أردوغان يغادر موسكو خالي الوفاض إلا من وعود ملغومة

الرئيس التركي يجد نفسه بعد سنوات من التدخل في سوريا عالقا بين حليفي الأسد: إيران وروسيا من جهة والحليف الأميركي من جهة فلا ربح الحليف الأميركي ولا كسب ثقة الشريك الروسي.



أردوغان خسر الحليف الأميركي ولم يكسب ثقة الشريك الروسي


مصالح تركيا مع روسيا قد تدفعها مرغمة لمصالحة مع دمشق


موسكو تستقطب أنقرة اقتصاديا وعسكريا مستغلة التوتر الأميركي التركي


مكاسب الأسد الميدانية تضيق هامش المناورة التركية في ادلب


اكراهات ميدانية تدفع أنقرة مرغمة لإعادة رسم خريطة تفاهمات سوتشي


أردوغان يبحث في موسكو عن مخرج لمأزقه في سوريا

موسكو/بيروت - غادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موسكو مساء الثلاثاء والتي وصلها في زيارة تمت على عجل أجرى خلالها مباحثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين مع اشتداد الخناق على قواته في سوريا، خالي الوفاض تقريبا إلا من وعود روسية غير مجانية بحماية القوات التركية في ادلب.

وسارع أردوغان إلى موسكو مع تقدم قوات النظام السوري في ادلب ومحاصرتها نقطة مراقبة تركية وفي وقت تزداد فيه العلاقات الأميركية التركية تأزما على ضوء خلافات متفاقمة حول عدّة قضايا من بينها ملف وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا التي تصنفها أنقرة جماعة إرهابية وتدعمها واشنطن كونها شكلت رأس الحربة في الهجوم على تنظيم الدولة الإسلامية.

ويرجح أن زيارة اردوغان لروسيا تأتي أيضا ضمن البحث عن مخرج لمأزق القوات التركية في المستنقع السوري، حيث يسعى الرئيس التركي لانتزاع ضمانات روسية تحول دون استهداف تلك القوات التي تنتشر في شمال سوريا.

وسبق الزيارة اتصال هاتفي بين أردوغان وبوتين تركز على كيفية تجنب أي احتكاكات عسكرية بين قوات النظام السوري والقوات التركية بعد أن حاصرت دمشق نقطة مراقبة تركية في ادلب وتعرض وحدة من الجنود الأتراك لهجوم من قبل قوات الأسد.

بوتين في وداع أردوغان: المصالح أبعد من تفاهمات سوتشي حول ادلب
أردوغان زار موسكو بحثا عن ضمانات روسية لسلامة القوات التركية في شمال سوريا

وأجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الثلاثاء محادثات مع نظيره التركي في موسكو، في وقت يسعيان فيه للتوصل إلى توافق بشأن المعارك الدامية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا.

وتحدث بوتين وأردوغان سويا لدى افتتاح معرض "ماكس" الدولي للطيران على مشارف موسكو. ومن المقرر أن يجريا في وقت لاحق محادثات خاصة وإصدار بيان مشترك.

وجاء هذا اللقاء الثنائي قبل قمة تستضيفها أنقرة في 16 سبتمبر/أيلول وتضمّ إلى إلى جانب أردوغان وبوتين الرئيس الإيراني حسن روحاني لبحث الوضع في سوريا، وستكون الخامسة من نوعها بين الرؤساء الثلاثة التي تشكل في الوقت ذاته الدول الضامنة لاتفاق وقف اطلاق النار في ادلب أو ما يعرف باتفاق سوتشي.

وتهدد معركة إدلب بتصعيد التوتر بين تركيا التي تدعم بعض فصائل المعارضة من جهة وروسيا وإيران حليفتي نظام الرئيس السوري بشار الأسد من جهة أخرى.

وقال أردوغان الأسبوع الماضي إن الهجوم الذي تشنّه قوات النظام وتدعمه روسيا ضد فصائل جهادية ومعارضة في محافظة إدلب يهدد "بشكل خطير جدا" الأمن الوطني في تركيا ويؤدي إلى "أزمة إنسانية خطيرة".

والأزمة الإنسانية المتوقعة في شمال سوريا هي آخر اهتمام في سلّم أولويات أردوغان الذي يريد فقط تجنب طوفان من النازحين يتدفق على المناطق الحدودية بين تركيا وسوريا في حال تزايد التصعيد في المنطقة.

وتقوم تركيا حاليا بحملات منظمة لترحيل النازحين السوريين على أراضيها قسرا تحت مسميات مختلفة بعد أن استنفد الرئيس التركي ورقة اللاجئين في ابتزاز الدول الغربية.

 ويقول الباحث في مركز تحليل النزاعات في الشرق الأوسط ألكسندر شوميلين "من دون شك، تُعقّد إدلب العلاقات بين موسكو وتركيا، ذلك أن مصالحهما تختلف".

ومحافظة إدلب مشمولة باتفاق روسي تركي تمّ التوصل إليه في سوتشي في سبتمبر/أيلول ونصّ على إقامة منطقة منزوعة السلاح من دون أن يُستكمل تنفيذه. وحال هذا الاتفاق دون شنّ النظام السوري هجوما على إدلب. وسجلت تهدئة لبعض الوقت، لكن القصف والمعارك استؤنفت منذ نهاية أبريل/نيسان.

تركيا عالقة في سوريا: لا رغبة في الانسحاب ولا قدرة على البقاء مع تصعيد عسكري في ادلب
تركيا عالقة في سوريا: لا رغبة في الانسحاب ولا قدرة على البقاء مع تصعيد عسكري في ادلب

وتتهم دمشق أنقرة بالتلكؤ في تطبيق اتفاق سوتشي، إذ لم تنسحب الفصائل الجهادية من المنطقة المنزوعة السلاح، فيما سبق وان واجهت الحكومة التركية التي يقودها الإسلاميون بدعم وتمويل فصائل متشددة في الأراضي السورية.

وبعد ثلاثة أشهر من القصف الكثيف على عدة مناطق في إدلب ومحيطها تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) وتوجد فيها فصائل أخرى أقل نفوذا، بدأت قوات النظام في الثامن من الشهر الحالي هجوما تمكنت بموجبه من السيطرة على مدينة خان شيخون الإستراتيجية وعدة بلدات في ريف حماة الشمالي المجاور.

وتضيّق هذه المكاسب الميدانية هامش التحرك التركي في المنطقة وتجعل القوات التركية في مرمى نيران القوات السورية وحلفاؤها من الميليشيات الشيعية.

كما تقوّض تلك المكاسب خطط الرئيس التركي للتمدد في سوريا وتعجل أيضا باتفاق بين أكراد سوريا ونظام الرئيس بشار الأسد وهو السيناريو الأسوأ الذي تتوجس منه أنقرة.

وتخشى تركيا العالقة بين خيارات صعبة أن يسمم التصعيد في ادلب علاقاتها مع إيران وروسيا في الوقت الذي خسرت فيه الحليف الأميركي وأيضا فقدت فيه ثقة الشركاء الغربيين.   

وقُتل 51 عنصرا من قوات النظام والفصائل الجهادية والمعارضة الثلاثاء جراء اشتباكات بين الطرفين في إدلب، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ويعتبر أردوغان أن حماية القوات التركية المنتشرة في إدلب مسألة أساسية وهي التي دفعته سريعا إلى لقاء بوتين بحثا عن مخرج يحفظ ماء وجهه.

وتمكنت قوات النظام خلال تقدمها في الأسبوع الأخير من تطويق نقطة مراقبة تركية في بلدة مورك، هي الأكبر من بين 12 نقطة مماثلة تنشرها أنقرة في إدلب ومحيطها بموجب الاتفاق مع روسيا.

ادلب جبهة معقدة تنتشر فيها أطراف عسكرية متعددة من جهاديين وقوات تركية وقوات المعارضة
اكراهات ميدانية تجبر تركيا على اعادة رسم التفاهمات مع روسيا حول ادلب

وتعرض رتل تعزيزات عسكرية أرسلته أنقرة مطلع الأسبوع إلى ريف إدلب الجنوبي وكان في طريقه إلى مورك، لقصف جوي سوري استهدف سيارة مرافقة تابعة لفصيل سوري معارض موال لتركيا.

ولم يتمكن الرتل من إكمال طريقه بعدما قطعت قوات النظام طريق دمشق حلب الدولي مع تقدمها في مدينة خان شيخون الإستراتيجية ومحيطها.

وما يثير قلق تركيا أيضاً، احتمال حصول نزوح جماعي من المحافظة الواقعة على حدودها الجنوبية.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الاثنين إن بوتين "يتفهم مخاوف" أنقرة لكنه يشدد على ضرورة التصدي لما تقوم به "العناصر الإرهابية في إدلب".

وتمكنت روسيا وتركيا من التوصل إلى تسويات بشأن سوريا في السابق وزادت التعاون في مجالات أخرى.

وفي يوليو/تموز، بدأت تركيا بتسلّم منظومة صواريخ "إس-400" روسية في تحدّ لتحذيرات واشنطن.

ويرى المحلل في مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية التركية نهاد علي أوزجان أن "العلاقات بين أردوغان وبوتين تتخطى إدلب. هناك علاقات اقتصادية، بينها إس-400".

وقالت وزارة الدفاع التركية إن المرحلة الثانية من تسلم الصواريخ الروسية بدأت الثلاثاء وستستمرّ لمدة شهر.

ولدى افتتاح معرض "ماكس" الدولي للطيران، تفقّد بوتين وأردوغان سلسلة مقاتلات روسية ومروحيات قتالية.

وقال بوتين الذي وصف أردوغان بأنه "صديقه العزيز"، إنه يأمل في أن يخلق اللقاء "فرصا جديدة" للتعاون.

ويشير أوزجان إلى أن "الطرفين لا يثقان ببعضهما البعض، لكنهما يحافظان على علاقة سياسية" ويشكلان جبهة واحدة حين يلزم الأمر ضد "طرف ثالث هو الولايات المتحدة والغرب".

ويملي التقدم الميداني الأخير لقوات النظام في شمال غرب سوريا على روسيا وتركيا إعادة هندسة تفاهماتهما بشأن إدلب، وفق محللين، من دون أن يغيّر ذلك من حرصهما على الحفاظ على علاقات إستراتيجية على خلفية مصالح تتخطى الشأن السوري.

ويوضح أوزكان أنّ "بوتين والأسد في موقع قوة بمواجهة تركيا ويريدان الذهاب إلى الاجتماع لمناقشة خريطة جديدة".

وأوردت صحيفة 'الوطن' المقربة من دمشق في عددها الأسبوع الماضي أن "التطورات الميدانية التي فرض ورسم الجيش العربي السوري أخيرا خريطة جديدة لها في ريفي حماة الشمالي وريف ادلب الجنوبي، أملت إيجاد نسخة معدلة من اتفاق سوتشي".

ويقول الباحث في مركز "سنتشوري فاونديشن" الأميركي أرون لوند إن المفاوضات بين روسيا وتركيا ضرورية اليوم للتوصل إلى "حل في إدلب".

ويرى أن بإمكانهما التفاوض حول "اتفاق يوقف المعارك ويرسم حدودا جغرافية جديدة مع شروط جديدة لوقف إطلاق النار".

في الميدان، بدأت القوات الحكومية السورية عمليا رسم هذه الحدود، مع سيطرتها على مدينة خان شيخون الواقعة على طريق حلب دمشق. وتحاول حاليا التقدم باتجاه معرة النعمان شمالا الواقعة على الطريق ذاته.