضعف الحزام الأمني في كركوك

جيبوتي سقطت في امتحان الثقة مع الإمارات

مشاريع تركية جديدة واجهة للتغلغل في الساحة الليبية المضطربة

لفتة انسانية أردنية للمرضى السوريين العالقين في مخيم الركبان

العراق وسوريا يواجهان معضلة ضمان احتجاز الجهاديين

انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية المحسومة سلفا في مصر

حرب على المياه الشحيحة في أفق بلاد الرافدين


 
>>