أزمات الكهرباء والماء تحاصر النظام الإيراني وشرعيته الداخلية
طهران – تتكبد القطاعات الصناعية الإيرانية خسائر جسيمة بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، وسط تساؤلات عن الأسباب وجدوی الحلول المطروحة، ما يفاقم التوتر الاجتماعي والسخط على الحكومة وسياساتها الداخلية والخارجية التي أغرقت البلاد في الأزمات بفعل العقوبات الدولية.
تشهد إيران منذ سنوات أزمات متكررة في توفير الكهرباء والماء، نتيجة مزيج من العوامل أبرزها العقوبات الاقتصادية، سوء إدارة الموارد، التغيرات المناخية، وتزايد الطلب السكاني والصناعي. هذه الأزمات انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين وأثارت موجات من السخط الشعبي، مما وضع الحكومة تحت ضغوط سياسية واجتماعية متزايدة.
وتعتبر أزمة انقطاع الكهرباء والماء في إيران ليست مجرد مشكلة خدمية، بل قضية تمس شرعية الدولة واستقرارها. إذ أن فشل الحكومة في حلها يهدد بزيادة الاحتجاجات ويضعف الثقة الشعبية، مما يفتح الباب أمام تحديات سياسية أوسع على المدى القريب والبعيد.
يشكو سعيد من عدم إقبال الزبائن على مطعمه للبيتزا الغارق في العتمة في حي راقٍ بشمال طهران، إذ يشكّل الانقطاع المتكرّر للتيّار الكهربائي مشكلة كبيرة تعوق أعماله تضاف إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ويقول صاحب المطعم البالغ 48 عاما والذي فضّل، كغيره ممن التقتهم وكالة فرانس برس، استخدام اسمه الأول فقط، "تنقطع الكهرباء أحيانا في خضمّ تقديم وجبات الغداء. ونحن أصحاب المطاعم نعاني الأمرّين".
يضاف الى هذه المشكلات شبح عودة العقوبات الدولية على الجمهورية الإسلامية، بعدما قامت الدول الأوروبية بتفعيل "آلية الزناد" في مجلس الأمن الدولي، في ظل غياب آفاق تسوية بشأن الملفّ النووي. أما الريال الإيراني، فتتهاوى قيمته أمام العملات الأجنبية، ما يزيد من التضخم المزمن.
ويسعى سعيد الى الصمود في مواجهة هذه الصعاب عبر تقليص التكاليف وقطع الإنارة عن مطعمه وخفض عدد العاملين فيه.
والصيف عادة حارّ في إيران التي غالبا ما تشهد موجات جفاف، ما يزيد تلقائيا من استهلاك الكهرباء لتشغيل مكيّفات الهواء.
وبلغ استهلاك الكهرباء 73500 ميغاوات الجمعة، بحسب التلفزيون الرسمي، وهو يناهز المستوى القياسي المسجّل سنة 2024 بواقع 79 ألف ميغاوات.
ويكمن جوهر المشكلة في افتقار محطّات توليد الطاقة للوقود اللازم لانتاجها، ما اضطر السلطات إلى ترشيد استهلاك الكهرباء.
وبغية تخفيف الأعباء عن الشبكة المتقادمة، يقطع التيّار لمدّة ساعتين على الأقلّ يوميا عدّة أيّام في الأسبوع، وعلى نحو متناوب في مناطق البلاد.
وفي غياب الكهرباء، يقطع الاتصال بشبكة الانترنت، ما يحرم سعيد أيضا من جزء من زبائنه يقومون بطلبيات.
ويقول صاحب المطعم الذي ليس في يده حيلة "تنخفض الطلبيات انخفاضا شديدا. ويحدث أن يقوم زبون بطلبية من دون أن نلحظها بسبب انعدام الاتصال بالشبكة".
وتتكبّد المؤسسات التجارية الصغيرة، من ملاحم وأفران ومحلات حلوى ومثلّجات وبقالة، غير القادرة على تحمّل تكاليف مولّدات كهربائية، خسائر كبيرة مع تدهور نوعية منتجاتها بسبب القيظ.
وفي حيّ بوسط العاصمة، يشير صانع حلويات إلى برّادات فارغة أو مُلئ نصفها بعد توقّف الإنتاج إثر قطع الكهرباء.
ويقول الحلواني الذي فضّل عدم كشف اسمه، "يمكن ترك الحلويات الجافة في البرّاد لمدّة ساعتين"، لكن "تلك المحشوة، لا سيّما بالشوكولا، تصبح ليّنة… ولا أحد يشتريها بعد ذلك".
ويندّد التاجر الذي غزا الشيب رأسه بعدم انتظام فترات قطع التيّار، موضحا "يقولون لنا أحيانا إن الكهرباء ستقطع عند الحادية عشرة لكن يتوقّف التيّار قبل ساعتين عندما نكون في خضمّ عملية إعداد الحلويات”.
ويجلس صاحب مطعم خارج محله ينتظر الزبائن بلهفة، وفي داخله حرّ شديد في غياب التهوية بسبب انقطاع التيّار. ويقول "عندما تقطع الكهرباء في عزّ الحرّ، نخسر السواد الأعظم من زبائننا".
وانتشرت على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي صور لتجّار اضطروا لرمي قوالب الحلوى أو عجينة الخبز التي تلفت بسبب غياب الكهرباء.
وهي أيضا حال الجزّار حسين حاج عباسي الذي اضطر إلى التخلّص من منتجاته التي تنقضي صلاحيتها بسرعة.
ويقول الرجل الستيني إن "صدور الدجاج وشرائحه وأيضا كبد الغنم الغالي جدّا هي من المنتجات السريعة التلف". ويتابع "أحيانا آخذ اللحم معي إلى المنزل كي لا أهدره".
ويشير إلى أن أسعار البقر والماعز ارتفعت في خلال أسبوع بمعدّل مليوني ريال، وهو ارتفاع كبير يناهز ثلاثة دولارات بحسب سعر الصرف غير الرسمي.
وفي ظلّ قطع التيّار الكهربائي، تعاني مناطق صناعية عدّة في ضواحي طهران من بطالة تقنية يومين في الأسبوع، بحسب الإعلام المحلي.
وتشهد العاصمة الإيرانية أحد أكثر فصول الصيف حرّا هذه السنة، اذ تناهز درجاتها 40 مئوية. أما في جنوب الجمهورية الإسلامية، يمكن للحرارة أن تتخطى الخمسين مئوية.
وتأمر الحكومة بانتظام بإغلاق المصارف والمؤسسات العامة لتوفير الطاقة وأيضا المياه في وقت بلغ منسوب السدود مستوى منخفضا على نحو غير معهود.
وتسببت هذه الأزمات بفقدان الثقة الشعبية في قدرة الحكومة على إدارة الموارد الحيوية. حيث شهدت إيران تظاهرات عنيفة في السنوات الأخيرة بسبب أزمة المياه والكهرباء، مما زاد من الضغط السياسي.
كذلك تسببت الأزمات في توترات بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، وكذلك بين الحكومة والمواطنين في المناطق المهمشة. بينما تؤكد المعارضة الداخلية والخارجية أن الأزمات دليل على فشل النظام في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب.