أموال طهران المجمدة تُفخّخ مسار الاتفاق مع واشنطن

القيادة الإيرانية ترى أن البلاد تحتاج بصورة عاجلة إلى موارد مالية كبيرة لمواجهة التداعيات الاقتصادية التي خلفتها الحرب والعقوبات، فضلاً عن تمويل جهود إعادة الإعمار.

طهران - لم يعد الجدل بين إيران والولايات المتحدة يقتصر على البرنامج النووي أو ترتيبات الأمن الإقليمي، إذ برزت قضية الأصول المالية الإيرانية المجمدة باعتبارها واحدة من أكثر نقاط الخلاف تعقيدًا في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب التي اندلعت بين الطرفين مطلع عام 2026 والتوصل إلى اتفاق سلام شامل.
ومع دخول الاتصالات غير المباشرة مرحلة حساسة، باتت طهران تنظر إلى استعادة أموالها المحتجزة في الخارج باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لجدية أي تسوية سياسية، بينما تتمسك واشنطن باستخدام هذه الأصول كورقة ضغط لضمان تنفيذ التزامات إيرانية تتعلق بالملف النووي والأمن الإقليمي.
وكشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن الخلاف بشأن الأموال المجمدة دفع المفاوضات إلى مرحلة شديدة التعقيد، بعدما أصرت إيران على أن يتضمن أي اتفاق مرتقب الإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها منذ المراحل الأولى للتنفيذ. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن هذا المطلب أصبح أحد أبرز أسباب اتساع الفجوة بين الجانبين خلال الأسابيع الأخيرة.
وبحسب المعطيات المتداولة، ترى القيادة الإيرانية أن البلاد تحتاج بصورة عاجلة إلى موارد مالية كبيرة لمواجهة التداعيات الاقتصادية التي خلفتها الحرب والعقوبات، فضلاً عن تمويل جهود إعادة الإعمار وإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والخدمية. ولهذا السبب ترفض طهران ربط حصولها على الأموال بسلسلة طويلة من الشروط أو المراحل التنفيذية.
وفي محاولة لتجاوز الأزمة، طرح وسطاء إقليميون عدة صيغ وسطية، من بينها إنشاء صندوق مالي مخصص للأغراض الإنسانية يسمح باستخدام جزء من الأموال في استيراد الأدوية والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية. غير أن هذه المقترحات لم تلق قبولاً كاملاً من الجانب الإيراني الذي يطالب بإمكانية الوصول المباشر إلى الأموال واستخدامها وفق أولويات الحكومة الاقتصادية.
وكانت المناقشات أظهرت وجود خلافات حول الأموال الإيرانية الموجودة في قطر. حيث رفضت الدوحة الأسبوع الماضي طلبًا إيرانيًا يقضي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن نحو 12 مليار دولار من الأصول المجمدة، مفضلةً طرح آلية أكثر تقييدًا تسمح بالإفراج عن جزء من المبلغ مع تحديد أوجه الإنفاق المسموح بها.
وفي المقابل، ترفض الإدارة الأميركية منح طهران مكاسب مالية كبيرة قبل الحصول على ضمانات ملموسة بشأن الملفات التي تعتبرها جوهرية. وتخشى واشنطن أن يؤدي الإفراج السريع عن مليارات الدولارات إلى منح إيران قدرة أكبر على إعادة بناء قدراتها العسكرية أو تعزيز نفوذها الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هذا المنطلق، تصر الولايات المتحدة على أن يكون تحرير الأصول المجمدة جزءًا من عملية تدريجية ترتبط بخطوات قابلة للتحقق، تشمل التزامات تتعلق بمستقبل البرنامج النووي، ومستويات تخصيب اليورانيوم، والترتيبات الأمنية الخاصة بالممرات البحرية ومضيق هرمز.
ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف لا يكمن فقط في حجم الأموال أو أماكن وجودها، بل في التوقيت وآلية الصرف. فإيران تريد الاستفادة من العائد الاقتصادي للسلام منذ لحظاته الأولى، معتبرة أن أي اتفاق لا يوفر انفراجة مالية عاجلة سيكون فاقدًا لقيمته السياسية والاقتصادية. أما واشنطن فترى أن منح هذه الأموال مسبقًا قد يفقدها أهم أدوات الضغط المتبقية لديها.
ويستحضر المسؤولون الإيرانيون تجارب سابقة شهدت خلافات حول تنفيذ الالتزامات الاقتصادية بعد الاتفاقات السياسية، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بضمانات مالية واضحة قبل تقديم تنازلات إضافية. في المقابل، تخشى الإدارة الأميركية من تكرار سيناريوهات تعتبر أنها منحت خلالها امتيازات اقتصادية دون الحصول على ضمانات كافية بشأن السلوك الإيراني مستقبلاً.
ورغم استمرار أهمية الملف النووي في رسم ملامح التسوية المرتقبة، فإن قضية الأموال المجمدة تبدو اليوم أقرب إلى العقدة الرئيسية التي قد تحدد مصير المفاوضات بأكملها. فبينما تنظر إليها طهران باعتبارها استحقاقًا سياديًا وثمنًا ضروريًا لإنهاء الحرب وإطلاق عملية التعافي الاقتصادي، تعتبرها واشنطن وسيلة لضمان تنفيذ أي اتفاق وعدم تحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة.
ومع استمرار التباعد بين الموقفين، تتزايد المؤشرات على أن أي اتفاق سلام نهائي لن يقتصر على الترتيبات الأمنية والنووية فحسب، بل سيتطلب أيضًا تفاهمًا ماليًا معقدًا يحدد حجم الأموال التي سيتم الإفراج عنها ومواعيد ذلك والجهات المشرفة على استخدامها، ما يجعل ملف الأصول المجمدة أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مستقبل العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.