First Published: 2018-02-12

فقدان رفيق الحريري... فقدان بعض الامل

 

يُفترض في اللبنانيين اعداد نفسهم منذ الآن الى انّ 'حزب الله' سيكون قادرا على عمل الكثير بفضل أكثرية النصف زائدة صوتا واحدا في مجلسّ النوّاب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

اكثر ما يحزن بعد ثلاثة عشر عاما على اغتيال رفيق الحريري في بيروت يوم الرابع عشر من شباط – فبراير 2005، ذلك الشعور بانّ اللبناني فقد الامل في مستقبل افضل له ولأفراد عائلته. لم يفقد كلّ الامل بعد، لكنّه فقد بعضه ان لم يكن الكثير منه.

هناك شعور بفقدان الامل الذي كان يمثّله رجل عرف كيف يعيد الحياة الى بيروت وكيف يعيد لبنان الى خريطة الشرق الاوسط. هناك حتّى شعور بانّ ثمّة اهمالا للتفاصيل الصغيرة والكبيرة مثل اخلاق الناس وطريقة تصرّفهم في الشارع. حتّى الطرقات لم تعد تجد من يريد إصلاحها. لم يعد هناك من يؤمن بانّ الرصيف يجب ان يكون موجودا. هناك اهمال ليس بعده اهمال لمظاهر وجود دولة تعمل من اجل البناء والاعمار. انّها دولة تعمل فعلا من اجل إعادة الكهرباء وإيجاد سبل للانتهاء من ازمة النفايات في عالم يستطيع توفير حلول سهلة ومربحة في الوقت ذاته لمشاكل من هذا القبيل.

طاول الإهمال وسط بيروت الذي كان حلم رفيق الحريري الذي تحقّق والذي لم يعد يجد من يعتني بأرصفته ولا بمنع الوقوف في أماكن ممنوعة. تتسلل الفوضى الى وسط بيروت من اجل يكون امتدادا للتخلّف والعشوائية بدل ان يكون منطقة نموذجية يجري تعميمها ليس على العاصمة وحدها، بل على كلّ لبنان أيضا.

كلّ ما هو متوافر حاليا امام اللبنانيين يتمثّل في الذهاب الى انتخابات نيابية مؤجلة منذ اربع سنوات من اجل ان يكون هناك مجلس جديد للنواب يمتلك فيه "حزب الله" أكثرية، ولو أكثرية بسيطة لا تسمح له بتعديل الدستور. يُفترض في اللبنانيين اعداد نفسهم منذ الآن الى انّ "حزب الله" سيكون قادرا على عمل الكثير بفضل أكثرية النصف زائدة صوتا واحدا في مجلسّ النوّاب.

في أيام رفيق الحريري، كانت الوصاية السورية قائمة، لكنّه كان لا يزال هناك امل في التخلّص منها وبيوم لا يعود فيه "حزب الله" الحزب المهيمن على البلد بالتفاهم مع النظام السوري. لم يكن "حزب الله"، في ايّام رفيق الحريري في حاجة الى ان يكون ممثّلا في الحكومة بسبب كثرة ممثلي النظام السوري فيها، لكنّ مشروع الانماء والعمار كان يتقدّم. كان هناك عرب يأتون الى لبنان كسيّاح وكمستثمرين. لعلّ اخطر ما نشهده الآن يتمثّل في عزلة لبنان عربيا من جهة والرغبة العميقة لدى فئة معيّنة في منع قيام ايّ مشروع حقيقي يصبّ في تحسين وضع البنية التحتية من جهة أخرى.

توجد نيّة لدى جهات كثيرة في نشر البؤس في البلد استكمالا للانقلاب الكبير الذي بدأ تنفيذه قبل اغتيال رفيق الحريري في يوم "عيد الحبّ". بدأ الانقلاب مع التمديد لاميل لحود، رئيس الجمهورية وقتذاك، رغم صدور القرار 1559 عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة. من الواضح انه كانت هناك ولا تزال توجد رغبة واضحة لدى جهات عدّة في ان يكون لبنان "ساحة" لحروب الآخرين ولا شيء آخر غير ذلك. مطلوب ان يكون لبنان مجرّد ورقة إيرانية وقبل ذلك ورقة لدى النظام السوري الذي عاش على سياسة الابتزاز... ابتزاز العالم وابتزاز المجتمع الدولي.

لا يزال لبنان يقاوم، لكنّ هذه المقاومة اللبنانية تزداد ضعفا مع اقتراب موعد الانتخابات التي تجري في ظلّ قانون وضع من اجل تفتيت كلّ المجموعات التي ترفض مشروع "حزب الله" وتشكل حجر عثرة في وجهه. هنا تكمن الخطورة وهنا تكمن نقطة الضعف اللبنانية بعد تمرير قانون للانتخابات وضع على قياس تلك الميليشيا الايرانية التي ليست سوى لواء في "الحرس الثوري".

يقاوم اللبنانيون الذين يعرفون تماما من اغتال رفيق الحريري ومن سعى الى تدمير كلّ مؤسسات الدولة اللبنانية. يفعلون ذلك منذ ما قبل تفجير موكب رفيق الحريري وقبل اليوم الذي تعرّض فيه مروان حماده لمحاولة اغتيال نجا منها باعجوبة الاوّل من تشرين الاوّل أكتوبر 2004.

لا تزال هناك نواة لمقاومة يجسدها سعد الحريري رئيس مجلس الوزراء الذي يعرف معنى انهيار الحد الأدنى من الاستقرار الذي ينعم به بلد فيه حزب مسلّح بات شريكا في الحرب على الشعب السوري ويلعب أدوارا في العراق والبحرين واليمن ويسعى الى وجود في كلّ دولة من دول المنطقة من منطلق ميليشيوي ومذهبي ليس الّا. يظل السؤال في نهاية المطاف ان لبنان عانى الكثير من ايران، التي تستخدم "حزب الله" في مشروعها التوسّعي الذي بات يتجاوز البلد. هل هناك رغبة دولية جدّية في التصدي لهذا المشروع الذي يكاد يقضي على لبنان ام لا؟

تبقى المقاومة الخيار الوحيد امام اللبنانيين في بلد يعاني من سياسة إيرانية تصبّ في عملية تطويع للبلد تتكلّ على امتلاك النفس الطويل. فمن اغتيال رفيق الحريري وصولا الى قانون الانتخابات الحالي، كانت حرب صيف 2006 وكان الاعتصام في وسط بيروت وكانت غزوة بيروت والجبل في ايّار – مايو 2008 وكانت بالطبع سلسلة الاغتيالات التي استهدفت اللبنانيين الشرفاء فعلا، بما في ذلك جبران تويني وسمير قصير كي يحلّ بجريدة "النهار" ما حلّ بها وبالصحف اللبنانية الأخرى التي تعاني من أزمات لم يسبق ان مرّت بمثلها في يوم من الايّام. هناك خيط رفيع يربط بين كلّ الحداث التي تلاحقت بين 2005 و2018. هذا الخيط هو كيف وضع لبنان مجددا تحت الوصاية.

بعد ثلاثة عشر عاما على غياب رفيق الحريري، يفتقده لبنان اكثر من ايّ وقت. تزداد الحاجة اليه في منطقة تغيّرت فيها التوازنات كلّيا بعد كلّ الذي حصل في سوريا. العزاء الوحيد انّ دمّه لم يذهب هدرا. اخرج الجيش السوري من لبنان وسيخرج بشّار الأسد من سوريا عاجلا ام آجلا. لكنّ نقطة الضعف الأساسية تبقى في غياب مشروع لبناني جامع يستطيع الوقوف في وجه ما يعدّ له "حزب الله" ومن خلفه ايران. يُضاف الى ذلك، انّ الدعم العربي للبنان صار غائبا، بل شبه معدوم. صحيح انّ لبنان ساقط عسكريا، لكنّ الصحيح أيضا انّه لم يسقط سياسيا بعد سقوطا تاما. هناك قوى لبنانية تقاوم وهناك دولية ما زالت تدعمه وتعرف معنى استخدامه كـ"ساحة" صراع بين قوى إقليمية ودولية وابعاد ذلك.

نعم، يشعر اللبناني بفقدان الامل. يشعر ان القليل بقي من حلم رفيق الحريري. لكنهّ يشعر أيضا انّ المشروع البديل من لبنان ليس قابلا للحياة، لا لشيء سوى لانّه مرتبط بفكرة نشر البؤس والتخلّف لتطويع اللبنانيين بدل نشر العلم والثقافة ودعم الجامعات وتخريج طلاب لبنانيين من افضل جامعات العالم، كما فعل رفيق الحريري.

هذا المشروع البديل من مشروع رفيق الحريري، المرتبط أصلا بثقافة الموت، يمكن ان يقضي على لبنان اذا لم يجد من يتصدّى له عبر مشروع مضاد متكامل. انّه مشروع مضاد يستند الى ايمان المجتمع اللبناني بثقافة الحياة والبدء بترميم بيروت وإعادة الاعتبار الى الرصيف قبل ايّ شيء آخر... وصولا الى الاقتناع بانّ لا سبيل للتعايش مع سلاح غير شرعي يعمل يوميا على جعل مؤسسات الدولة اللبنانية، وما بقي منها تتآكل من داخل.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
نعم... هناك قضيّة في لبنان
2018-02-21
ايران والحاجة الى حرب...
2018-02-19
'تمسكن تسلم'
2018-02-18
لا احد يريد التفاوض مع احد في اليمن
2018-02-16
ايران دولة متوسّطية!
2018-02-14
فقدان رفيق الحريري... فقدان بعض الامل
2018-02-12
مسألة اكبر من طائرة وصاروخ
2018-02-11
في ذكرى الحسين بن طلال
2018-02-09
قبل ان تهتمّ ايران بالقدس
2018-02-07
لعبة أميركية – إيرانية شارفت على نهايتها
2018-02-05
المزيد

 
>>