دمشق بين طهران وواشنطن: تحالف استراتيجي خير من مصالح آنية
 كم تبلغ حصة الطبقة الحاكمة من الفساد في الجزائر؟
 تزويج القصّر لم يعد 'شأنا عائليا' في السعودية
 الدول الغربية تفكر بعقوبات ردعية تسحق إيران 'المستفزة'
 بن علي يرعى ختام احتفالية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية
 هستيريا الحرب في اسرائيل: المنظمات الحقوقية طابور خامس
 الدوحة لا تفكر بمزيد من الدعم لمساعدة مصارفها
 وفاة النائب الأميركي جون مورثا المعارض بشدة غزو العراق
 الناتو يريد 'سيطرة أبدية' على معقل طالبان في هلمند
 ملالي طهران تخسر لعبة القط والفأر الالكترونية مع المعارضة

First Published 2009-11-03




عن 'الحق التاريخي' في لقب 'أمير الشعراء'

 
عبدالعظيم المغربي يؤكد شوفينيته المصرية في مناسبة ضد الشوفينية الاسرائيلية ويطالب بحذف لقب أمير الشعراء من لوحات مهرجان الجولان.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: محمد الحمامصي

يصعب على المرء أن يصدق ما جاء من اعتراض عبدالعظيم المغربي الأمين العام المساعد للمحامين العرب ومنسق مؤتمر الملتقى العربي الدولي للجولان ‮"‬الجولان عائد على‮ ‬القنيطرة المحررة" ورئيس الوفد المصري، في إحدى أمسيات المؤتمر الشعرية، على أن‮ ‬يكون هناك أمير للشعراء‮ ‬غير أحمد شوقي، عندما طالب بحذف لقب "أمير الشعراء" من إعلان الأمسية.

صعوبة التصديق تتأتى من أن شخصا جاء ليمثل مصر في مؤتمر سياسي ليس له علاقة بالشعر ومخصص لإدانة الشوفينية الاسرائيلية في التعامل مع قضايا "الحق التاريخي" في ارض الميعاد، لا يفعل أكثر من تأكيد شوفينيته المصرية الخاصة في قضية الملكية المصرية (وربما الحق التاريخي) للقب "أمير الشعراء".

هذا اللقب الذي مُنح لأحمد شوقي في عشرينيات القرن العشرين، من قبل نخبة من الشعراء العرب (بينهم أغلبية مصرية)، صار إقطاعا لا يحق للشاعر السوري الشاب حسن بعيتي أن يحمله بعد أن فاز به وصار حاملا للقب من مسابقة "أمير الشعراء" في دورتها الثالثة، متناسيا أن لجنة عربية تضم شعراء ونقادا كبار وبينهم من هو مصري، هي من منحت اللقب. فهل يقل الدكتور صلاح فضل مثلا مستوى عمن منح احمد شوقي اللقب في العشرينات؟ لا أظن.

للأسف ما يزال "المحامي" المغربي يفكر بعقلية كهنة المعابد.

فهو يدافع عن لقب موروث، والإرث لا يخصه وحده، بل يشاركه فيه كل أبناء الأقطار العربية التي منحت اللقب لأحمد شوقي.

ثم أين أنت يا سيدي المحامي وقد تمثلت نفسك في موقف الدفاع عن إرث الأمة المصرية، أين أنت من حال الشعر في مصر. لو أن شوقي على قيد الحياة لقرر أن يعدم 90% من الكتب التي تحمل على غلافها عبارة "ديوان شعري"، ولقرر أن يقود ثورة يهدم فيها أقسام اللغة العربية والآداب في الجامعات المصرية، المغيبة عن عمد تارة وجهل تارة أخرى عما يجري في الحركة الشعرية.

هذه الأقسام التي لا تزال تدرّس الشعر الجاهلي ولا تعرف شيئا عن حال الشعر الآن، ولقرر أيضا أن يقود ثورة ضد ترسيخ الجهل والأمية الثقافية في المجتمع المصري، هذا المجتمع الغائب المغيب قسرا عن تجارب أبنائه من الشعراء والكتاب، والذين يتم تحجيم رؤاهم وأفكارهم وتجديداتهم لصالح أن تظل أنت تعيش فقط على إرث "لقب أمير الشعراء" دون أن تملك غيره، ولكي تأتي أنت وتدافع عن مجرد إرث لم تعد تملكه، إرث منحه لك الآخرون معنويا في لحظة تاريخية ذهبت بلا عودة.

إنني أخجل من هذا الحال الذي وصلنا إليه.

ما أسهل أن نتجرأ على الآخرين، لمجرد أننا "كنا" ذات يوم. كنا ثم صرنا ألقابا لا تسمن ولا تغني من جوع وفاقة وجهل. ايها المغربي لماذا لا تدعو لتحرر الشعر والشعراء في مصر من قبضة "شعراء للأبد" التي تمسك ببوابة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، والتي منحتها لهم الدولة لكي يجهزون على التجربة الشعرية المصرية الشابة ويطفئون بريقها.

إنني حقا مندهش من هذا التمسك الأعمى بالألقاب وكأنها ألقاب إلهية. إن لقب أمير المؤمنين وهو الأرفع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يحتكره الخلفاء الراشدون بل ظل ينتقل ويتغير ويتطور من عصر لعصر، ومن شخص لشخص.

إن الفرعون الإله، بل الفراعنة الآلهة كلهم الذين حملوا من الألقاب ما تنوء به الإنسانية جمعاء، لم يبق منهم أكثر من تماثيل ومومياوات يلتقط إلى جانبها السياح الصور التذكارية. ولما نذهب بعيدا: أين الزعيم الخالد، والرئيس المؤمن، والقائد الخالد، هذه الألقاب التي حملها رؤساء عرب، أين هي؟ ألم تذهب لمن جاء بعدهم؟

لعل السيد المغربي يذكر ـ حتى وإن لم يذكر فالأمر على سبيل المثال ـ أن الممثلتين القديرتين اللتين تعدان من رائدات المسرح المصري والعربي فاطمة رشدي وفردوس حسن حملتا لقب "سارة برنارد الشرق" وذلك في ثلاثينيات القرن العشرين، ولم تعترض فرنسا أو الإمبراطورية الفرنسية وقتها على حصول ممثلتين شرقيتين، بلدهما ما يزال يحبو في التعرف على المسرح، على اسم ممثلتها "سارة برنارد" التي اشتهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وعرفت بملكة المسرح المأساوي (التراجيديا) الفرنسي و"سارة الإلهية".

أيضا أين لقب "سندريلا الشاشة" الذي حازت عليه الرائعة سعاد حسني، ألم يذهب بعدها لكل فنانات الاستعراض في الفوازير والمسلسلات والأفلام منذ الثمانينات، ثم عندما استنفذ غرضه ذهب ولم يعد.

لقد كاد لقب "أمير الشعراء" أن يذهب إلى مدافن التاريخ، لولا أن قيضت له مسابقة حملته، فأعادته للوجود، أعادته بثوب مختلف وروح مختلفة، ثوب المستقبل وروح الشباب النضر، فهل كان يفضل المغربي أن يموت اللقب وما يحمله من معنى جمالي رفيع وراق، معنى الشعر، وليس معنى الشاعر.

محمد الحمامصي

كاتب وشاعر مصري


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى