أقاليم ليبيا الجديدة قنبلة موقوتة تهدد بانقسامات أعمق

الدعوات المتزايدة لتأسيس أقاليم جديدة تثير مخاوف بشأن مستقبل وحدة البلاد في ظل الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة المركزية.

طرابلس - أقدم محتجون على غلق مقر المجلس البلدي بني وليد ليل الأحد - الإثنين، رفضا لانضمام البلدية إلى إقليم الوسطى، وذلك بعد مبادرات متتالية لتأسيس أقاليم جديدة في ليبيا أثارت مخاوف واسعة من دخول البلاد في سباق تقسيم، قد يعمّق الانقسام السياسي والجغرافي.

ومساء الأحد، عقد المجلس البلدي بني وليد اجتماعا دعا فيه إلى "وحدة الصف"، مؤكدا حق أبناء المدينة في التعبير عن رأيهم بحرية، "شريطة أن يكون ذلك بالطرق السلمية والقانونية التي تضمن الحفاظ على السلم الأهلي والممتلكات العامة والخاصة".
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا مقاطع فيديو تظهر رفض المحتجين فتح مبنى المجلس البلدي الى حين التراجع عن القرار.

وسبق أن أعلنت بلديات مصراتة وبني وليد وترهونة في الثامن من يونيو/حزيران الجاري، ميلاد إقليم المنطقة الوسطى رسميًا، مؤكدة في بيان مشترك أنه خطوةٍ تعكس رؤيةً طموحةً نحو تعزيز العمل المشترك، وتوحيد الجهود، وترسيخ مسارٍ يستند إلى أهدافٍ واضحةٍ وتطلعاتٍ مستقبليةٍ واعدة.

وقبلها بيومين، أصدر المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة في بني وليد، بيانا رفض فيه انضمام البلدية لإقليم الوسطى تحت أي مسمى "سواء الترويج له كإقليم رابع سياسي أو إداري أو تنظيمي او خدمي"، محذرا من المخاطر التي تهدد "وحدة الوطن".

وبعد أن أعلنت مدينة مصراتة عن تأسيس ما سمّي ب"إقليم المنطقة الوسطى"، خرجت أصوات سياسية واجتماعية أخرى تتحدث عن مشاريع مماثلة في مناطق أخرى، حيث أعلن السياسي ورئيس حزب القمة عبدالله الناكر، عن قرب تأسيس "إقليم الحمادة الكبرى".

وأثارت الدعوات المتزايدة لتأسيس أقاليم جديدة في ليبيا جدلاً واسعاً ومخاوف متصاعدة بشأن مستقبل وحدة البلاد، في ظل الانقسام السياسي المستمر وضعف مؤسسات الدولة المركزية.
ويرى مراقبون أن هذه المبادرات، التي تُطرح تحت عناوين التنمية المحلية وتوزيع السلطة والثروة، قد تحمل في طياتها مخاطر كبيرة إذا تحولت إلى مشاريع سياسية ذات طابع جهوي أو انفصالي.

وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني من انقسام المؤسسات بين الشرق والغرب، ومن تعثر الجهود الرامية إلى توحيد السلطة وإجراء انتخابات شاملة تنهي المرحلة الانتقالية الطويلة. ويخشى كثيرون أن يؤدي فتح ملف الأقاليم في الظروف الحالية إلى تعميق حالة الاستقطاب بدلاً من معالجة أسبابها.

ومن أبرز التداعيات المحتملة لهذه الخطوة تعزيز الهويات الجهوية والقبلية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. فمع تصاعد الخطاب الإقليمي قد تتزايد المطالب الخاصة بكل منطقة، ما يضعف الشعور بالانتماء إلى دولة موحدة ويخلق تنافساً بين الأقاليم حول النفوذ السياسي والموارد الاقتصادية، وخاصة عائدات النفط والغاز التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.

كما قد يؤدي تعدد المشاريع الإقليمية إلى تعقيد المشهد السياسي وإضافة مراكز قوى جديدة إلى الساحة الليبية، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود التوصل إلى تسوية وطنية شاملة. فبدلاً من تقليص الانقسام القائم، قد تنشأ خلافات جديدة حول حدود الأقاليم وصلاحياتها وآليات توزيع الثروات والتمثيل السياسي.

ويحذر خبراء من أن أي توجه نحو إعادة تشكيل الخريطة الإدارية أو السياسية للبلاد دون توافق وطني واسع قد يفتح الباب أمام صراعات محلية بين المدن والقبائل والمكونات الاجتماعية المختلفة. كما قد تستغل بعض الأطراف الداخلية والخارجية هذه الانقسامات لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الخاصة، الأمر الذي يهدد الاستقرار الهش الذي تشهده ليبيا.

في المقابل، يرى مؤيدو فكرة الأقاليم أن اللامركزية قد تسهم في تحسين الخدمات والتنمية وتقريب القرار من المواطنين، إلا أن نجاح مثل هذه المشاريع يتطلب وجود دولة قوية ومؤسسات موحدة وإطار دستوري واضح يحدد العلاقة بين السلطة المركزية والإدارات المحلية، وهو ما لا يزال غائباً حتى الآن.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المخاوف من أن تتحول مبادرات إنشاء الأقاليم إلى مقدمة لتكريس الانقسام أمراً حاضراً بقوة في النقاش الليبي. فالمعضلة لا تتعلق بفكرة اللامركزية بحد ذاتها، بل بتوقيت طرحها وطبيعة البيئة السياسية التي تشهد انقسامات حادة وصراعاً مستمراً على السلطة والموارد. لذلك يرى كثير من المراقبين أن الأولوية ينبغي أن تبقى لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق توافق وطني شامل يحفظ وحدة ليبيا ويمنع انزلاقها نحو مزيد من التشظي.