أبوظبي تدفع لتعزيز مسار التهدئة في المنطقة عبر مشاورات في طهران

لانا نسيبة تستعرض مع مسؤولين ايرانيين تطورات إقليمية مؤثرة على السلم والأمن والجهود المبذولة للتعامل معها في خضم التوتر بين واشنطن وطهران.
الامارات تساهم في خفض منسوب التوتر الإقليمي
الاتفاق بين الامارت وايران على الحفاظ على التنسيق المنتظم وتفعيل اللجان الفنية المشتركة

طهران - تشهد الدبلوماسية الإماراتية حراكاً مكثفاً يهدف لتخفيف التوتر في الشرق الأوسط، بينما تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع. وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزيرة الدولة الإماراتية لانا نسيبة إلى طهران، حيث أجرت سلسلة لقاءات مع مسؤولين إيرانيين بارزين، في خطوة تعكس توجهاً إماراتياً واضحاً نحو توظيف قنوات الحوار المباشر لنزع فتيل الأزمات، ولا سيما في ظل التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة.

وتناولت اللقاءات التي عُقدت في العاصمة الإيرانية ملفات إقليمية معقدة تتصل بالأمن والاستقرار، من بينها أمن الملاحة في الخليج، وتطورات الأزمة اليمنية، وسبل احتواء بؤر التصعيد المتناثرة في المنطقة. وتندرج هذه المباحثات ضمن رؤية أوسع تتبناها أبوظبي قوامها تعزيز الثقة المتبادلة وتفادي الحسابات الخاطئة التي قد تفضي إلى مواجهات غير محسوبة.
وتأتي هذه الزيارة امتداداً لسياسة إماراتية نشطة تقوم على الانفتاح على مختلف الأطراف، وعدم الاكتفاء بالمواقف المعلنة، بل الدفع باتجاه مسارات عملية للحوار. وقد برز هذا التوجه في استضافة أبوظبي في الآونة الأخيرة اجتماعات ثلاثية رفيعة المستوى ضمت مسؤولين من الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، في مؤشر على سعيها لترسيخ موقعها كمنصة موثوقة للمحادثات الحساسة.
ويرى مراقبون أن انخراط الإمارات في مشاورات مباشرة مع طهران يعكس إدراكاً لأهمية إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، خصوصاً في ظل التعقيدات التي تحيط بالعلاقة بين إيران وواشنطن. فأبوظبي، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، تحرص في الوقت ذاته على بناء علاقة مستقرة مع إيران، بما يساهم في خفض منسوب التوتر الإقليمي.
وترأست نسيبة، إلى جانب نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي، الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية البلدين، في إطار آلية حوار منتظمة بين الجانبين.

وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية في بيانها أن "الجانبين رحبا بالمشاورات باعتبارها فرصة لمعالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك". كما أوضحت أن "تم بحث العلاقات الثنائية والسبل العملية لتعزيز المصالح المشتركة بما يعود بالنفع على البلدين وشعبيهما"، مشيرة إلى أنه جرى كذلك استعراض تطورات إقليمية مؤثرة على السلم والأمن والجهود المبذولة للتعامل معها. واختُتمت الاجتماعات بالاتفاق على "الحفاظ على التنسيق المنتظم وتفعيل اللجان الفنية المشتركة لتسريع تنفيذ الاتفاقيات القائمة واستكشاف آفاق جديدة للتعاون".
ويستند هذا المسار الدبلوماسي إلى قناعة إماراتية مفادها أن الحوار المباشر يظل الأداة الأنجع لإدارة الخلافات وتفادي اتساع رقعة النزاعات. وقد ازدادت أهمية هذا الطرح في ضوء التوترات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، وما رافقها من مخاطر على أمن الطاقة والملاحة والتجارة الدولية.
وتكتسب زيارة نسيبة إلى طهران بعداً إضافياً في ضوء المحادثات غير المباشرة التي جرت مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط بوساطة عمانية، والتي مثلت أول تواصل دبلوماسي رفيع بين الجانبين منذ التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة في يونيو/حزيران 2025. وقد سارعت أبوظبي إلى الترحيب بتلك المحادثات، مثنية على الدور العماني، ومشددة على أن الحلول الدبلوماسية تظل السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات المعقدة.
وفي هذا الإطار، كان المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش قد أكد خلال ندوة ضمن القمة العالمية للحكومات في دبي أن المنطقة لم تعد تحتمل مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، داعياً إلى مفاوضات مباشرة تفضي إلى تفاهمات مستدامة. وقال آنذاك إن الشرق الأوسط عانى من مواجهات كارثية، ولا يحتاج إلى جولة إضافية، معبّراً عن أمله في أن تفضي المحادثات الإيرانية الأميركية إلى تسويات تنهي الأزمات المتكررة.
ويعكس مجمل هذه التحركات مقاربة إماراتية توازن بين الواقعية السياسية والطموح إلى استقرار طويل الأمد، حيث تسعى أبوظبي إلى لعب دور الجسر بين الخصوم، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة إقليمياً ودولياً وكذلك الثقة في دبلوماسيتها النشطة والواقعية. وفي منطقة تتداخل فيها الملفات الأمنية بالاعتبارات الاقتصادية، تبدو الدبلوماسية الإماراتية عازمة على الاستثمار في التهدئة والحوار، باعتبارهما الخيار الأكثر جدوى لتجنيب الشرق الأوسط مزيداً من الاضطرابات.