First Published: 2018-02-12

الجيل الجديد ودراسات التدافع الحضاري: وعد بلفور

 

كتاب ميسرة صلاح الدين جاء محاولة جريئة لتقديم السياق التاريخي للشخصية اليهودية والعوامل التي أسهمت في تشكيلها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. حاتم الجوهري

تحية لروح الأمل

حينما صدر كتابي الأول: "خرافة الأدب الصهيوني التقدمي" في طبعته الأولي يناير/كانون الثاني 2012، كان يروج البعض لنهاية عصر القضايا الكبرى وتفكك خطاب الجماعة العربية ومشروعها المشترك بلا عودة، وكان البعض الآخر يعتبر أن مقاربة الصهيونية معرفيا قد انتهت، وأنه لديه الحق الحصري في التعالي على الأطروحات الجديدة والحديث باسم "النخبة" العربية.

في ذلك الوقت منذ ستة أعوام خضت المجال لأقول إنه لا يزال هناك الكثير ليقال، والكثير لتتم مراجعته خاصة تلك الجذور والمنطلقات التي جاءت منها الصهيونية وعلاقتها بالحالة الأوروبية ككل، وببعض المفاهيم المستقرة عنها عند "النخب" العربية.

وربما خضت بعض السجالات هنا أو هناك دفاعا عما كشفته ودور يسار روسيا اليهودي في وضع الصهيونية على الأرض وتنظيمها، في أعقاب اغتيال القيصر الروسي واتهام يهود روسيا بالاضطلاع في الأمر وما خلفه ذلك من أحداث ومصادمات، دفعت اليسار اليهودي الروسي لتبني فكرة الصهيونية، وتقديم أطروحة عن "الاحتلال التقدمي" لفلسطين وتنظيم الهجرات وبناء المستوطنات الجماعية على الطابع الماركسي، وتأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية للتعبير عن ذلك المجتمع وأشهرها الهستدروت (نقابة عمال إسرائيل)، والخلايا المسلحة لتأمين ذلك المجتمع "الطليعي" المتوهَّم في أذهانهم. والبراعة التي أدار بها رجال "الصهيونية الماركسية" علاقتهم مع "الماركسية اللينينيية" بعد ظهور الثورة الروسية، ليعتبرهم لينين بعد عدة مطالب جزءا من منظمة الشيوعية العالمية "الكومينترن".

كذلك نجح رجال الصهيونية الماركسية في تقديم أنفسهم داخل المنطقة العربية، كطليعة تعبر عن خطاب "الاحتلال التقدمي" الناعم وأسهموا في تأسيس اليسار الفلسطيني، وكانوا على علاقة مبكرة مع اليسار المصري، وأسسوا أبرز خرافات النخبة العربية المثقفة عن دولة "احتلال تقدمي" تجمع بين العرب واليهود، وفق التصور القديم لبيير بيرخوف منظر الصهيونية الماركسية الروسي في القرن التاسع عشر.

وأخذت وقتا لأفصل بين ما هو معرفي وبين ما هو أيديولوجي، وأن الحالة العربية في حاجة لمراجعة العديد من مسلماتها، وهو ما أكملته بترجمتي لكتاب سارتر: "تأملات في المسألة اليهودية" وردي عليه: "سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودي للفلسطينيين"؛ وكشفت في كتابي: "نبوءة خراب الصهيونية" عن معادلة حضارية مهمة ودراسة في الأدب الصهيوني أفادت بأن بينهم من يعتقد بأن مشروع الصهيونية وميله دائما للتوسع والهيمنة، سيحمل بداخله بذور الخراب وتفكك المشروع وتوقع انتفاضة الجموع العربية الكامنة. وهو ما أثبتته التجربة واقعيا عند محاولة الصهيونية فرض سيطرتها مؤخرا على القدس في ظل الضعف السياسي للدول والأنظمة العربية، وهبت الجماهير الفلسطينية لتدافع عن القدس أحد أبرز مكونات "مستودع الهوية" العربي.

وتصديت لأطروحات يوسف زيدان عن تفكيك الذات العربية والاستلاب للآخر الصهيوني/ الغربي، ورددت على ما أشاعه عن: المسجد الأقصي، وصلاح الدين، واللغة العبرية، وجيش عرابي، والترويج للدعاية الصهيونية، ومشروعه عن الاستسلام الحضاري/المعرفي للآخر بحجة هشاشة الذات العربية، بدلا من البحث عن المعادلات اللازمة لنهضتها.

ومؤخرا أثلج صدري كتاب جديد لكاتب يقتحم المجال للمرة الأولى ولم تردعه الرهبة ولا السيوف الجاهزة، كتاب يستعيد أحداث الأزمة بمناسبة مرور مائة عام على وعد بلفور، حيث أدرت النقاش السبت الماضي 10 فبراير/شباط في ندوة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب وفي البرنامج الرسمي للجهة المنظمة، عن كتاب صدر في ذكري مرور مائة عام على وعد بلفور باسم: "100عام على وعد بلفور: قراءة عبر الأدب والتاريخ" للشاعر والكاتب ميسرة صلاح الدين، بحضور عدد من المهتمين بالحدث والقضية.

وجاء الكتاب محاولة جريئة لتقديم السياق التاريخي للشخصية اليهودية والعوامل التي أسهمت في تشكيلها، وكذلك تقديم السياق التاريخي لظهور ونجاح مشروع الحركة الصهيونية لاحتلال يهود أوروبا لفلسطين.

وأعتقد أن أبرز نجاحات الكتاب من وجهة نظري هى التأكيد على جرأة الجيل الجديد في التصدي لمثل هذه القضايا الكبرى، وتجاوز الأوهام التي حاول البعض التأسيس لها في المشهد، عن انسحاب الجيل الجديد من القضايا الكبري والتشيؤ والانكفاء على الذات والعبثية، خاصة وأن هذا هو الكتاب الأول للمؤلف في – حسب معرفتي - في الكتابة النثرية أو الفكرية.

رأى البعض العديد من سلبيات العمل الأول في الكتاب؛ قد يكون أبرزها من وجهة نظري: عدم دقة التوثيق والاستشهاد بالفقرات دون تنصيصها بين أقواس، مما جعل الأمر يلتبس عند القارئ بين ما يورده المؤلف من استشهادات وما يسهم به من رأي، خاصة وأن الكاتب لم يوثق لأي استشهاد طوال العمل واكتفى بقائمة عامة للمراجع في نهاية الكتاب.

وعاب البعض على الكتاب الإتيان ببعض الآراء والاستشهادات دون نقدها. كما أنه في بعض المواضع وأثناء السرد التاريخي كان يكرر السرد عند تناوله من أكثر من طرف، فمثلا إذا تناول في حدث ما الموقف العربي والبريطاني واليهودي، كان يكرر الكثير من التفاصيل في كل موضع منهم.

وربما تبويب الكتاب وتوزيع أقسامه وعناوينه كان يمكن بمزيد من الجهد والتدقيق أن يكون أفضل من ذلك. كما أن بعض المفردات العبرية الواردة في الكتاب كانت في حاجة للمراجعة والضبط، وكذلك بعض الاقتباسات العبرية من العهد القديم وترجمتها، وبعض المصطلحات كانت في حاجة للتحقيق والضبط والتوثيق وربما النقد أيضا.

لكن يحسب للكاتب غير المتخصص – في الدراسات العبرية - جرأته في تناول الموضوع ذاته، وهناك بعض النقاط التي وقف عليها منها: تصريحه بأنه سيتعامل مع مادة الكتاب المقدس من الناحية الأدبية فقط، باعتبارها من المؤثرات في بناء الشخصية اليهودية.

وفي معرض حديثه تلمح الربط بين الوعد بالأرض وعدم ارتكاب المعصية من شعب الرب (اليهود). وحاول الكاتب الوقوف على التفرقة بين سمات الرب الإلهية التي ارتبطت باسم "إلوهيم" في العهد القديم، وسماته الأقرب للتصور الوثني التي ارتبطت باسم "يهوه" في العهد القديم. ووقف على ارتباط تسمية اليهود بمملكة "يهودا" بعد خروج قوم موسي (ص) من مصر وانقسام وجودهم في فلسطين إلى مملكة جنوبية (يهودا) ومملكة شمالية "إسرائيل"، لكنه لم يقف جيدا على أصل تسمية "العبريين".

وكذلك تلمح في معرض تناول الكاتب للعلاقة بين المسيحية واليهودية، المفارقة بين الصراع والنزاع التاريخي الشديد بين اليهود والمسيحية عند النشأة وفي العصور الوسطي، ثم التوظيف السياسي الذي أفرز التقارب وظهور "المسيحية الصهيونية" وشقيقاتها حديثا.

أما عند تناول الكاتب لوعد بلفور وظهور الحركة الصهيونية فيما قد يعد القسم الثاني من الكتاب، فتجد المرارة تطل عليك بشدة إذا حاولت المقاربة بين أحداث بداية القرن الماضي وما يحدث الآن من جهة إعادة إنتاجها تماما، تستطيع أن تقاوم المرارة بصعوبة وأن تقارب ما يحدث للشام وشبه الجزيرة العربية وإماراتها اليوم، وما كان يحدث آنذاك. فيتحدث الكاتب عن ثلاثة وعود بريطانية:

الأول من مكامهون المندوب السامي البريطاني في مصر لعرب الحجاز وشبه الجزيرة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي، لبناء جيش عربي موالٍ لبريطانيا في مقابل وعد بإنشاء دولة عربية مستقلة تحت قيادته.

الثاني كان وعدا لفرنسا باقتسام السيطرة والنفوذ على بلدان المنطقة العربية فيما عرف فيما بعد باتفاقية "سايكس – بيكو".

والوعد الثالث كان من بلفور وزير الخارجية البريطاني لليهود ممثلين في آل روتشيلد بدعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. حيث يخرج القارئ بالدرس المستفاد هنا، بأن القوة المهيمنة تلاعب جميع الأطراف لتظل مهيمنة، وأنه ليس كل ما يظنه البعض مصلحة له ولجماعته هو بالفعل كذلك، بل أن البعض مدفوعا بما يراه مصلحة جماعية قد يوقع الأمة في نفق طويل.

ثم يصل الكاتب لتعارض المصالح الذي نشب مع اشتداد عود الولايات المتحدة، وكيف استغلت الصهيونية الحرب العالمية الثانية لتوظف "أحداث النازي" لصالحها وقوانين "نورمبرج" الألمانية التي أبرزها الصهاينة للترويج لاضطهادهم ولاحتلال فلسطين، إلى أن صدر قرار التقسيم وحرب 1948.

إلا أن أشد الانتقادات تأتي مع آخر صفحات الكتاب؛ حين حاول المؤلف أن يستكمل ما ظن أنه حيادية أو موضوعية ما في التناول كبلتْ شكل "الخطاب" الذي قدمه في الكتاب، ليختم الكتاب بفقرة مطلقة عن الإنسانية والبعد عن التعصب أيا كان مصدره، لتنعم المنطقة بالأمن والسلام.

وهنا نقف على شكل "الخطاب" ومكوناته الذي يطرحه ميسرة صلاح الدين من حيث ضرورة حسمه لبعض النقاط، تتطلبها دراسات "التدافع الحضاري" وضرورة تفهم أنماط التاريخ ومساراته، حيث المدخلات التي جاءت بالمشروع الصهيوني كيف لها أن تُنبت تلك المخرجات الإنسانية!

نحن في حاجة لتطور الدراسات المستقبلية، وأبحاث السيناريوهات لنعرف احتمالات العلاقة مع الآخر/ الصهيوني المحتل لأرض فلسطين العربية، وكنت أتمني من الكاتب الطموح أن يختم كتابه بمناسبة مائة عام على وعد بلفور، بفصل عن سيناريوهات المستقبل وفق احتمالات الذات العربية الراهنة واحتمالات الآخر الصهيوني أيضا.

لكن تبقي رمزية ما قدمه ميسرة صلاح الدين شاهدة؛ يبقى الطموح ودخول الجيل الجديد لمجال دراسات "التدافع الحضاري" وما يهم الجماعة المصرية والعربية، بعد ما أشاعوه عن نهاية السرديات الكبري وتفكك المشاريع الجماعية والانكفاء حول الذات والتشيؤ والعدمية والاستلاب للآخر؛ وعلَ أبرز الدوافع التي أقامت كتاب ميسرة الأول وخطابه ليلم بمساحة طويلة من الزمن والأحداث، هى روح الشاعر الكلية التي تميل لاختصار العالم والإحاطة به، لكن يبقى الجهد والعرق والإصرار والمثابرة هم أبرز عومل النجاح.

تحية لميسرة صلاح الدين على محاولته الطموحة، وتحية لروح الأمل وقدرة الجيل الجديد على تحمل المسئولية، والتصدي للمستقبل، ولا تستعجلوا النبت ولا تظنوه بالهين أيضا.

 

د. حاتم الجوهري

شاعر ومترجم وناقد أكاديمي

free3ever@hotmail.com

الاسم السيد نجم
الدولة مصر

قراءة هامة لكتاب هام فى اطار بيان بعض من التاريخ المصرى والعربى على اعتبار ان القضية الفلسطينية هى قضية كل العرب.. والشباب يجب الاطلاع على تفاصيلها دوما.. السيد نجم

2018-02-13

 
د. حاتم الجوهري
 
أرشيف الكاتب
مصر وخطورة تفكيك 'الكتلة الجامعة'
2018-02-21
الجيل الجديد ودراسات التدافع الحضاري: وعد بلفور
2018-02-12
السيسي ونقطة اللاعودة: تيران وعنان
2018-02-03
الصهيونية وغواية النموذج الأندلسي: كيف رد اليهود الجميل للعرب
2018-01-06
زيدان من التشكيك إلى التبشير بالنموذج الصهيوني
2017-12-29
ما قرره الرئيس وما نفذه الوزير في القادسية والأمل
2017-12-23
فلسطين ناقوس الذات العربية وثورتها
2017-12-08
لماذا ترشح شفيق من الإمارات وقنصوة من مصر
2017-12-05
السودان ومصر، إلى أين، سيصل كل منا على حده!
2017-10-28
زيدان وعرابي: منهج نفي الواقعة لتفكيك الرواية التاريخية
2017-10-21
المزيد

 
>>