أزمة عطش تضع إيران على حافة انفجار اجتماعي
طهران - تشهد إيران أزمة مائية غير مسبوقة، تُنذر بتصاعد كبير في الاحتقان الاجتماعي ففي ظل استمرار الجفاف للعام السادس على التوالي، تتجه السلطات الإيرانية نحو فرض قيود على استهلاك المياه، معلنةً بوضوح عن عجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية لسكان طهران.
ولا تعد هذه الأزمة مجرد نتاج لقسوة الطبيعة، بل هي انعكاس لفشل هيكلي وذريع في السياسات التي أدارت موارد البلاد على مدى عقود.
وأكد عيسى بزرك زادة، المتحدث باسم إدارة المياه الإيرانية، أن "الوضع المائي في سدود طهران غير مواتٍ للغاية" بسبب شح الأمطار، مشيراً إلى أن هذه الظروف تضطر السلطات لفرض قيود على الاستهلاك، داعيا الإيرانيين إلى "أخذ إدارة الاستهلاك على محمل الجد"، في محاولة لتحويل مسؤولية الإخفاق الحكومي إلى سلوكيات الأفراد.
لكن المحللين يُجمعون على أن أزمة المياه الراهنة هي أزمة مُركّبة تتقاطع فيها العوامل الطبيعية مع الأخطاء الجسيمة في التخطيط والإدارة، مشيرين إلى أن البلاد لا تعوزها الإمكانيات لإنشاء مشاريع مستدامة تضمن أمنها المائي.
وأهدرت إيران أموالاً طائلة في تسليح أذرعها الإقليمية، مما كان له تأثير سلبي كبير على اقتصادها وخدماتها الاجتماعية، في وقت تشهد فيه نسبة البطالة ارتفاعا لافتا، خاصة بين الشباب، ما أدى إلى تفاقم حالة اليأس.
ويشير العديد من الخبراء إلى أن سوء الإدارة والفساد في قطاع المياه هو السبب الجذري للأزمة، حيث تُدار موارد المياه بعقلية سياسية أكثر من كونها علمية، مما يعيق اتخاذ قرارات حكيمة ومستدامة.
وانتهجت الحكومات سياسة بناء مكثف للسدود دون إجراء دراسات بيئية واقتصادية كافية تأخذ بعين الاعتبار تراجع الموارد. وأدى هذا التخطيط إلى جفاف الأنهار والبحيرات البارزة مثل بحيرة أرومية وتدمير الأنظمة البيئية المحلية بشكل لا رجعة فيه.
وركّزت السلطات على مشاريع نقل المياه باهظة التكلفة من مناطق غنية مائياً (مثل زاغروس وخوزستان) إلى مدن مركزية كأصفهان ويزد وطهران، متجاهلة تحذيرات خبراء من أن تؤدي هذه المشاريع إلى نقل الأزمة بدلاً من حلها، وهجرة السكان من المناطق المُصدِّرة وتغذية نمو العشوائيات في العاصمة.
ويُعتبر القطاع الزراعي المستهلك الأكبر للمياه بنسبة تصل إلى 88 بالمئة من الموارد المائية. وفشلت السياسات في إجراء إصلاحات هيكلية، واستمرت في دعم زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك كالقمح والفستق في مناطق قاحلة.
ويتجاوز معدل استهلاك الفرد الإيراني للمياه المعدلات العالمية بكثير، ولم تُطبق السلطات برامج فعالة لتقليل الهدر أو تحسين كفاءة شبكات التوزيع القديمة والمتهالكة.
وسمحت الحكومات بإنشاء صناعات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه في مناطق تعاني أصلاً من الشح، مما ضاعف الضغط على الموارد المحلية.
وأصبح نقص المياه والكهرباء المحرك الرئيسي للتوترات الاجتماعية المتصاعدة، ما تسبب في اندلاع احتجاجات متكررة في محافظات مختلفة مثل خوزستان وأصفهان، في أوضح دليل على تنامي الاحتقان الاجتماعي.
كما يدفع الجفاف ونقص المياه السكان في المناطق الريفية إلى النزوح الداخلي نحو المدن الكبرى كطهران، مما يزيد من الضغط على البنى التحتية الحضرية ويغذي التوترات الاجتماعية.