أزمة سيولة تضرب المنظمة الأممية

الأزمة المالية التي تعاني منها المنظمة الدولية لا تمثل مجرد أعداد في سجلات الأرقام والحسابات، بل هي قضية إنقاذ لآلاف البشر الذين يعتمدون على مساعداتها اليومية.

في قلب النظام الدولي، حيث يُفترض أن تكون الأمم المتحدة ملجأ للسلام والتعاون الإنساني، تعاني دوائرها اليوم، من أزمة مالية غير مسبوقة لا تهدد فقط قدرة المنظمة على تواصل أنشطتها، بل تقلق ملايين البشر الذين تعتمد حياتهم على برامجها الحيوية.

وأمام هذه اللحظة الفاصلة يكون المجتمع الدولي، في اختبار حاسم لقدرته على الوفاء بالتزاماته، حيث تتحول الأوراق المالية إلى قضية حياة أو موت، وتغدو الميزانيات المتأخرة عقبات تعرقل كل جهود الإغاثة.

وأمام ما قد يحدث اليوم في الأمم المتحدة، تصبح القضية ليست مجرد أزمة مالية، بل انها إنذار صارخ يذكر العالم بأن التضامن الدولي ليس رفاهية، ولا مجرد شعارات تضامنية، بل ضرورة ملحّة لا غنى عنها.

في ذات السياق، فإن هذه الأزمة المالية لا تمثل مجرد أعداد في سجلات الأرقام والحسابات، بل هي قضية إنقاذ لآلاف البشر الذين يعتمدون على مساعدات الأمم المتحدة اليومية، ومع كل تأخير في التمويل، نجد أعدادا هائلة من الأسر التي قد تفقد القدرة على الوصول إلى الغذاء أو الرعاية الصحية الأساسية، ومن ثم يصبح الوضع أكثر خطورة مع تراكم المستحقات المالية للدول الأعضاء.

هذا وشهدت الأشهر الأخيرة تصاعد التحذيرات داخل أروقة الأمم المتحدة من احتمالية جادة لأزمة عاصفة قد تدفع المنظمة الدولية نحو انهيار مالي وشيك ما لم تسدد الدول الأعضاء مستحقاتها.

ووسط هذا التحدي، أطلق الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبر رسالة عاجلة إلى سفراء الدول الأعضاء، تحذيرا من أن الوضع المالي الحالي مختلف جذرياً عن الأزمات السابقة، موضحاً أن السيولة النقدية قد تصل الى نهاية غير مطمئنة بحلول منتصف عام 2026 إذا استمرت الدول في تأخير حصصها  ما قد يهدد تنفيذ البرامج الأساسية ويضع المنظمة أمام خطر انحسار الكثير من أنشطتها.

وتجسد هذه الأزمة تراجعا واضحا في قدرة الأمم المتحدة على التفاعل مع الأزمات الإنسانية والتنموية الكبرى وبرامج الدعم الغذائي، الصحة، التعليم وغيرها من الأبواب المعتمدة وإذا واجهت خطر التوقف، فإن هذا سوف يعيد آلاف الأطفال والنساء إلى دائرة الفقر والجوع، فتوقف التمويل يؤدي إلى تعليق العمليات في مخيمات اللاجئين والمناطق المتضررة من النزاعات، مسببة زيادة في هشاشة المجتمعات المتأثرة وبقاء ملايين الأشخاص دون أي حماية أو دعم.

وكما هو معروف، فإن التمويل القليل لا يؤثر فقط على العمليات الموجودة، بل يحدّ أيضًا من قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات المستجدة، إذ تجاوزت احتياجات الاستجابة الإنسانية حوالي 47 مليار دولار في 2025، لكن التمويل المتاح ظل بعيداً عن ذلك الهدف، مما أجبر المنظمة على إعادة ترتيب أولوياتها لغرض تغطية الاحتياجات الأكثر أهمية فقط. ويكشف هذا الاختبار الصعب هشاشة الالتزامات الدولية ويظهر فجوة بين الحديث عن التضامن العالمي والقدرة الفعلية على تمويله وتغطية كل جوانبه.

هذا الأمر يعكس تفاقم الأزمة المالية، إضافة إلى تغيّرات أعمق في نمط التمويل الدولي، وخلق ظروف اقتصادية صعبة في بعض الدول المانحة، إضافة إلى تراجع أولويات التمويل الخارجي التي أدت إلى انخفاض مساهمات الدول المتقدمة، ما خلق عبئاً على ميزانيات الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها.

وهكذا فإن هذا الواقع يهدد استمرار البرامج الحيوية ويضع المنظمة أمام تحدي مزدوج، الحاجة إلى موارد مالية كافية للحفاظ على عملياتها الأساسية، والحاجة في الوقت ذاته إلى استعادة ثقة الدول الأعضاء والمجتمع الدولي في قدرتها على تحقيق أهدافها.

وبما أن الكثير من الدول بحاجة إلى دعم هذه المنظمة المهمة، فانهيار أي جزء مالي فيها لا يضرها فحسب، بل يضعف قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات أيا كانت، وتراجع التمويل لا يهدد البرامج فقط، بل يهدد مصداقية الأمم المتحدة. من هذا المحفل، فإذا فشلت الدول الأعضاء في سداد التزاماتها المالية، ستصبح المنظمة عاجزة عن أداء دورها الأساسي في حماية حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، مما يترك ملايين المحتاجين في حالة ضياع ويؤزم جهود المجتمع الدولي في مواجهة التحديات الجسيمة.

من جهة أخرى، فعلى المستوى العملي نرى أن تأثير هذه الأزمة المالية على الدول المستفيدة من مساعدات الأمم المتحدة سيكون بالغاً.

إن معالجة هذه الأزمة المالية ليست خياراً، إنما هي ضرورة لضمان استمرار حياة الملايين حول العالم، وعلى الدول الأعضاء والمجتمع الدولي أن يعيدوا النظر في آليات التمويل وتأكيد التزامهم لتعزيز قدرة الأمم المتحدة على الصمود والاستجابة بفعالية للأزمات الإنسانية، وحماية حقوق الإنسان في محاولة رصينة لخلق بيئات مستقرة حتى ولو في حدودها الدنيا.

ومن الجدير بالذكر، لا تزال واشنطن أكبر دائن متأخر في سداد مساهماتها الجارية والمتراكمة للأمم المتحدة، وتشكل النسبة الأكبر من الديون المتأخرة عالمياً.

ووفق أحدث البيانات، فإن الولايات المتحدة تتجاوز مستحقاتها غير المسددة ملياري دولار للموازنة العادية للأمم المتحدة، بالإضافة إلى حوالي 2.4 مليار دولار لعمليات حفظ السلام وغيرها من الميزانيات، أي ما يقرب من 4.6 مليار دولار إجمالًا من الديون.