يطرح الباحث التونسي د. محمد الكحلاوي سؤالا إشكاليا يعبر عن موضوع شائك ومعقد للغاية، وهو كيف نحاور الغرب ثقافيا وإعلاميا؟ خاصة في عصر ثورة الاتصال وتنوع وسائل الميديا، حيث تصبح مهمة الحوار والتواصل عبر هذه الحوامل الجديدة أعقد مما قبل.
ويرى الكحلاوي أن ضرورة الحوار تأكدت في عالم اليوم الذي غدا قرية واحدة بموجب الثورة الاتصالية والتطور المذهل لتكنولوجيات المعلوماتية، وما وفرته من انفتاح وتواصل مستمر بين سائر الأمم والشعوب. فلم يعد أي فرد خارج دائرة الاتصال أو يحيا بمعزل عن ذلك، وأمست "العولمة" رغم تباين المواقف منها، نسقا ينتظم المعيش اليومي لكل فرد، ولكل مجتمع. وتُطرح في هذا السياق مسألة "الهوية" أو الخصوصية التي قد تأتي عليها "العولمة" وتذيبها في الكل.
ويقر الباحث أن ضرورة الحوار راهنا تتأتى من وجوب تحديد طبيعة العلاقة مع الآخر وتحديد معالم الصورة التي يحملها عنا وتصحيحها إن لزم الأمر، وصياغة آليات محددة في التواصل معه، ذلك أن ثقافة (النحن) في خصوصيتها وبنيتها العميقة التي تتجلى في "الهوية"، والشخصية الحضارية تفرض علينا إبجاد خطاب معرفي، يتجلى في نسق ثقافي أو نظام اتصالي يترجم إلى رسالة إعلامية لتتحدد من خلال هذا وذاك آليات الحوار الثقافي والإعلامي مع الغرب في أشكاله ومظاهره المختلفة.
ولاشك أن الحوار الثقافي والإعلامي مع الغرب يحيل بالضرورة إلى الحوار الحضاري وحوار الأفكار وحوار الأديان، إنه خطاب (إنية) جماعية هدفها التواصل مع آخر (غيرية) دون تصادم أو تنافر، ودون انصهار يفقد تلك (الإنية) ما هو مقوم أساسي لكيانها ووجودها، بل قد يساعد على معرفة الذات الجماعية أكثر، إذ تدرك هذه الذات ماهيتها من خلال الآخر، عندما يكون لها كالمرآة الناصعة التي تعكس الصورة على تحقيقها.
وعلى ذلك ينقسم كتاب "الحوار مع الغرب .. الآليات والآفاق" للباحث د. محمد الكحلاوي الفائز بالمركز الأول بجائزة دبي الثقافية في دورتها السادسة 2008 ـ 2009 (فرع الحوار مع الغرب) إلى قسمين، بحث القسم الأول عن مفهوم الحوار مع الغرب: الحاجة والآليات، بينما بحث القسم الثاني عن الحوار مع الغرب: تجلياته وإشكالياته.
في القسم الأول تحدث الباحث عن الحاجة إلى الحوار ضمن عدة نقاط منها: الحوار راهنا: الحاجة والضرورة، ومعنى الحوار: الدلالة الاصطلاحية والأبعاد المعرفية، وصولا إلى الحوار في الإسلام (الاحترام المتبادل، والإنصاف والعدل، ونبذ التعصب والكراهية)، ثم التسامح الديني والحوار، محددا آليات الحوار مع الغرب في مجال الثقافة والإعلام، ومن أهم هذه الآليات: المعرفة، والتفاعل الخلاق أو التثاقف، والاحترام المتبادل والاعتراف بالتعددية وحق الاختلاف، وهنا تبزر تجليات قيم الحوار في الثقافة العربية، حيث تجمع الدراسات المختصة على أن (الآخر) مثَّل أمام الفكر العربي الإسلامي ومنذ القرن الأول للهجرة، المختلف كحقيقة واقعة، الإقرار بها أمر لازم.
وتبرز إشكالية الهوية والحوار في ظل العولمة، حيث يبدأ الباحث في تعريف الهوية، شارحا معناها باعتبارها علامة تميز حضاري، فالهوية هي ما يتحدد من خلاله تعريف كل شخص أو كل مجتمع أو كل حضارة، وهي بالتالي جملة من المكونات "تدخل فيما يمكن تسميته بوضع الشخص في ثقافة معينة ومجتمع معين" فهي إذن هوية المجتمع المنسحبة على أفراده وهي المحصلة لمجموعة الخصائص المميزة للشخصية الاجتماعية، تلك الشخصية التي تستمد خصوصيتها من تفاعلها مع محيطها الطبيعي والبشري وتجربتها التاريخية ورصيدها الثقافي والحضاري ووعيها بقضايا الحاضر ورؤيتها لآفاق المستقبل.
ونخلص من تعريف الهوية ومعناها إلى أن الهوية في التاريخ مرآة الذات وقاعدة الاختلاف، وأن التحديث والهوية يعدان آفاقا أخرى للحوار، وعند هذه النقطة يسلمنا القسم الأول إلى القسم الثاني الذي بحث في تجليات الحوار مع الغرب وإشكالياته مركزا على الحوار الثقافي والإعلامي، بادئا بحوار الأديان، ثم حوار الحضارات والثقافات، فالحوار الإعلامي وقضايا التواصل، مشيرا إلى ثورة المعلوماتية وأثرها في المجتمعات المعاصرة، والخطاب الإعلامي ومشاغل النخبة المثقفة، وإشكالية رسالة الإعلام في زمن العولمة.
ويختتم محمد الكحلاوي بحثه "الحوار مع الغرب: الآليات والآفاق" الذي جاء في 198 صفحة، برهانات الحوار مع الغرب وآفاقه، كاشفا عن الصورة المطابقة ومآزق الخطاب الإعلامي، حيث يشير أحد الاستبيانات حول الصورة الذهنية التي تكونت لدى مستقبلي الرسالة الإعلامية عن الوطن العربي، ضمن فعالية الإعلام العربي المشترك في الولايات المتحدة الأميركية، بأن 77% منشغلون بالصراع العربي الإسرائيلي، و7.8 % منشغلون بالحوار مع الغرب، ومثلهم منشغلون بالحوار مع الشرق.
فيما تعرضت بقية نقاط البحث إلى نقد ومراجعة الحوار الثقافي في مواجهة "نهاية التاريخ، و"صدام الحضارات"، وخطاب النخبة وقضايا الحوار بين مشكلة "الصورة" وآفاق التوافق، مختتما بأن الحوار الثقافي والإعلامي مع الغرب (الآخر) أمسى ضرورة ومطلبا لازما لزوم وجوب بحسب عبارة المناطقة، وأنه مشروط بالمعرفة وسعة الاطلاع ودقة الفهم، بل أنه غدا حتمية تاريخية وضرورة انطولوجية لوجود (النحن) وتأكيد الهوية في التاريخ.
أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية