أشرف منصور يقدم قراءات في رؤى فلسفية

الوعي الجمعي هو الوعي المشتغل بالرموز وعلى مستوى الرموز، وهو الذي يستخدم الرمز باعتباره مشكلا لرؤية العالم ومحفزا على الفعل. 


الوعي الرمزي عندما يتحول إلى فعل رمزي يتخذ صورة الشعائر


الدين ينبع من المجتمع والمجتمع يفرز الدين

مرتكزا على دور الرمز الديني في تشكيل الوعي الجمعي يقدم أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية د.أشرف منصور في كتابه "الرمز والوعي الجمعي.. دراسات في سوسيولوجيا الأديان" تحليلات سوسيولوجية مباشرة لظواهر دينية خاصة ومحددة وعينية، تستفيد من اتجاهات علم الاجتماع الديني، ولأن المقاربة السوسيولوجية المباشرة للظاهرة الدينية تحتاج لأكثر من كتاب، فقد فضَّل المؤلف الاستعانة بمعالجات اجتماعية للظاهرة الدينية ليستخلص منها السوسيولوجي الكامن تحت الديني، ولذلك استعان بدراسات "سبينوزا وهيجل وتوينبي وحسن حنفى" للأديان، كوسائط يتكشف فيها المنطق الاجتماعى المحدد والحاكم للظاهرة الدينية.
ارتباط الرمز الديني والوعي الجمعي يأتي - وفقا لمنصور - من كون التقديس ينصب على الرمز؛ وفعل التقديس نفسه هو صانع الرموز، كما أن الدين باعتباره وعيا جمعيا هو الوعي الرمزي عن جدارة، ذلك لأن الوعي الرمزي عندما يتحول إلى فعل رمزي يتخذ صورة الشعائر، والوعي الجمعي هو الوعي المشتغل بالرموز وعلى مستوى الرموز، وهو الذي يستخدم الرمز باعتباره مشكلا لرؤية العالم ومحفزا على الفعل. ولا يمكن توجيه الجماهير إلا من خلال وعيها الجمعي، والرمز هو أداة هذا التوجيه الأساسية سواء توجيها إيجابيا أو سلبيا.

منهجية حسن حنفي الفينومينولوجية تمزج بين الملامح الهوسرلية والملامح الهيجلية جعلته يتبنى تطوير فويرباخ لفينومينولوجية هيجل وخاصة لتحليل هيجل للوعي الشكي في صورة فينومينولوجيا للوعي الديني المغترب في "جوهر المسيحية"

ما هي سوسيولوجيا الأديان؟ السؤال الذي افتتح به منصور كتابه موضحا أنها الدراسة الاجتماعية للأديان والتي تردُّ الظاهرة الدينية إلى أسسها الاجتماعية، فالدين ظاهرة اجتماعية، والمؤسسات الدينية جزء من المجتمع، والدين ينبع من المجتمع، والمجتمع يفرز الدين. ولا يعني هذا أن سوسيولوجيا الأديان تنكر المصدر الإلهي للدين، أو تنكر الوحي والنبوة والكتب المقدسة بل على العكس تماما، إذ هي تعترف بكل ذلك، ولكنها في الوقت نفسه تهدف إلى البحث في التأثير الذي يحدثه الدين في المجتمع، والمجتمع في الدين، والظروف التي تمكن دينا من الانتشار في مجتمع ما، والتي تجعل دينا آخر لا ينتشر.
ورأى أن سوسيولوجيا الأديان تبحث في الشروط الاجتماعية لانتشار الأديان في المجتمعات المختلفة، كما تدرس الجماعة الدينية ذاتها باعتبارها جزءا من المجتمع، كيفية تكونها، والآليات التي تحكم تأسيسها وتطورها، وأنماط الفعل والسلوك التي تدعمها أو ترفضها. صحيح أن الوحي يأتي من السماء لكنه لا يبقى في السماء بل ينزل إلى الأرض، أي ينزل في تاريخ معين، في عصر معين، في بيئة ومنطقة جغرافية معينة، في مجتمع معين، وسوسيولوجيا الأديان تدرس هذا المجتمع الذي يشكل أرضية نزول الوحي، وطرق تحويله إلى نظم ومؤسسات وموجهات للفعل، كما تدرس آليات فهم وتفسير الدين طالما كانت محددة اجتماعيا. يأتي الوحي من السماء، وعندما ينزل على الأرض يتحول إلى برنامج عمل وإلى تنظيم للمجتمع وإلى مؤسسات اجتماعية، أي يصير ظاهرة اجتماعية مثل باقي الظواهر الاجتماعية الأخرى، ومن هذا الاعتبار تدرسه سوسيولوجيا الأديان.
ركزت دراسات الكتاب على الأديان السماوية الثلاثة، حيث هدفت الدراسة الأولى "نقد سبينوزا وهيجل لليهودية ودلالالته السوسيولوجية" والتي أوضح فيها منصور أن سبينوزا في مؤلفه "رسالة في اللاهوت والسياسة" نقد أسفار العهد القديم سفرا سفرا نقدا تاريخيا دقيقا، ولم ينقد العهد القديم باعتباره نصا فقط بل نقده باعتباره مصدر الديانة اليهودية، فإذا طالعنا رسالته رأيناه يمارس نقدا وثائقيا وتاريخيا للأسفار، ونقدا عقلانيا وفلسفيا للديانة اليهودية نفسها ولكل عناصرها الأساسية، النبوة والشريعة والكهنوت. كانت رسالة سبينوزا هذه بداية لاتجاه في النقد التاريخي للكتب المقدسة وللأديان بوجه عام".
نقد سبينوزا وهيجل للدين مؤكدا أن نقدهما للدين متكاملان ويتفقان مع بعضهما البعض "إن نقد هيجل يكمل نقد سبينوزا ويفترضه، فسبينوزا يوضح كيفية تحول اليهودية إلى دين وضعي يؤمن بأن اليهود شعب مختار، ويؤمن بقداسة النصوص ويخضع لمؤسسة دينية كهنوتية، وهذا هو نفس ما قام به هيجل أيضا، لكنه يقوم بخطوة أبعد ويوضح أن المسيحية نفسها قد تحولت إلى أن أصبحت نوعا آخر من اليهودية، فهو يدرس كيفية تحول المسيحية نفسها إلى دين وضعي تتحكم فيه مؤسسة كهنوتية بعد أن كانت في بدايتها تحارب الكهنوت اليهودي".
وأضاف "مارس كل من سبينوزا وهيجل نقدا فلسفيا لليهودية كان متفقا مع نظريتهما للدين عامة ومع فلسفتيهما العقلانية خاصة، مع روح عصر التنوير الذي رفض الخرافات والأفكار الميتافيزيقية، وأي نوع من السلطة على العقل. والحقيقة أن كثيرا من النظريات السوسيولوجية حول الدين في القرن العشرين جاءت لتثبت صحة نقدهما للدين وتدعمه بتفسيرات سوسيولوجية للظواهر الدينية ترجعها إلى أصولها الاجتماعية.
ولفت منصور إلى أن اليهودية شكل من أشكال الوعي يجد التعبير عنه في الجزء المتعلق بالوعي الشقي في كتاب هيجل "فينومينولوجيا الروح". والحقيقة أن هيجل لا يصف اليهودية وحدها بشقاء الوعي بل كل وعي ديني مغترب. يأتي تحليل هيجل للوعي الشقي بعد مناقشته للرواقية والمذهب الشكي باعتبارهما شكلين من أشكال الوعي، تقوم الرواقية على النظر إلى الذات على أنها حرة، وحريتها هذه تتلخص في الايمان بذاتها فحسب: "إن الوعي بالذات في الرواقية هو الحرية المجردة المقصورة على ذاتها" أي المعتبرة ذاتها حرة، وهذه الحرية تتمثل في انعزالها عن العالم والآخرين، وهي حرية الفكر المجرد على وجه الخصوص. أما المذهب الشكي فتتمثل حريته في نفي الآخر والنظر إلى هذا الآخر على أنه ينفي حريته، سواء هذا الآخر ينتمي إلى عالم الطبيعة أو عالم الإنسان. ومن هنا تظهر علاقة السيادة والعبودية، فالآخر ينظر إليه على أنه إما ينفي حرية الذات في حالة العبد، أو أن نفي حريته هي شرط لحرية الذات في حالة السيد".

وقال إن الوعي الشقي في انتقال هذه العلاقة المزدوجة من السيادة والعبودية من الخارج إلى الداخل، وبذلك تنقسم الذات على نفسها نتيجة هذه العلاقة، فالوعي الشقي هو حضور ازدواجية السيد والعبد في وعي واحد، فهو ببساطة العبد، أما السيد فهو الإله، ولا ينجح الوعي الشقي في الشعور بذاته إلا باعتباره معتمدا على هذا الوعي الآخر الإلهي، ومن هنا يظل شقيا، فلا هو ينجح في إدراك ماهيته الحقة في استقلال عن ماهية الإله، ولا هو ينجح في الذوبان والفناء في ماهية الإله. وبذلك تحط اليهودية من الوعي الإنساني وتعلي من شأن الوعي الإلهي وتتسامى به، ويكون هذا التسامي على حساب الوعي الإنساني، فالإله في الوعي اليهودي الشقي ينزل منزلة السيد والرب المطلق، أما الإنسان فهو العبد والشيء العارض الذي لا يستطيع التفكير في نفسه دون إنكارها".
وتناولت باقي دراسات الكتاب الإسلام كما تعاملت معه أعمال توينبي وحسن حنفي، حيث تكشف دراسة توينبي للتاريخ الإسلامي عن جانب سوسيولوجي مهم، "نفهم من توينبي أن الحضارة الإسلامية قد انهارت منذ زمن طويل إذ أن اللحظة التي انهارت عندها تقع بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين اللذين شهدا الحروب الصليبية وهجمات التتار، وبعد انهيار الحضارة تأتي مرحلة اضمحلالها وتحللها الطويلة والبطيئة والمستمرة حتى الآن. ولا يدرك أفراد المجتمع المتحلل أن مجتمعهم يمر بهذه المرحلة إلا بعد فوات الأوان، ذلك لأن وعيهم بما يصيب مجتمعهم من انهيار سوف يدفعهم نحو مواجهة هذا الانهيار وإنقاذ مجتمعهم، وبذلك يصبح مظهر الانهيار الذي تعاملوا معه تحديا عاديا دفعهم نحو المزيد من الاستجابة المبدعة، ولكن أولى علامات الانهيار الحقيقي في المجتمع هي عدم وعي الأفراد به".
وفي دراسته الثالثة "حسن حنفي والقراءة الفينومينولوجية" استهدف منصور الكشف عن الملامح الهيجلية والملامح الهوسرلية لتطبيقات المنهج الفينومينولوجي ورصدها والتمييز بينها بدقة لدى حسن حنفي، وتكشف تطبيقاته عن التوتر والتحرك بحرية وأحيانا المزج بين الممارسة الهيجلية والممارسة الهوسرلية للفينومينولوجيا، إذ لاحظنا على ممارسة حنفي للفينومينولوجيا ذلك التواجد المتوازي للطابع الهيجلي والطابع الهوسرلي للفينومينولوجيا. وفي استخدام للفينومينولوجيا يستمر حنفي في التوسع في الشكل الذي انتهت إليه فينومينولوجيا هوسرل في "أزمة العلوم الأوروبية" أي بعد أن وسعها هوسرل حتى تشمل موضوعات الوعي التاريخي والأزمة الروحية للغرب وانعكاسها على علومه. 
مشروع حسن حنفي إذن هو فينومينولوجيا لأزمة علوم التراث العربية باعتبارها كاشفة عن الأزمة الحضارية للمسلمين في مقابل فينومينولوجيا أزمة العلوم الأوروبية عند هوسرل".
ولفت إلى أن مشروع حسن حنفي ابتداء من رسالة الدكتوراه في الستينيات مرورا بأعمال في السبعينيات وحتى "من العقيدة إلى الثورة" في الثمانينيات نلاحظ أن منهجيته الفينومينولوجية تمزج بين الملامح الهوسرلية والملامح الهيجلية جعلته يتبنى تطوير فويرباخ لفينومينولوجية هيجل وخاصة لتحليل هيجل للوعي الشكي في صورة فينومينولوجيا للوعي الديني المغترب في "جوهر المسيحية"، ولذلك نراه في "من العقيدة إلى الثورة" يمارس ردا لمباحث علم أصول الدين إلى الوعي الإنساني، بعد أن كان الوعي الإلهي هو المسيطر على المصنفات القديمة في ذلك العلم، مع استخدام لطريقة تحليل الوعي الديني باعتباره وعيا مغتربا الذي هو في حقيقته وعي إنساني ملحق بالإله. فما يحكم منهجية حسن حنفي تقنية فينومينولوجية هوسرلية تمكنه من التعامل مع علوم التراث على أنها كاشفة عن أشكال في الوعي، وذلك كله في إطار أوسع يتعدي نطاق فينومينولوجيا هوسول يستخدم فيه مقولات وتقنية نقد الوعي الديني المغترب الظاهرة في الفينومينولوجيا الهيجلية ـ الفوبرباخية".