تويوتا تخذل زبائنها أم تكسب ثقتهم؟
 البشير: طوينا نهائياً صفحة المشاكل مع تشاد
 تزويج القصّر لم يعد 'شأنا عائليا' في السعودية
 كم تبلغ حصة الطبقة الحاكمة من الفساد في الجزائر؟
 الدول الغربية تفكر بعقوبات ردعية تسحق إيران 'المستفزة'
 'السيدة البرتقالية' تفجر أزمة انتخابية مع 'رجل موسكو في كييف'
 بن علي يرعى ختام احتفالية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية
 هستيريا الحرب في اسرائيل: المنظمات الحقوقية طابور خامس
 الدوحة لا تفكر بمزيد من الدعم لمساعدة مصارفها
 وفاة النائب الأميركي جون مورثا المعارض بشدة غزو العراق

First Published 2009-11-20

المواطن الليبي مخلوف يعبر الجسر قبل وصوله!

 
بقلم: د. مصطفى الفيتوري

في ليبيا يتم تخريج مهندسين لسكك حديد غير موجودة، وقرارات تتخذ بالهتاف وتقاس شعبيتها بشدة الصراخ، ويستبق السائق الاشارة الخضراء لانه يعرف انها قادمة لا محالة، وتنصب سرادق العزاء قبل وفاة المعني.

ميدل ايست اونلاين
لا يمكن أن تعبر الجسر قبل وصوله الا في حالتين: الأولى ان تكون مواطنا ليبيا من مواطني الجماهيرية وخاصة أن كنت تنتمي إلى سلالة مسئوليها، والثانية ان تكون من المخلوقات الخرافية أقرب إلى الغولة منك إلى البشر!

والقصة لا غرابة فيها أبدا بل هي واقع حي من مظاهره مثلا إزالة سوق الثلاثاء (أحد أعمدة اقتصاد المدينة) وما فيه من مئات الورش والمحال في ليلة بلا "فتيلة" ومحوه من الوجود لكي "يصبح كل الليبيين شركاء في الجنة" التي ستقام على أطلاله، كما قال من أمر بإزالته، وهكذا تحققت شراكة الليبيين ليعبروا من الفقر إلى البحبوحة وهم قاعدين ولم يبرحوا أماكنهم!

ومن مظاهر عبور الجسر قبل وصوله أيضا هو تأهيل عشرات الطلبة في بريطانيا في ثمانينات القرن الماضي ليكونوا سائقي قطارات ومهندسي سكك حديدية وقد تم فعلا تخريج مجموعة منهم من أفضل جامعات بريطانيا إلا أن القطار لم يصل إلى اليوم في حين تحول أكثر من نصف أولئك الخريجين إلى التقاعد ولم يروا قطارا واحدا الا الذي سيرته "شركة الطرق الحديدية" (من أين أتوا بهذا الاسم) على عجلات وليس على قطبان حديدية أو طرق حديدية كما تتبجح نشرتنا الإخبارية على لسان احد مذيعيها النجباء جدا! أليس هذا عبورا قبل الوصول؟

إلا أن أكبر واهم مظاهر عبور الجسر قبل وصوله هو الهتاف! نعم الهتاف! الهتاف في المسيرات مثلا! والأكثر هو الهتاف في المؤتمرات والاجتماعات الرسمية وكثيرا ما كان الهتاف هو موافقة فوضوية على ما تم طرحه من قبيل مثلا القول في مسيرة " فلسطين عربية" دون أن ندري ما معنى ذلك وما هي تبعاته. والهتاف في المؤتمرات الرسمية وخاصة في مؤتمر الشعب العام غالبا ما يعني بلوغ ذروة صياغة وحياكة القرار أو القانون سبب الهتاف و موضوعهّ! ولم يسبق أن سجل التاريخ أن شعبا يعتمد قوانينه بالهتاف إلا نحن! وفي أغلب الأحوال يحدث الهتاف عند نقطة معينة في الصياغة او الخطبة المتعلقة بقرار ما، ويتم اعتبار الهتاف مع مراعاة حدته وعلو نبرته وطول المدة التي يستغرقها يعتبر ذلك أجماع: أما إذا انخفضت حدة الهتاف أو وقع في نقطة من تلاوة القرار او صياغته غير النقطة المتوقعة أو أن الهتاف لم يعمر طويلا أو انه أتسم بالتباين: أي انه لم يتم ترديد نفس الكلمات فيه فيتم اعتباره بعني عدم الموافقة وهنا يضطر من يسير الجلسة إلى رفعها في أغلب الأحوال ليتم اللقاء فيما بعد وتكون أغلبية الحضور قد نسيت الأمر مما يسهل مروره او يسهل إعادة "طبخه". وغالبا ما يحدث هذا في قرارات وقوانين بالغة الحساسية والأهمية، وان فشل أمر "الطبخ" هذا لا نعود نسمع عن أعادة طرح القرار في أي جلسة بل نٌفأجأ به ساري المفعول وغالبا ابتداء من صباح باكر في أحد الأيام!

هذا طبعا عبور للجسر قبل بلوغه. بل أن الجسر لا يزال بعيدا و لا يمكن ان نراه بالعين المجردة في حين أننا عبرناه وبعضنا يكون قد سبقنا فعبر وأقام و"بحبح" في الضفة الأخرى ولا يذكر حتى انه مر على جسر! لأنه ليبي طبعا!

وأبناء بلدي يمتلكون حواس أضافية غير الحواس الخمسة المعروفة لدى البشر العاديين تمكنهم من عبور الجسور قبل بلوغها، فهم في الطرق مثلا يعرفون بالضبط متى سيتغير لون الإشارة الضوئية ولذلك يعبرون الطريق في أي اتجاه كان قبل أن يحدث التغير، وإذا ما تأخرت الإشارة فالخلل في الإشارة وليس فيهم!

وفي النواحي الرسمية نحن بارعون في عبور الجسور قبل ان نراها خاصة في القرارات المصيرية. فمثلا تمت إحالة المئات بل الألوف من قطاع التعليم إلى قطاع الأمن العام دون ان يتم تحديد مهامهم او أعمالهم ودون ان يتم تأهيلهم، ولقد وجدت في مدرسة قريبة من بيتي أستاذا لا يعمل أستاذا بل يعمل كموظف في الأمن العام بلا وظيفة: أي لا عمل له في المدرسة! طبعا الذي أصدر القرار أعتبر أن ما سيحدث لهؤلاء شأن بسيط والمناقشة الآن على تنفيذ القرار وليس على صحته من عدمها. أي ان صدوره أنتهى وليس محل جدل، وتم عبور البرزخ وكافة الجسور التي اعترضته مع ان الكثيرين قد وقعوا في ذلك البرزخ ولم يخرجوا منه وبعضهم لا يزالون فوق الجسر ولم يعبروا!

وظاهرة عبور الجسور قبل وصولها امتياز ليبي خاصة على المستوى الرسمي وتمتد لتشمل المستوى الإجتماعي فخيام العزاء تُقام في الشوارع قبل ان يموت من نٌصبت له وكذلك خيام الأفراح يتم نصبها وأقامة الأفراح فيها قبل أن يتم تحديد من هي العروس! ويحدث أن يجتمع المواطن مخلوف وبقية الجيران، وكل ليلة، في بيت من يحتضر منتظرين موته! ومازحني منذ أسبوع صديق حين سألته عن سبب غيابه فقال "كنت في بيت قريب لنا ننتظر موته!"

إلا ان اكبر محاولات عبور الجسور قبل بلوغها ليبياً هي الفراسة: ليست الفراسة التي عرفناها عبر التاريخ ولكن الفراسة الليبية ان صح القول. فالمواطن الليبي الطيب مخلوف عندما يتحدث اليك، خاصة أن أراد سؤالك، فهو يستبق ما تريد قوله ويحاول جاهدا ان يقرأ أفكارك قبل أن تنطق حتى لو تبين له فيما بعد انك لا تفهم العربية، وأنك لست ليبيا أصلا! ولهذا السبب يعتبر المواطن مخلوف أن ما قاله هو، وهو يقاطعك، هو ما قلته انت ويعتبره مسئوليتك: أبسط مثال حاول ان تشرح لأي مواطن، مخلوف أو غيره، كيف يصل إلى منطقة السراج: ستجده وفور أن تتكلم يلتقط الخيط منك ويبدأ في تفصيل الإتجاه حتى السراج، تم يعود ويسألك عن نقطة معينة في الطريق أنت لم تذكرها بل ذكرها هو وأعتبرك انت من قالها وليس هو!

الخروج من هكذا مأزق يتم غالب بأن يعتبرك المواطن مخلوف لا تعرف البلد ولم تسمع بأسم السراج من قبل! أليس المواطن مخلوف مواطنا ليبياً!

د. مصطفى الفيتوري

رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، الجماهيرية

mustafafetouri@hotmail.com


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى