أزمة رواتب كردستان العراق: ترحيل التحديات إلى ما بعد الانتخابات
أربيل/بغداد – تتصاعد المخاوف من أن تبقى أزمة رواتب موظفي القطاع العام في إقليم كردستان العراق معلّقة على أمل الحل بعد الانتخابات التشريعية المقبلة التي يفترض أن تفرز حكومة جديدة، في ظل معضلة مستمرة في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الإقليم.
وجاءت هذه التحذيرات على لسان نيجيرفان بارزاني، نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس إقليم كردستان، الذي شدد يوم السبت، خلال انطلاق الحملة الانتخابية في قضاء شيخان بمحافظة دهوك، على أن معالجة قضية الرواتب يجب أن تكون من أولويات الحكومة الاتحادية المقبلة، مؤكدا أن التأخير في صرف مستحقات الموظفين والعاملين في القطاع العام يعكس أزمة أوسع في العلاقة بين المركز والإقليم، ويهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في كردستان.
وأشار بارزاني إلى أن "أحد أجمل المشاهد في كردستان هو التعايش المشترك بين المكونات المختلفة، وهو أمر يحظى باحترام المجتمع الدولي"، مضيفاً أن هذا التنوع يجب أن يقترن بالتزام دستوري متوازن يضمن تطبيق القوانين على جميع المكونات دون استثناء، وهو ما يضع حل الأزمة المالية ضمن سياق أكبر من مجرد ملف الرواتب، بل كمسألة حقوق دستورية ومصالح وطنية متبادلة.
ويُنظر إلى أزمة الرواتب على أنها أحد أبرز الملفات العالقة بين بغداد وأربيل منذ سنوات، إذ يعتمد إقليم كردستان على الحصة المالية السنوية من الميزانية الاتحادية، والتي غالباً ما تتأخر أو تُقلّص بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية بين الطرفين. وترحيل هذه الأزمة إلى ما بعد الانتخابات التشريعية يعكس استمرار الجمود السياسي، ويؤجج التوترات بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية، مع تأثير مباشر على الخدمات العامة والمواطنين في الإقليم.
وهذه المعضلة المالية لا تؤثر فقط على حياة الموظفين، بل تمتد إلى أبعاد أوسع تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي في الإقليم، فالتأخير في الرواتب يؤدي إلى تزايد الضغوط على الإدارة المحلية لتغطية العجز، ويثير تساؤلات حول قدرة حكومة كردستان على توفير بيئة معيشية مناسبة للسكان، كما شدد بارزاني خلال كلمته، مطالباً بضرورة ضمان حقوق المواطنين ضمن إطار دستوري شامل يراعي المكونات كافة وليس الإقليم وحده.
وأوفت أربيل بكل الالتزامات المطلوبة منها في انتظار أن تبادر الحكومة الاتحادية بالوفاء بالالتزامات المترتبة عليها، لكن جزء من الخلافات أو المشاكل العالقة المتراكمة أو الناشئة، يعود إلى توظيف بغداد ورقة الرواتب والمخصصات المالية في الضغط على حكومة الإقليم التي نجحت حتى الآن في تحويل الصعوبات الى إنجازات.
ويتزامن هذا الوضع مع استعداد الأحزاب الكردية للمشاركة في الانتخابات المقبلة، ما يجعل ملف الرواتب قضية حساسة تستقطب الانتباه الشعبي والسياسي على حد سواء. ويشير محللون إلى أن تأجيل معالجة الأزمة إلى ما بعد الانتخابات يعكس رغبة بعض الأطراف في تجنّب استنزاف رأس المال السياسي قبل الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية محتملة، قد تزيد من توتر العلاقة بين بغداد وأربيل بعد تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن معالجة أزمة الرواتب تتطلب حواراً مباشراً ومستداماً بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، مع وضع آليات واضحة لصرف المستحقات المالية بشكل دوري ومنتظم، بعيداً عن الضغوط السياسية والمناورات الانتخابية. ويعتبر نجاح هذا الحوار عاملاً أساسياً لتعزيز الاستقرار في الإقليم، وضمان استمرارية التعايش المشترك بين المكونات المختلفة، الذي أشاد به بارزاني، والحفاظ على الثقة بين المركز والإقليم في المستقبل.
وفي المجمل، تبقى أزمة الرواتب إحدى أبرز نقاط الاحتكاك بين بغداد وأربيل، وتعكس تحديات أكبر في العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم الكردي الذي يتمتع بالحكم الذاتي، حيث يمثل حلها اختباراً لقدرة الأطراف السياسية على الموازنة بين الضرورات المالية والاستقرار السياسي والحقوق الدستورية للمواطنين.