أحداث السليمانية والنفط والمياه تستعجل اجتماعا تركيا عراقيا
بغداد - بحث وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع نظيره التركي هاكان فيدان، على هامش اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي في جدة، سلسلة ملفات معقدة شملت النفط والمياه والوضع الأمني على الحدود، حيث من المعتقد أن التطورات الأخيرة في محافظة السليمانية بعد توقيف رئيس حزب الشعب المعارض المستقيل من الاتحاد الوطني الكردستاني لاهور جنكي، من ضمن الملفات المطروحة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه أنقرة وبغداد تحديات متداخلة تتعلق بنشاط حزب العمال الكردستاني وتوازن القوى داخل الإقليم، وسط تنسيق أمني متواصل بين البلدين.
وبرغم أن ملف لاهور جنكي لم يُذكر بشكل مباشر في البيانات الرسمية، إلا أن التحركات الأمنية في السليمانية من المرجح أنها كانت ضمن الموضوعات التي جرى التطرق إليها، باعتبارها تمس الاستقرار السياسي والأمني في شمال العراق، وتؤثر على موازين القوى داخل الإقليم، ولا سيما في ظل التداخل المعقد بين أحزاب كردية محلية وأطراف إقليمية فاعلة.
ويُنظر إلى هذه التطورات على أنها جزء من صراع النفوذ داخل إقليم كردستان، مع خشية من أن تؤدي الانقسامات الداخلية إلى فراغ أمني يُستغل من قبل جماعات مسلحة، من بينها حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وناقش الوزيران بشكل موسّع أنشطة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، حيث جدّد الوزير التركي موقف بلاده الرافض لوجود عناصر الحزب قرب حدودها، مؤكدًا أن أنقرة تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات استباقية لحماية أمنها القومي.
وفي المقابل، أبدى وزير الخارجية العراقي تفهم بغداد للمخاوف التركية، مع التأكيد على رفض استخدام الأراضي العراقية منطلقًا لأي تهديد ضد دول الجوار. ويُفهم من هذا الموقف أن هناك قنوات تنسيق أمني قائمة بين البلدين، تهدف إلى احتواء تحركات الحزب ومنعها من التصعيد في مناطق النزاع.
واحتل ملف النفط حيزًا مهمًا من المحادثات، لا سيما في ظل توقف صادرات النفط عبر خط أنابيب جيهان منذ أشهر، نتيجة خلافات قانونية وتجارية متراكمة، بعضها مرتبط بحكم محكمة التحكيم الدولية الذي أعاد ترتيب أوراق المشهد النفطي بين بغداد وأنقرة.
وأكد الوزيران على ضرورة التوصل إلى حل عملي لإعادة تشغيل خط التصدير، بما يحقق المصلحة الاقتصادية للطرفين، ويُسهم في استقرار سوق الطاقة الإقليمي. ويُعد هذا الملف من أكثر النقاط حساسية، بالنظر إلى أنه مرتبط كذلك بعقود تجارية مبرمة مع إقليم كردستان، وتوزيع الإيرادات بين الحكومة الاتحادية والإقليم.
كما بحثا ملف المياه، أحد أعقد الملفات بين العراق وتركيا، مع استمرار شكاوى بغداد من نقص الإطلاقات المائية وتأثيره على الأمن الغذائي وموسم الزراعة، خاصة في محافظات الجنوب.
وقد تم التأكيد خلال اللقاء على أهمية تنظيم الحصص المائية بشكل عادل، والتعاون في إدارة الموارد المائية عبر آليات دبلوماسية وتقنية مشتركة. وأعرب الوزير التركي عن استعداد بلاده لتوسيع هذا التعاون، في ظل معادلة "المياه مقابل المشاريع التنموية"، التي طُرحت سابقًا في جولات الحوار.
وتأتي هذه المحادثات الثنائية في وقت يشهد فيه العراق وضعًا داخليًا هشًا، يتقاطع فيه الاضطراب السياسي داخل إقليم كردستان مع تحولات إقليمية أوسع، أبرزها التقارب بين بغداد وأنقرة، ومحاولة خلق توازن جديد في مواجهة النفوذ الإيراني في بعض مناطق العراق، والحد من تمدد حزب العمال الكردستاني في الشمال.
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تحاول من خلال هذا التقارب مع تركيا ضبط الإيقاع الأمني والسياسي في شمال البلاد، خاصة في المناطق المتنازع عليها وفي مناطق النفوذ الكردي، التي تشهد توترات داخلية أبرزها توقيف لاهور جنكي وما تبعه من احتكاكات سياسية وحزبية.
في ضوء المعطيات المطروحة، يبدو أن العلاقات العراقية التركية تسير في اتجاه أكثر انفتاحًا وتنسيقًا، رغم تباين وجهات النظر في بعض الملفات. ويبدو واضحًا أن ملف إقليم كردستان، بما فيه من تعقيدات سياسية وأمنية، سيكون عنصرًا حاسمًا في هذا التقارب، خصوصًا في ظل حرص تركيا على ضبط أي تهديد قادم من مناطق النفوذ الكردي، ومطالبة بغداد بدورها بمراعاة السيادة الوطنية.
ومع استمرار الحوارات وارتفاع مستوى التحديات، تتجه الأنظار إلى نتائج المباحثات الفنية التي ستلي هذا اللقاء، وما إذا كانت ستحمل اختراقات حقيقية في الملفات العالقة، أم ستظل الأمور رهينة الحسابات الداخلية والإقليمية المعقدة.