تويوتا تخذل زبائنها أم تكسب ثقتهم؟
 البشير: طوينا نهائياً صفحة المشاكل مع تشاد
 تزويج القصّر لم يعد 'شأنا عائليا' في السعودية
 كم تبلغ حصة الطبقة الحاكمة من الفساد في الجزائر؟
 الدول الغربية تفكر بعقوبات ردعية تسحق إيران 'المستفزة'
 'السيدة البرتقالية' تفجر أزمة انتخابية مع 'رجل موسكو في كييف'
 بن علي يرعى ختام احتفالية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية
 هستيريا الحرب في اسرائيل: المنظمات الحقوقية طابور خامس
 الدوحة لا تفكر بمزيد من الدعم لمساعدة مصارفها
 وفاة النائب الأميركي جون مورثا المعارض بشدة غزو العراق

First Published 2009-11-20

عفواً مستغانمي.. ليس على حسابنا

 
بقلم: د. حنان فاروق

تعاتب الكاتبة الجزائرية الاشهر الرئيس المصري مبارك لعدم تحركه للتربيت على كتف المنتخب الجزائري الزائر، ولكن هل تقول لنا لماذا لم يفعل الرئيس بوتفليقة هذا الشيء قبله؟

ميدل ايست اونلاين
كنت أتصفح الإنترنت كعادتي اليومية وإذ بي أمام مقال بالفعل يستحق القراءة لسيدة لقبها البعض بـ "صاحبة الجلالة ملكة الرواية" وهي أحلام مستغانمي.

شدني موضوع المقال لا لاسم صاحبته الذي له صولاته وجولاته ذات الطابع الخاص في الكتابة لكن لموضوعه الذي لم يكن يخطر لي منها على بال رغم أنه موضوع الساعة. ولعلي تحتويني دائماً القناعة بأن المثقفين والأدباء من أصحاب الاقلام الحرة هم جزء لا يتجزأ من مجتمعهم وأن كل حدث يدب على أرض واقعهم ويومياتهم يجب أن يكونوا منه وفيه. ففي النهاية نحن أبناء الأرض التي تدب أقدامنا عليها وطالما نحن من رحمها فيجب أن نكون على مستوى الأخوة التي كتبت علينا وما ابتدعناها..

مقال مستغانمي كان ينبض بالشكر- أو هكذا أردتُه حقناً للصبر- لكل ما قدمته مصر وتقدمه للجزائر من أول ثورتها وتحررها وحتى احتضان فنانيها ومبدعيها من ميلاد إبداعهم وحتى بلوغهم قممه (مثل الفنانة الجميلة وردة الجزائرية).. يشهد على ذلك تحول لهجة خطابهم اليومية إلى المصرية الصرفة وزواجهم أحياناً من أبناء مصر حتى نسى المصريون أنفسهم أنهم ليسوا من أبناء أرضهم. فالمصريون قلوب تمشي على الأرض تعشق من يحبها.. وأحياناً من يتظاهر بحبها.. وتنسى الإساءة بسرعة الضوء إذا ما لمست مشاعرها وحافظت على كرامتها تماماً كما وصفت السيدة مستغانمي شعبها الجزائري الذي أرهقته إهانة حجر صغير قذف به فحطم زجاج الحافلة التي تقله على الرغم من أن الأفلام المصورة والتي تم بثها عبر الفضائيات أظهرت عكس ذلك وبينت أن الحافلة تحطمت من الداخل على يد أعضاء المنتخب الجزائري أنفسهم. والصورة أختنا الكريمة لا تكذب.

ثم أن حوادث الحوافل تلك ليست بجديدة فقد حدثت قبلاً في عنابة عندما تحطمت حافلة المنتخب المصري على يد الجمهور الجزائري ولم نحرض على ذبح الشعب الجزائري بمصر أو سحب استثمارات رجال الأعمال المصريين بالجزائر مثلاً والتي تضخمت الآن ووصلت إلى مليارات ومؤسسات تخدم الجزائر ومصر معاً.. ربما بالفعل حدث تعد ما نتج عن تلك الروح العدائية التي بدأها الإعلام الجزائري فاستفز الإعلام المصري المستفز أصلاً نتيجة لخبرته الطويلة بما يحدث كلما قامت مباراة بين مصر والجزائر. وليس ماحدث عام 1989 فى تصفيات التأهيل لمونديال 1990 منا ببعيد حين فاز المنتخب المصري على المنتخب الجزائري واستفحل غضب المنتخب الجزائري الذي أدى إلى فقأ عين طبيب مصري على يد نجم منتخب الجزائر الأخضر بللومي عقب المباراة مباشرة بعد أن قذفه بحجر أو ما شابه كان الأجدر به أن يقذف في وجه الصهاينة الذين لم يجدوا لحجارتهم الغاضبة إلا الأطفال أبطال الحجارة.. وتصرف الطبيب بشكل حضاري فقدم شكوى أعقبها صدور حكم قضائي بمعاقبة اللاعب الشهير بالسجن لم يعف منه إلا عندما تنازل الطبيب المصري عن حقه وتمت التسوية ولم يعاقب المخطئ إكراماً لأخوة الشعبين الشقيقين.

أما عن حفلات حرق الأعلام والتي كنت أعتقد أنها لا تتم إلا على شرف علم الكيان الصهيوني حيث يكون هو بطل الحفل فقد بدأها أيضاً وله السبق جمهور الكرة الجزائري ونظراً - كما أسلفت - لأن شعب مصر يعاني تماماً الذي يعانيه شعب الجزائر من كرامته التي لا يقبل عليها الإهانة فقد غضب ورد الإهانة.. ربما من وجهة نظري ومن منطلق أننا – كما أسلفت السيدة مستغانمي - لنا أياد بيضاء على الجزائر لا نعيرها ولا أهلها بها بل نذكرها على سبيل القيام بمحاولة إنعاش للقلب العربي الذي توقف نبضه بسبب عصبية جنونية وجهت سهمها لصدر الأخوة فأصابته في مقتل.

لم يكن علينا أن نفعل ما فعلناه وأن نتحول من كرماء إلى منتقمين لكن دعونا لا ننسى أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه وعلى خط عمل واحد كما أخبرنا نيوتن. وماذا تنتظر من جمهور تعمد خصمه إهانته؟

ولعلي أخذت بمعاتبة مستغانمي الراقية للرئيس مبارك لأنه لم يزر المنتخب الجزائري وهو ضيف على بلاده فقد كان هذا من شأنه أن يلقي ماء المحبة على نار التعصب فيطفئها بإذن الله.. فقط لو سبقه الرئيس بوتفليقة عندما كان المنتخب المصري فى الجزائر ومد مأدبة كرمه على ضيفه لما غفل الرئيس المصري عن رد الجميل.

ولو كنت من مستغانمي لما ترددت أن أرقق قلب أهلي قبل أن أؤجج غضبهم وأشعل وجعهم بوقود أظن أنها لم تقصد إشعاله.. بل ولجمعت المثقفين الجزائريين أصحاب الأقلام البصيرة وقدت أرقى محاولة لرأب الصدع ووصل ما انقطع من نسيج الأخوة القديمة والتاريخ المشترك..فأجمل من الوقوف تحت بؤرة الضوء أن نكون مصدره ومنبعه.

أخيراً.. أحببت كثيراً حرص السيدة مستغانمي والإعلامية الشهيرة خديجة بن قنة على حضور المباراة وتشجيع فريق بلدهما رغم أنهما ليستا من أهل الكرة لكن الانتماء دائماً فوق كل شيء.. ولعلنا نتعلم دائماً التمسك الحضاري بانتماءاتنا من مثقفينا.. لكني أتساءل هل يدخل في هذا الانتماء أحداث ما بعد انتصار فريقها منتخب الجزائر الشقيق والذي أرسى للمرة الأولى قاعدة غير مسبوقة وهي فتك جمهور الفريق الفائز بجمهور أخيه الذي لم يفز؟

في النهاية.. لم أكتب لأرسي قواعد التعصب ويعلم الله أني ليس لي في المدعوة "كرة القدم" ناقة ولا جمل.. لكني فقط أحببت أن أؤكد على كلمات السيدة مستغانمي البليغة:

"لكأنّ سدًّا عاليًا انهار وتدفقت كميات هائلة من المياه لتجرف في طريقها كل جزائري وكل مصري إلى الجنون. يوم كانت لنا قضايا كبرى نهتف بها ونموت من أجلها وكانت لنا سواعد تصنع نصرنا كانت الكرة مجرد طابة تتقاذفها الأقدام. اليوم نحن نضخم الأشياء الصغيرة بعد أن صغر ما كان كبيرًا في حياتنا."

يبدو أننا سيدة مستغانمي بالفعل بحاجة إلى مراجعة أنفسنا وإلى إيمان حقيقي بقضية - وما أكثر قضايانا- يعيدنا إلى وعينا الذي التهمته غيبوبة الحمق والجنون.

د. حنان فاروق

طبيبة وكاتبة مصرية مقيمة بالمملكة العربية السعودية

***

مقال احلام مستغانمي

هذه المباراة ستنتهي بعد ساعات لكن الأحقاد ستبقى دفينة لأجيال. شياطين الفتنة والعفاريت التي خرجت من الفانوس السحري للكرة... سيصعب ردّها.. حيث كانت. لقد أصبحت بعدد سكان الجزائر ومصر. مئة وثلاثون مليون عربي خرجوا عن طورهم.. لكأنّ سدًّا عاليًا انهار وتدفقت كميات هائلة من المياه لتجرف في طريقها كل جزائري وكل مصري إلى الجنون. يوم كانت لنا قضايا كبرى نهتف بها ونموت من أجلها وكانت لنا سواعد تصنع نصرنا كانت الكرة مجرد طابة تتقاذفها الأقدام. اليوم نحن نضخم الأشياء الصغيرة بعد أن صغر ما كان كبيرًا في حياتنا.

أفواج بشرية في كلّ مدن وشوارع البلدين لا مطلب لها إلاّ هزيمة الآخر وإهانته. ربما احتجنا إلى جيش من علماء اجتماع لفهم مكمن هذا الحقد الدفين الذي يحمله كلّ عربي لعربي آخر. على الرغم من إيماننا جميعًا بالعروبة وحبّنا لبعضنا البعض. شخصيًّا لا أحتاج إلى شهادتي في علم الإجتماع لأشرح لك سبب غليان الشارع الجزائري. سأتكلم كجزائرية وأقول أن الجزائري بإمكانه أن يتساهل في كلّ شيء إلا الإهانة والتي يسميها عندنا "الحقرة..." وبسبب كلمة "راهم حقرونا..." أيّ إنّهم أهانوننا التي قالها الرئيس بن بلة متحدثا عن الشعب المغربي الشقيق دخلنا غداة استقلالنا ودماؤنا لم تجف بعد في حرب مع إخواننا المغاربة.

بسبب هذه الكلمة قامت انتفاضة 88 وإحتل آلاف الشباب الشوارع رافضين ما يعتبرونه احتقار واستخفاف الدولة بهم وتجاهلها إيّاهم. أنا امرأة قوميّة وعروبيّة وعربيّة وما كنت لأنحاز إلى الجزائر لو كانت ظالمة. فالأناشيد التي تعلمتها في الابتدائية كانت "وطني حبيبي وطني الأكبر" التي يمتدح فيها كلّ مطرب مصري بلدًا عربيًّا، إحداها الجزائر. و"أمجاد يا عرب أمجاد" التي كنّا نحفظها كما يحفظ شباب مصر اليوم أغاني روبي وشيرين.

ولو أن هذه المقابلة الرياضيّة دارت في زمن عبد الناصر لرفع كلّ شعب أعلام الشعب الآخر. ولأهدى كلّ فريق نصره للفريق الثاني. ولكن زمن القوميّة ولّى والمؤامرة أكبر من أن نعيها لأنّنا داخلها.. ولأنّنا وقودها وبإمكان اسرائيل أن تتفرّج الآن علينا.. وقد غدونا العدو البديل لبعضنا البعض.

ما لم يتقبّله الجزائريون أن يُستقبل لاعبونا لا بأدب الضيافة العربية التي تجمعنا بل بالحجارة التي كنّا نظنها لا تستعمل إلا في فلسطين. والحجارة هنا لم تكن للرشق بل للقتل.. بحكم وزنها فقد اخترقت الزجاج المصفح وهشّمته لتستقر في رأس لاعبينا الذين شاركوا في المباراة مضمّدي الرؤوس.. وبدل الإعتذار خرج لنا المصريون بسيناريو رسمي يليق بفيلم مصري. بعد أن شهد شاهد من أهلها. هو سائق الباص بأنّ اللاعبين تعمّدوا الحاق الأذى بأنفسهم!

الصدمة الأخرى للشعب الجزائري كانت ما تناقلته الصحافة عن إهانة بعض المصريين لعلم الجزائر والتصفير والهتاف الذي رافق إذاعة النشيد الوطني الجزائري قبل المباراة مما استدعى احتجاجًا من سفيرنا فهذه رموز مقدسة لا يمكن المساس بها، فعلمنا لم نخطه بأيدينا بل خاطه التاريخ بدمنا. مع الملاحظة أنّ أناشيدنا الوطنية كانت تصدح أيّام حرب التحرير من صوت العرب التي كانت تبث من القاهرة. وتربّينا على سماعها.

أما العائدون من مصر.. فشهاداتهم المؤثّرة وما كابدوا من معانات وإهانات يمكن متابعتها على الانترنت واليوتيوب بالصور.

إنّ الشعب الجزائري عكس مظهره العنيف شعب عاطفيّ وضعيف أمام المحبّة فوحدها المشاعر النبيلة تروّضه وتحوله إلى طفل. كان يكفي التفاتة طيبة واحدة من الجهات الرسميّة في مصر لفكّ فتيل هذه القنبلة التي انفجرت بين شعبين. فالرئيس مبارك كان بإمكانه نظرًا لخطورة الموقف أن يرتجل التفاتة وجدانيّة ذات بعد سياسي تجاه الفريق الجزائري ويتمنّى له إقامة طيبة بين إخوانه. فتهدأ حينها النفوس وتصمت الفضائيات التي تفرّغت لشتمنا على مدار الليل والنهار ومعايرتنا بأنّ مصر من علّمتنا العربية وكأنّنا غداة الاستقلال كنّا من الهنود الحمر... ولم تكن لنا مدارس دينيّة وجمعية العلماء الشهيرة التي أصدرت على أيّام الاستعمار ما يفوق الأربعين صحيفة عربية.

كان يمكن أيضًا لإحدى الصحف أن تبادر بتقديم وردة لكلّ لاعب جزائريّ بدل شنّ حملة على المطربة وردة بسبب مناصرتها الفريق الجزائري. ففي النهاية "كلّنا وردة"..

في هذه الأجواء قرّرنا أنا والإعلامية الجزائرية خديجة بن قنة السفر إلى الخرطوم لمناصرة فريقنا الوطني. تصوّري أنا التي ما كنت معنية يومًا بالكرة ، ولا أغادر بيتي الجبلي في لبنان إلاّ نادرًا وجدتُني جاهزة أن أذهب إلى المريخ (اسم الملعب الذي ستقام عليه المباراة في السودان) لرفع علم الجزائر.


طباعة شاملةطباعة مبسطة


اعلى