أتباع ديانات عراقية يخشون من إعادة تصنيفهم كـ'طوائف'
بغداد - يثير مشروع تعديل قانون ديوان أوقاف الديانات غير الإسلامية في العراق جدلاً واسعًا بين أتباع الديانات القديمة والأقليات الدينية، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي التعديل المقترح إلى تقويض الاعتراف الدستوري بدياناتهم وتحويلها إلى مجرد "طوائف"، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واجتماعية حساسة.
وفي هذا السياق، عبّرت شخصيات دينية وسياسية من مكونات إيزيدية ومندائية ومسيحية عن رفضها القاطع لمقترح تعديل القانون، محذّرة من تبعاته على الوضع القانوني والحقوقي لهذه المجموعات التي ما تزال تواجه تحديات في نيل الاعتراف الكامل داخل الدولة العراقية، رغم ما كفله الدستور.
النائبة الإيزيدية فيان دخيل كانت من أوائل من نبّهوا إلى خطورة ما تضمنه مشروع التعديل، مؤكدة أن إدراج وصف "الطائفة" بدل "الديانة" يُعد تراجعًا عن الاعتراف الرسمي بهذه الديانات ككيانات دينية قائمة بذاتها.
وقالت إن المشروع طُرح من قبل بعض الشخصيات الكنسية، وهو "يتعارض صراحة مع الدستور العراقي الذي يعترف بهذه الديانات ويمنحها إطارًا قانونيًا مستقلاً".
ويأتي القلق من أن تصنيف المكونات الدينية غير الإسلامية كـ"طوائف" قد يفتح الباب أمام تقليص صلاحياتها الدينية والإدارية، ويضعها في موقع تابع ضمن هيكل ديني واحد، ما يعزز المخاوف من الهيمنة أو التمثيل غير العادل داخل مؤسسة ديوان الأوقاف المختصة بشؤون الأقليات الدينية.
وتشير التقديرات إلى أن الإيزيديين، الذين يتركز وجودهم في سنجار ومناطق من إقليم كردستان، يشكلون مئات الآلاف، وهو عدد يفوق بعض المكونات الأخرى المشمولة بنفس القانون.
ومع ذلك، ترى شخصيات من المجتمع الإيزيدي أن هناك محاولات مستمرة لتقزيم حجمهم ودورهم، سواء من خلال ضعف التمثيل السياسي، أو من خلال إجراءات قانونية وإدارية تُصنفهم بطريقة لا تعكس واقعهم الديموغرافي والثقافي.
أما الصابئة المندائيون، الذين يُعدّون من أقدم الديانات في وادي الرافدين، ويقطنون بشكل رئيسي في جنوب العراق، فقد عبّر عدد من ممثليهم عن خشيتهم من أن يُستخدم تصنيف "الطائفة" كمدخل قانوني لتقليص حقوقهم، أو لحصر وجودهم في إطار ثقافي أو طقوسي، بعيدًا عن الاعتراف بهم كديانة عريقة ذات نظام ديني مستقل.
ويتساءل كثيرون في الأوساط الحقوقية والدينية عن جدوى إجراء تعديل قانوني من هذا النوع في وقت ما تزال فيه الأقليات الدينية تعاني من آثار الحروب والتهجير والتمييز المجتمعي.
ويرى ناشطون أن مثل هذه الخطوات، وإن جاءت تحت غطاء تنظيمي أو إداري، قد تفتح الباب أمام قرارات أخطر في المستقبل، خصوصًا إذا ما مُنحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في إدارة ملف الأديان خارج إطار الضمانات الدستورية.
وتضيف النائبة دخيل في تصريحها أن مشروع القانون، كما ورد، يسمح لمجلس الوزراء بحذف أي "طائفة" من الوجود القانوني عبر قرار إداري، وهو ما وصفته بأنه "سابقة خطيرة تمس جوهر التعددية الدينية في البلاد"، متسائلة عن الغاية الحقيقية من تغيير الصياغة القانونية لمكونات لها جذورها التاريخية في العراق منذ آلاف السنين.
سابقة خطيرة تمس جوهر التعددية الدينية في البلاد
رغم مرور أسابيع على تقديم مشروع التعديل، لم تُصدر رئاسة الجمهورية موقفًا رسميًا بشأنه، ما يُبقي حالة الغموض قائمة ويزيد من التوتر لدى المكونات المعنية.
وبينما يطالب ممثلو الديانات بالإفصاح عن أسباب طرح هذا التعديل في هذا التوقيت، يرى مراقبون أن الصمت الرسمي قد يُفسر كقبول ضمني، وهو ما يُثير المزيد من الشكوك حول نوايا الجهات التي تقف خلف المشروع.
وتعكس هذه الأزمة القانونية الجديدة هشاشة ملف الأقليات في العراق، الذي طالما اتّسم بالتعقيد والتأجيل.
ففي بلد يُفترض أنه ديمقراطي وتعددي، لا تزال مكونات دينية وعرقية تطالب بأبسط حقوقها في الاعتراف والتمثيل والخصوصية، بينما تخشى أن تُختزل وجوداتها التاريخية في تصنيفات إدارية قد تُستخدم يومًا كأداة للإقصاء أو التهميش.