First Published: 2018-02-12

زبير بلال إسماعيل ... رائد التاريخ الكردي

 

المؤرخ العراقي الراحل أفرد دراسات معمقة لعدد كبير من العلماء والمؤرخين الكرد، مشيدا بهم إشادات رائعة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. زينب الجلبي

بحوثه معمقة ومتعددة

يعد المؤرخ زبير بلال اسماعيل (1938-1998) أحد أهم وأبرز المؤرخين الكرد في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد أسهم على نحو فاعل في تدوين تاريخ الكرد وكردستان طوال ثلاثين عاماً، وتمتاز مؤلفاته التاريخية بالموضوعية والحياد العلمي بعيدا عن الاهواء والتحيز والآراء المسبقة .

وقد ألّف خلال حياته العلمية أكثر من عشرين كتابا قيما بين مطبوع ومخطوط، ونشر حوالي (250) دراسة تتناول تاريخ الكرد وكردستان على مر العصور، وتطور القضية الكردية، وتراجم لأبرز العلماء الكرد الذين أنجبتهم كردستان. وكان له حضور دائم في الحياة العلمية والثقافية الكردية.

لقد كتب الكثيرون عن سيرة حياة الفقيد والأجواء العلمية التي نشأ فيها وملكته الذهنية التي أهلته لاحتلال مكانة مرموقة بين المؤرخين الكرد المعاصرين.

زبير بلال اسماعيل أول مؤرخ كردي متخصص في التاريخ القديم، وقد أدرك أن تاريخ الكرد وكردستان القديم لم يكتب بعد، لذا كرس حياته كلها في سبيل الاسهام في هذه المهمة النبيلة. ولفت نظره خلال دراسته للتاريخ القديم أن مدينة أربيل العريقة كانت مسرحا لأحداث عاصفة غيرت مجرى التاريخ في المنطقة ولكنها – اي مدينة أربيل - لم تحظ بعناية كبيرة من قبل المؤرخين المسلمين والمستشرقين الأجانب، ولم يكرس لتاريخها كتاب مستقل، صحيح أن ثمة بعض الكتب التي تحمل اسم (تاريخ أربيل) لعل أشهرها "تاريخ أربيل" لأبن المستوفي – وهو سفر جليل، عظيم الشأن ولكنه ليس كتابا في التاريخ كما يتبادر للذهن لأول وهلة، بل انه مكرس لتراجم العلماء والأدباء والشعراء الذين زاروا كردستان وخاصة مدينة أربيل في العهد الأتابكي.

وقد أثار كتابه المعنون "أربيل في أدواره التاريخية " الصادر في النجف عام 1971 ضجة في الأوساط الثقافية العراقية. وكتبت جريدة "التآخي" البغدادية تقول: "إن هذا الكتاب موسوعة تاريخية عن أربيل وأنحائها ينبغي على كل مثقف عراقي أن يقرأها " .

• تراجم أعلام الكرد

أفرد المؤرخ الراحل دراسات معمقة لعدد كبير من العلماء والمؤرخين الكرد، مشيدا بهم إشادات رائعة. ولقد أراد بدراساته تلك، أن ينصفهم، وأن يوفيهم حقهم من الثناء والاعجاب كما أبتغى، أن تتخذ الاجيال الكردية منهم المثال والقدوة الحسنة، فيترسموا خطواتهم ويمضوا على نهجهم، ولعلنا نتذكر كتابه الشهير "ابن خلكان" الذي صدر في بغداد عام 1979. وهذا الكتاب هو أول كتاب لمؤرخ كردي عن هذا المؤرخ الكلاسيكي الشهي، حيث أثبت المؤرخ الراحل، في كتابه القيم أن ابن خلكان - اربيلي المولد والنشأة وانه وأسرته ينتسبون الى إحدى القرى في منطقة أربيل .

أما كتابه "علماء ومدارس في أربيل" الصادر في عام 1984 والذي كرسه للحديث عن دور العلم في اربيل وسيرة أهم علمائها، فقد أصبح لاحقاً مصدراً مهما وأساسيا لكل من كتب شيئا عن علماء أربيل ودور العلم والعبادة فيها.

كما ألف كتابا رائعا وممتعا عن أحد أبرز شيوخ الصوفية في كردستان وهو "الشيخ جولي" وصدر الكتاب في أربيل عام 1989.

ولما كانت المصادر عن هذا الشيخ الصوفي الجليل شحيحة، ان لم تكن معدومة، فقد لجأ الفقيد الى تتبع آثار الشيخ جولي ميدانياً، واستقصاء المعلومات عنه في ثتايا مخطوطات المساجد وروايات أقارب الشيخ من المسنين وما يحتفظون به من مخطوطات ومستندات، مما له علاقة بالشيخ، وتتبع نسبه ومصادر ثقافته وتأثير مدرسته الصوفية وغير ذلك .

ونتيجة لهذا الجهد الميداني الكبير تجمعت لديه معلومات وافية أصبحت محور كتابه عن الشيخ جولي وهو الكتاب الوحيد عن هذا الشيخ المشهور جداً في كردستان عموما وأربيل خصوصاً. والجامع الذي يحمل اسمه اليوم يقع في قلب مدينة أربيل وكذلك الساحة المسماة بأسمه قرب هذا الجامع .

وقامت وزارة الأوقاف في كردستان بإعادة طباعة ونشر هذا الكتاب في عام 2002.

وكتب الأستاذ عدنان النقشبندي، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في حكومة إقليم كردستان آنذاك مقدمة قيمة لهذا الكتاب نقتطف منه ما يلي:

"حضرة الشيخ محمد ثناء الدين بن مصطفى بن الحاج عمر الأربيلي النقشبندي الشهير بـ (الشيخ جولي) الذي يدوي اسمه في أسماعنا كل حين، ويتبرك الناس بأعماله الصالحات ويؤمون الجامع المسمى باسمه لأداء الفرائض أو إحياء المناسبات، يعود الفضل في تقصي المعلومات المتناثرة عن حياة ومناقب الشيخ الجليل واستجلاء حقائق حياته وسيرته الى المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل، الذي قضى معظم سنوات حياته في البحث والتحقيق ليدون تاريخ مدينته وشعبه الكردي ."

كما قام إمام وخطيب مسجد "الشيخ جولي" الشيخ عمادالدين فائز عبدالله بترجمة الكتاب الى اللغة الكردية وصدر الكتاب بحلة قشيبة قبل عدة أيام .

ومن الدراسات المهمة التي نشرها الفقيد؛ الدراسة المكرسة لسيرة حياة وآثار العالم الكردي الشهير "ابن آدم" المنشورة في مجلة "المجمع العلمي" الكردي، التي كانت تصدر في بغداد في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

احتل سيرة العلماء الذين أنجبتهم أربيل مكانة مهمة ضمن أعماله العلمية، حيث يشير العديد من المؤرخين والكتاب الذين كتبوا عن سيرة ومؤلفات الراحل الجليل، أن ثمة مؤلفا ضخما من ثلاثة أجزاء – لا يزال مخطوطا - يتناول سيرة المئات من أعلام اربيل من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والموسيقيين وغيرهم، ولعل هذا المؤلف هو واحد من أكبر وأهم مؤلفات مؤرخنا الذي ينتظر النشر .

واهتم المؤرخ الكبير اهتماما ملحوظاً بتاريخ الامارات الكردية وله كتاب مخطوط عن امارة الكرد الهذبانية انتهى من تأليفه في عام 1978، وينتطر النشر ضمن مؤلفاته الكاملة التي تنوي دار "التفسير" في أربيل إصدارها قريباً.

ومن أعماله المهمة، بحوثه المعمقة والمتعددة عن "امارة سوران" التي تناول فيها بالدراسة والتحليل، نشأة الامارة السورانية وتطورها ونظام الحكم والادارة فيها وعلاقاتها الخارجية وشخصية الأمير المنصور محمد باشا الرواندوزي، ولا بد من التنويه هنا أن الفقيد استطاع عن طريق البحث والتقصي العثور على وثائق أصيلة ومهمة عن أمارة سوران، وكان طريح الفراش عندما كتب دراسته المهمة الموسومة "امارة سوران .. وثائق جديدة في نهوضها وسقوطها" التي نشرت عام 1998 في مجلة "زاكروس" الصادرة في أربيل .

واحتلت الحركة الكردية مساحة واسعة ضمن بحوثه ودراساته، وكان أول من لاحظ الطابع القومي لثورة الشيخ عبدالسلام البارزاني وثورات بارزان اللاحقة. وقد صدر كتابه "ثورات بارزان" في خريف عام 1998 أي قبل بضعة أشهر من وفاته، وهو أهم كتاب صدر لحد الآن عن هذه الثورات .

وكتب الفقيد دراسة مهمة عن الأهمية الاستراتيجية لمصاصر والمثلث الحدودي بين إيران والعراق وتركيا والدور الذي لعبه في تاريخ الكرد والمنطقة، نشرت أجزاء منها في جريدة "خبات" عام 1997 .

وكان مهتما بكل ما يتصل بالتراث الثقافي الكردي والهوية القومية للشعب الكردي وله كتاب فريد في بابه يحمل عنوان "تاريخ اللغة الكردية" حيث أثبت مستندا الى الشواهد التاريخية وخصائص اللغة الكردية بأن هذه اللغة الجميلة لغة عريقة ومستقلة عن اللغة الفارسية، وقد ترجم الكتاب الى بعض اللغات الأجنبية .

ورغم انشغال المؤرخ الجليل بالبحوث التاريخية، إلا أنه أولى اهتماما بالحركة الثقافية الكردية المعاصرة، وكتب العديد من الدراسات والمقالات عن هذه الحركة نشرت في مجلة "الثقافة" البغدادية وغيرها من الصحف والمجلات الصادرة باللغتين العربية والكوردية في السبعينيات والثمانينيات .

ترك المؤرخ الراحل 14 كتابا مخطوطا، نشر البعض منها بعد رحيله ومنها كتاب "الأكراد في كتب البلدانيين والرحالة المسلمين في العصور الوسطى" وكتاب "تاريخ اربيل" الصادر عن وزارة الثقافة في اقليم كردستان في عام 1999 وهو أهم وأشمل كتاب عن تاريخ هذه المدينة العريقة .

وقد عقدت وزارة الثقافة في الاقليم يوم 25 / 2 / 1999 ندوة علمية لتثمين وتقييم الكتاب وتكريم ذكرى الفقيد وجهوده المثابرة لإحياء وتوثيق تاريخ الكرد وكردستان، وكانت هذه الندوة هي الندوة الأولى من نوعها في كردستان، واهتمت بها الاوساط العلمية والثقافية ونشرت تفاصيلها في وسائل الإعلام.

ووصف السيد وزير الثقافة (آنذاك) الكاتب والسياسي الراحل فلك الدين الكاكائي كتاب "تاريخ اربيل" بأنه أهم كتاب عن تاريخ أربيل على الاطلاق، ودعا الى ترجمته الى اللغة الانكليزية واللغات الاخرى، لأهميته في تعريف الكرد وتاريخه العريق الى شعوب المنطقة والعالم، كما دعا خطباء آخرون في تلك الندوة إلى تدريس هذا الكتاب في مدارس ومعاهد الاقليم. وكان أحد الخطباء - وهو الشاعر الشهيد مهدي خوشناو - رئيس اتحاد الأدباء الكرد ونائب محافظ أربيل في تلك الفترة، ومما ذكره في كلمته المؤثرة: "إن اسم زبير بلال إسماعيل يقترن دائما باسم اربيل: فهما صنوان أو تؤمان لا يفترقان".

والحق أن مؤرخنا الراحل كان يعرف مدينة أربيل التي ولد وترعرع في قلعتها التاريخية، معرفة عميقة وتفصيلية: يعرف تاريخها أفضل من أي مؤرخ آخر ويعرف دورها الكبير في صنع التاريخ وأمجادها وبطولات أبنائها، والأسر الحاكمة فيها عبر التاريخ، ويعرف أعلامها ومعالمها الحضارية والثقافية، ويعرف أحياءها وشوارعها وأزقتها ودور العبادة فيها ومدارسها وخزائنها من الكتب والمخطوطات .

حظى الفقيد سواء خلال حياته وبعد وفاته باهتمام بالغ من الأوساط العلمية والثقافية في كردستان، وتجلت مكانته العلمية الرفيعة خلال فترة مرضه على وجه الخصوص، حيث كانت الوفود الرسمية والشعبية تتقاطر على بيته حيث يرقد مريضاً للأطمئنان على صحته كما زاره أبرز رجال الفكر والثقافة في الإقليم وأحاطته باهتمام قلما حظى بها مؤرخ كردي آخر .

وبعد رحيله نشر العديد من المقالات التي تتحدث عن سيرة حياته ونتاجه العلمي، كما قامت القنوات التلفزيونية بتغطية واسعة لنبأ رحيله وللحفل التأبيني الذي أقيم بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته .

الساحة الرئيسية في مدخل مدينة أربيل على الشارع المئوي تحمل اليوم اسم المؤرخ الجليل زبير بلال اسماعيل، الذي رحل عنا بجسده، لكنه سوف يظل حيا في قلب وضمير كل مثقف كردي شريف يدرك أهمية الدور الذي نهض به في إحياء تاريخ أمته ووطنه .

 

الجزائر تداري انتهاكات حقوق الانسان بحملة تبريرات مضادة

العاهل الأردني يقوي فريقه الاقتصادي في الحكومة والديوان

المصرف العقاري يعود للموصل وسط ركام الأنقاض

مصر تتحفظ على أموال أبوالفتوح

تعرض كاتم أسرار القذافي المالية لمحاولة اغتيال في جوهانسبورغ

الإضرابات النقابية تزيد مصاعب الحكومة في الجزائر

أردوغان يرسم في جولة افريقية ثانية خارطة التمدد التركي

اتهامات لبغداد بفرض عقوبات جماعية على اقارب الجهاديين

مشاورات موسعة تمهد لحل أزمة العمالة بين الكويت والفلبين

تواتر الهجمات الإرهابية يكشف ضعف الحزام الأمني في كركوك

جيبوتي سقطت في امتحان الثقة مع الإمارات

مشاريع تركية جديدة واجهة للتغلغل في الساحة الليبية المضطربة

لفتة انسانية أردنية للمرضى السوريين العالقين في مخيم الركبان

العراق وسوريا يواجهان معضلة ضمان احتجاز الجهاديين

انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية المحسومة سلفا في مصر

حرب على المياه الشحيحة في أفق بلاد الرافدين


 
>>