«دولة».. للبيع!

قراءات مقالات عدة قدمت للواقع الاقتصادي الذي يمكن أن يستجد في حال تم إنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ وقراءات أخرى في حال احتدم هذا الصراع وتعددت جبهات مقاومة الاحتلال في الميدان والسياسة.

وتختلف الأرقام صعودا وهبوطا مع تعدد السيناريوهات التي يفترضها القائمون على كل دراسة من هذه الدراسات. ويبقى الأساس المحدد لكل من هذه السيناريوهات هو الخيار السياسي الذي يتجه نحوه طرفا الصراع معا.. أو كل منهما على حدة عبر خياره الخاص.

مرَّد هذا الحديث هو صدور دراسة اقتصادية محكمة عن معهد «راند» مؤخرا يرصد فيها ما يمكن أن يجنيه كل من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في حال تم تطبيق «حل الدولتين». والدراسة وافية وتفصيلية وتقع في كتاب من 278 صفحة من القطع المتوسط ومرفقة بالجداول والخرائط.

بعض المحللين قرأ في هذه الدراسة «مناشدة اقتصادية» لإسرائيل ولفت انتباهها إلى ما ستجنيه ماليا واقتصاديا في حال مضت في هذا الحل حتى نهاياته - وبالتأكيد حسب ما هو مطروح في عملية التسوية على يد «الراعي» الأميركي.. وبعض المحللين رأى فيها «جزرة» مقدمة للاحتلال والتي ربما يسيل لعابه ويتجاوز ما صرح به علنا رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو رفضا لحل الدولتين.. ثم تراجع عنه في تصريح لاحق لم يقنع الأميركيين.. وغيرهم..

عند الحديث في التفاصيل المتوقعة، اقتصاديا، تشير الدراسة بوضوح إلى أن دخل الفرد الفلسطيني سيرتفع خلال عشر سنوات. وهذا يعني أن الناتج المحلي سيرتفع في الأساس. وتلاحظ الدراسة في الوقت نفسه أن الاحتلال - إن زال وفق حل الدولتين - سيكسب صاحبه ثلاثة أضعاف ما يمكن أن يكسبه الفلسطينيون - الذين تضرروا من وقوع الاحتلال - جراء تطبيق الحل المذكور.

طبعا، لم تنس الدراسة ذكر بعض التكاليف الإسرائيلية جراء التطبيق، منها أكلاف «توطين» 100 ألف مستوطن في إسرائيل وهم كما يتضح سكان المستوطنات المعزولة في الضفة الفلسطينية. ماذا عن الباقين (أكثر من 450 ألفا). لا إجابة مباشرة على اعتبار أن هذه الدراسة ذات بعد اقتصادي، لكنها تشير في مقدمتها إلى مبدأ تبادل الأراضي وفق الخطاب الأميركي حول التسوية؛ أي أن معظم بنية الاستيطان بمن فيهم المستوطنون سينضمون إلى إسرائيل بما هي عليه من جغرافيا بما تحوي من ثروات الضفة الفلسطينية وخيراتها.

الدراسة لم تلق تفاعلا اسرائيليا، وكتب عنها عدد من المحللين فقللوا من تأثيرها على القرار الإسرائيلي. ورأى أحدهم أن التفاؤل الذي تحمله سيتكسر على أرض الواقع، وسيكسوه الغبار في أدراج المكاتب.

يعرف معظم المتابعين أن الدراسات السياسية والاقتصادية المحكمة التي تشتغل عليها معاهد الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة وربما في غيرها، إنما تعمل كبوصلة معلوماتية موجهة للمستوى السياسي المعني بالقضايا المدروسة. وهي لا تشكل من حيث المبدأ ما فهم منها من قبل بعض الكتاب والمحللين بأنها أقرب إلى «المبادرة».

المشكلة أن هذا الدراسات التي تزخر بها مكتبات معاهد الأبحاث الأميركية والأوروبية لا يقابلها دراسات مماثلة - ولو بمستوى أقل تصدر عن مراكز بحث فلسطينية أو عربية تدرس على سبيل المثال الثمن الذي يحصل عليه الفلسطينيون في حال تمت إزالة الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية وقامت دولة فلسطينية مستقلة وسيدة ومن غير مستوطنين.

إذ يبدو من الدراسات الغربية ومنها دراسة «راند» أنها لم تقل صراحة لإسرائيل أنها ستقبض مع حل الدولتين بالسيناريو المطروح ثمن عدم قيام تلك الدولة الفلسطينية كما وصفها وحددها البرنامج الوطني الفلسطيني. وما لم تقله الدراسة أن إسرائيل ستبقى متحكمة بسقف النمو الاقتصادي الفلسطيني ومعدلاته وإبقاء السوق الفلسطينية «حاوية» خلفية للسوق الإسرائيلية ومنتجاتها الفائضة عن الحاجة.

ولماذا لم ترصد الدراسة الخسائر الهائلة التي سيتكبدها الفلسطينيون جراء سرقة الأراضي التي تقوم عليها المستوطنات التي تضم إلى إسرائيل وما عليها وما فيها من ثروات. وكيف تنعكس تداعيات هذه السرقة على دخل الفلسطينيين عامة والفرد منهم الذي وعدته الدراسة أنه سيحصل على ألف دولار شهريا خلال عشر سنوات من تطبيق الحل؟ كما أن المستوطنين الذين سيلتحقون بإسرائيل (وهم في مكانهم) يشملون مستوطني القدس في المدينة ومحيطها. وهذا يعني أن لا عاصمة لدولة فلسطين اسمها القدس الشرقية.

وحل الدولتين الذي تدفع باتجاهه الدراسة وبالأساس من كلَّف المعهد بالشغل عليها لا ينسجم مع الحقوق الفلسطينية لأسباب كثيرة أبرزها أن لا يضمن بصيغته وآلياته وأسسه السياسية والقانونية قيام دولة فلسطينية مستقلة على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان حزيران/يونيو 1967. ومع ذلك، رفضه بنيامين لأن مشروعه يتجاوز قيام أي كيانية فلسطينية خارج ما انطلقت منه آليات المرحلة الانتقالية باتفاق أوسلو وتوقفت عنده وهو حشد الفلسطينيين في أرضهم وفق معادلة «أرض أقل.. سكان أكثر».

على ذلك، يمكن القول إن ما يعرض «دوليا» حتى الآن في مجال تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يختزل تحت عنوان «بيع» بديل عن الدولة الفلسطينية كما عرَّضها البرنامج الوطني الفلسطيني، ويمكن القول في الوقت نفسه أن الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة سيكون وفق السيناريوهات الغربية المطروحة آخر عروض البيع، بعدما تجاوزت هذه المشاريع والسيناريوهات الحق الفلسطيني الأساسي في عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، والقفز ضمنا واستتباعا عن حق تقرير المصير أبرز الانجازات الفلسطينية في المنتدى الدولي؛ وفي السياق إلغاء مفعول الاعتراف الدولي مؤخرا بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود 4 حزيران/يونيو عام 1967.

عمليا، لا توجد مبادرات غربية حول التسوية من غير دراسات مؤسسة. إن كان في دوائر المؤسسات السياسية الديبلوماسية، أو عبر معاهد ومراكز بحث تتعاون معها. وهي على كل حال لا تنحصر في القضية الفلسطينية، بل هي أعم وأشمل تمتد إلى المستويين الإقليمي والدولي.

مساهمات كثيرة من هنا وهناك.. لكن السؤال المصيري يبقى برسم الحالة الفلسطينية والتزامها البرنامج الوطني التحرري الذي لا يصح فيه استبدال الحقوق.. أو مقايضتها.