'أنا والقاتلة وظلالنا' حين تتمرّد الشخصيات على الكاتب
إنّ المتمعن في هذه المجموعة القصصية لا يمكنه أن يتوقف عن التفكير في أبعادها النقدية ومختلف المشاغل المعاصرة التي طرحتها الكاتبة.
الجمعة 2025/12/26
صدرت حديثا المجموعة القصصية "أنا والقاتلة وظلالنا" للأديبة حفيظة قارة بيبان عن دار نقوش عربية 2025. وهذا المولود الأدبي الجديد ينضاف إلى قائمة المؤلفات العديدة السابقة التي أصدرتها الأديبة بنت البحر، ويضم أربعَ عشرةَ أقصوصةً معنونةً لا تكادُ تُنهي واحدة منها حتى تواصل قراءة كامل الأثر، فهو يستدرجُ القارئ عبر العتبات التي تمّ اختيارها بعناية فائقة لتبعث الحيرةَ وتُذكي الفضولَ.
وقد جاء في عتبة التصدير قول كازنتزاكيس: "لقد سقطتُ جريحا ووقعتُ في الحب ولم أهرب" محيلا على الإصرار والثبات على المبدأ وعدم التراجع رغم الجراح. فالكاتب الفيلسوف يتحدى ضعفه ويواصل مسيرته لتحقيق هدفه في الحياة. يضعنا التصدير على أرضية قيميّة واضحة، لَبِناتُها العزيمة والإصرار والتحدي. إننا إزاء مغامرة أدبية فيها الكثير من التحدي والتشويقِ ومواجهةِ الصعابِ ونكاد نُوقن أن لا نجاةَ لنا في البقاء على الحياد والاكتفاء بالبحث عن متعة القراءة، لأننا سنخوض مع الشخصيات ما خاضته من تجاربَ وسنبحث معها عن القاتلة ونتتبع ظلالها دون أن نخشى ما سيؤول إليه البحث. فالمهمّ هو اكتشافُ الحقيقة والخروجُ من منطقة الظل والظلام إلى النور والحقّ. ولتحقيق هذه الغاية علينا دراسة خصائص المكان حتى نساعد الشخصيات على النجاة.
الشخصية القصصية تتمرّد على الكاتب:
تمثل الشخصيةُ مع الحدثِ العمودَ الفقريّ للحكاية، لذلك تُدرس في إطار الحكاية (معجم السرديات ). ويُعرّف فيليب هامون الشخصية في كتابه "سميولوجية الشخصيات الروائيةَ" بأنها علامة فارغة أي هي بياض دلالي لعدم انتظامها داخل نسق محدد. لا شك في أن الشخصية السردية تنشأ من خلال عملية بناء عقلي يضطلع بتركيبها القارئُ، انطلاقا من مجموعة من السمات النفسية والاجتماعية التي يختارها المؤلف وكذلك من خلال ما تنجزه الشخصية من أعمال تساهم في تطور نسق الأحداث و بلوغ النهاية المقصودة من السرد. ويرى هنري برجسون "أنّ الشخصية هي الكاتب الذي ظل في بعض تجربته في حالة كُمُون".
إن مدلول الشخصية أو قيمتها حسب دي سوسير "لا يتشكل فقط من خلال موقعها داخل العمل السردي ولكن من خلال شبكة علائقية تنسجها مع بقية الشخصيات الأخرى".
وبالعودة إلى المجموعة القصصية أنا والقاتلة وظلالنا لا يمكن أن نتغافل عن أهمية تطور البناء الفني لأغلب الشخصيات في هذه المجموعة، فالشخصية القصصية تتمتع بحرية فائقة، كيف لا وهي تختار مصيرها بنفسها بل تتحدى المؤلّفةَ وتُحاسبها على ما فعلته بها؟
في أقصوصة "أنا القاتلة" اختارت المؤلفةُ/الساردة التي خلقت بطلَ القصة أن تُنهي حياته مُردّدة "سأقتله" وتبحث له عن ميتة تبدو طبيعية وتفكر في الاستنجاد بأثر معروف تستوحي منه حيلة للقتل. غير أنها تفاجأ بنهاية غير متوقعة فقد هجمت العاصفة وفتحت الريح النافذة وساحت الشخصية بفعل المطر المتهاطل على المكتب. وإذا بالمؤلفة تتأثر لنهاية بطلها وتهرول لإنقاذه .. أيّةُ نهايةٍ هذه التي اختارها القدرُ للبطل؟ وأين ذهبت سُلطةُ الكاتب إذا سمح للشخصية أن تتمرد عليه وتختار مصيرها بنفسها وتخطّ النهايةَ تقدُّها على هواها؟
أما في أقصوصة "الجريمة"، فالعلاقة بين المؤلف والشخصية التي أنشأها بفنه وإبداعه ترقى إلى صفة الواقعية وكأن البطل كائن بشري حقيقي من دم ولحم، تارة يتجسد في شخصية راكب داخل سيارة الأجرة يجلس بجوار الكاتب وطورا يتماهى مع شخصية الجارة المهاجرة وهو يحاور صانعه ويحاسبه "لماذا فضحتني؟" بهذه الخصال والأفعال التي أسبغتها الكاتبة على شخصياتها تكسرُ النمطية والرتابة المألوفة في بناء الشخصية وفي علاقة المؤلف بالشخصية على حد السواء.
لقد تحوّل المؤلف إلى ضحية للشخصية التي خلقها وقدّها من إبداعه وخياله، ذلك أنه انتهى قتيلا على يد بطلته التي تركته في مسرح الجريمة وسط حيرة الجميع ولاذت بالفرار دون أن ينتبه إليها أحد من الحاضرين، وكيف لهم أن ينتبهوا إليها وهي "كائن من ورق لا وجود له إلا في مخيلة الكاتب" حسب عبارة "بارت". لم تعد الشخصية خاضعةً للكاتب تتقمص ما شاء لها من أدوار وتنتهي إلى المصير الذي حدده لها مسبقا بل أصبحت هي الفاعلة المطلقة تحاسب الكاتب على ما فعله بها وتختار مصيرها بنفسها، إنها مطلقةُ الحرية تنسلخ عن البناء التقليدي وتفتح الباب واسعا بين عالميْ الواقعيّ والمتخيّل.
هكذا أرادت الأديبة حفيظة قارة بيبان، أرادت أن تُعتقَ شخصياتها من ربقة سلطة المؤلف وأن تمنحها حرية اختيار المصير وحق محاسبة من قيّدها وشدّ وثاقها برباط القصّ لتنطلق في عالم أرحب أكثر عدلا وإنصافا، فكل شخصية في هذه المجموعة القصصية إنما هي نسج جديد يتخلّق أمشاجا من نضج التجربة الأدبية للكاتبة التي تحولت الحروف على يديها إلى خيول تصهل وتتسابق تغرس حوافرها عميقا في التراب وترفع رأسها عاليا في السماء تُناشد الحرية والعدالة.
المكان يتّسع بالشوق:
في هذه المجموعة القصصية "أنا والقاتلة وظلالنا" وصف دقيق مفصّل لأمكنة كثيرة مختلفة. وصف مُحمّل بعديد المشاعر والانفعالات التي عاشتها كل شخصية باختلاف التجارب التي خاضتها فنلاحظ بكل وضوح تحول المكان من مجرد إطار حاضن للأحداث يشدّ بقية أركان القصّ إلى رمز دقيق ومهمّ في أغلب الأقاصيص. كما نتبين في أقصوصة "البوّابة" مثلا استحواذ الإطار المكاني على حيّز كبير من القصّ وبقدر وافر من الوصف المدقّق ومن خلاله تتوضّح الملامح النفسية والاجتماعية للسارد فالبوابة "عريضة وعالية وموصدة" وهي تتكون من ألواح طويلة عتيقة... ولا قفلَ يبدو ولا حلقة للطَّرق ولا جرس". مباشرة بعد هذا الوصف وما اكتنف المكان من غموض يتقدّم السارد لدفع البوابة متوقعا فتحها لرؤية بقية تفاصيل المكان: البيت الكبير وأشجار البرتقال والجابية ...
وبذلك يساهم المكان في الكشف عن باطن الشخصية وتصوير توقعاتها بل أكثر من ذلك وأعمق، فقد كان عنصر المكان متحكما في البنية الزمنية للأحداث التي خرجت عن الخطية وتجاوزت الزمن الواقعي ليسيطر الزمن النفسي للسارد وهو يحاول استرجاع ذكريات الماضي ويزداد شوقا ولهفة لمُعانقة لحظاته السعيدة الآفلة.
أمكنة أخرى تخفيها البوابة تزيد شوق الراوي الذي سرعان ما يرحل إلى زمن سابق للحكي قبل عشرين عاما مسترجعا ذكريات غبرت ملامحها ولكنها بقيت منقوشة في الذاكرة. في توزّع الوصف بين زمنين: البوابة في الماضي / البوابة في الحاضر ثمّ يغوص الراوي في تصوير باطن الشخصية وما تعيشه من تداخل بين عالميْ الواقع والذكرى. وأحيانا يخترق القصّ حدود المعقول ليجسّد بعض الخيالات التي تتراءى للشخصية فتغادر المكان مسرعة بعد أنّ شُجّ رأسها من قبل قريبها العائد من الخارج بعدما ضاع عقله مع الأرض. لقد توشّح المكان بالغموض وكثرة الظلال مما شتّت ذهن السارد.
لقد أصبح المكانُ الفاعلَ الرئيسيّ المتحكم في مسار الأحداث وهو أيضا المحدد لملامح الشخصية التي استسلمت لسطوة الزمن دون أن تدرك لماذا تمزّق البستان بين المتخاصمين؟ هل لأنّ الأرض مشؤومة كما يقال؟ أم لأنّ جريمة غامضة اُرتكبت و القاتلة بقيت مجهولة.
إنّ المتمعن في هذه المجموعة القصصية لا يمكنه أن يتوقف عن التفكير في أبعادها النقدية ومختلف المشاغل المعاصرة التي طرحتها الكاتبة فقد أحكمت البناء الفنّي للقصص وحرّرت أبطالها من سلطة الكاتب، لكنها أوقعتنا ـ نحن القرّاء ـ في شِراك الحيرة فلا نعلم إلى أيّ مدى نجحنا في الخروج من منطقة الظلّ؟ ولا كيف يمكن ملاحقة القاتلة؟