أنشودة الفتى الصاوي

خالد الصاوي كتب شعر الفصحى والعامية ومقالات التحليل السياسي للأحداث القريبة والبعيدة لكنهُ كان يقول عن هذه الصيغ والأشكال الكتابية هي تدريباتٌ على الكتابة.


خالد المدرك لقوة وفلسفة أن طاقة الحياة هي نقيض انكسار الموت بلا مواربة، لا يستسلم أبداً


الأديب الراحل كان يقطر إنسانية متجددةً وعفيةً وبساطةً عجيبة ًوزهداً وحباً للبشر

تماهياً مع توجه وفلسفة، بالأحرى مع روح عبارة "عطر الأحباب" المكتنزة بالقدرة على استعادة الروح والبريق والزمن، أجد حواسي تتوهج وتتهيأ لرؤية خالد وشم رائحته المصرية النافذة ولمس خطوته القوية وخياله الواثق، ثم الإسراع بمد الكف لتقبض كفه عليها وتصحب روحي للوقوف على نيل بني سويف والتلويح للصيادين المشرقين وتشجيعهم والغناء معهم ثم العودة في طريق لا تفضل إلا الفقراء والراضين بالفتات  لتلمع عيون الفتى وينتفض قلبه وهو يقبل جبين الكهل الذي يرتاح من عمله في حمل الخرسانة جوار حائطٍ مرسوم عليه "حج مبرور وذنب مغفو".
الجميع هنا يعرفونه فلا تندهش في كل مرة، في القرى وفي المراكز، في ردهات المؤسسات الثقافية والمصالح الحكومية والأحزاب. في السرادقات المبتهجة والأخرى الحزينة، وفي المستشفيات خصوصاً، حتى من قبل أن يبدأ رحلته الأسطورية مع المرض كان يحس بدبيب غامض يسوقه للمرضى ليس لمجرد التربيت على ألمهم وإنما للدفاع عن الإنسانية الموجوعة التي يمثلونها، فكم مسيرة نظمها هذا الرجل وكم بياناً دبّجه ليتم إقرار قوانين التأمين الصحي أو للتصدي لمافيا الدواء، وقس على ذلك نضالات لا تنتهي بإزاء حقوق المعلمين وضد من يقتلون البشر من أصحاب مصانع الإسمنت القريبة من البيوت أو حقوق الفلاحين أو العمال أو المرأة الخ الخ .. لتتساءل في كل مرحلة من مراحل معرفتك به: ماذا يفعل خالد الصاوي. أو ما الذي لا يفعله خالد الصاوي؟ فأجد ردي على نفسي يشبه تماماً معنى ومبنى رد الكثيرين "هذا الرجل قبيلةٌ وحده" ويظل اندهاشي الدائم من ديناميته الهائلة ومن يقينه الحديدي بوطنه وفقرائه وبالثقافة التي يراها حائط صد يحمي الروح العبقرية السارية فينا ثم بقلبه الذي فاجأني وهو يبكي بعد أن كتبت عنه مقالة ونشرتها.. قلب طفل يا خالد؟ 
أنت الذي أسير إلى جواره مطمئناً مستعيداً إحساس خطواتي جوار أبي الراحل ثم مع الحبيب المخطوف في زهرة شبابه محمد ربيع الروائي والإنسان المختلف. أنا الخائف الدائم عوضتني يا أخي عنهما وعن رعبي الذي توحش بعدهما بأمانٍ سيظل نقطة ضعفي ومبتغاي وسؤلي. لكنك تُعَلِّمني وكأنك تشير لطفل على القمر: اتبع قلبك لتنجو وانظر في إصرارٍ للسماء تجدها بين يديك. فهل وعيتُ أنا وصرتُ غيري؟

خسرتُ من كنت أرفع عيني وأنظر في عين الشمس وأنا بجواره ناسياً جبروتها وقسوتها، الذي كان يقطف كروم الدنيا كلها ويعطينا خبزه ودمه لنحيا

كتب خالد شعر الفصحى والعامية ومقالات التحليل السياسي للأحداث القريبة والبعيدة، لكنهُ كان يقول عن هذه الصيغ والأشكال الكتابية هي تدريباتٌ على الكتابة، عقلي وروحي في مكان آخر. كان يعلم أن وعيه النقدي يتوهج مع الأسئلة الشائكة وإعادة اختبار اليقينيات ووضعها في أتون سؤال الهوية والحضارة والنهضة، وهكذا ترك أبحاثاً وصفحات متناثرة يتقاطع فيها ويتشابك مع نصر أبوزيد وحسن حنفي ومحمد شحرور ومحمد عابد الجابري والطيب تيزيني والعفيف الأخضر وغيرهم في قراءاتهم للدين وتموضعاته في عالمنا الآني، ثم كان نشاطه النقدي المحموم الذي بدأ بالمشاركة في الندوات في شتى بقاع مصر، وكتابة التقارير العلمية عن الأعمال الأدبية في المؤسسات الثقافية ثم اتسق الأمر وأظهر عقليته المنهجية عن طريق الدراسات والمقالات النقدية التي تروم تحليل النص الأدبي والوقوف على مناطق توهجه وثوريته البلاغية التي تضمن له بقاء وصموداً في اختبار الزمن، وكأن إظهار تميز الأعمال وتوهج علاقاتها اللغوية والنصية دَيْن عليه تجاه أشخاص المبدعين الذين كان يراهم مناضلين في عالم لا يرحم، كان يؤديه بكل سعادة وتجرد. 
وكان أن أقنعناه بجمع بعض هذه الكتابات على الأقل، فكان كتابه الأول الذي صدر بعنوان "عن الإسلام والتأسلم ومشروعنا النهضوي" عام 2008 عن حزب التجمع، ثم كتابه الصادر عن هيئة قصور الثقافة عام 2014 بعنوان "قراءات تطبيقية لشعراء العامية المصرية المعاصرين" وأخيراً كتاب "وجوه ملائكية وأفعال شيطانية: قراءة في جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي" الصادر عام2017 عن دار الأدهم، كما ترك كتاباً في شعر الفصحى جاهزاً على الطباعة. 
في بلدنا الفقير بني سويف يذكر له البسطاء مواقف لا تحصى لكن المثقفين يحددون موقفيْن غاية في البهاء، الأول هو قيادته للمد الثوري في صورته الأكثر نقاءً والمتمثل في ثورة يناير، واستمرار دفاعه المستميت عنها حتى النهاية، ثم في نضاله المبدئي الذي عرضه لأخطار لا حصر لها ضد التأسلم وتجار الدين. كان الناس يشاهدون الفتى الأسمر وهو يخرج في الصباح يحجل ويلهث ليهتف ضد اختطاف مصر، ولا تلبث الساعة أن تمر إلا وتجد الناس يهتفون من خلفه حتى ينتصف النهار والبلد كلها تنتفض والبطل مغشياً عليه. 
يا أخي هوّن عليك نفسك فيكاد يصفعك وهو يقول لو كان مَرَضي عائقاً عن أداء دوري يكون قد انتصر وهيهات أن أتركه يفعل، وهكذا أعلنت بني سويف رفضها لتغيير هوية مصر بقيادته وبجهده وبروحه ودمه. الأمر الثاني يظهر ويتجلى في الفترة التي تلت فاجعة حريق قصر ثقافة بني سويف ساعة توجهت 50 شخصية  مسرحية مساء الخامس من سبتمبر/أيلول عام 2005، لحضور عرض بعنوان "من منا"، مأخوذ عن مسرحية "حديقة الحيوان" لفرقة نادى طامية بالفيوم، وذلك بقاعة الفنون التشكيلية الملحقة بقصر ثقافة بنى سويف ليلقوا حتفهم جميعاً، بالإضافة إلى 23 مصاباً آخرين، ليسجل ذلك اليوم ذكرى دامية ويوماً مأساويًا في تاريخ المسرح المصري وتاريخ بني سويف المعاصر. 
أدرك خالد أن هذه الحادثة من شأنها أن تقتل كل رغبة عند أدباء وفناني بني سويف حتى في الحضور قرب هذا المكان بل والشوارع القريبة منه كذلك ناهيك عن ممارسة الكتابة والنشاط الثقافي مرة أخرى. كانت فترة لا يمكن وصف قسوتها من كم الإحباط الذي وَسَمَها والعدمية والمَوات والرغبة العارمة في التخلي الكامل عن الأمر برمته وكيف لا وقد شاهدنا بأعيننا أحبتنا وهم يحترقون ويصيرون رماداً؟ 
لكن خالد المدرك لقوة وفلسفة أن طاقة الحياة هي نقيض انكسار الموت بلا مواربة، لا يستسلم أبداً فنراه يوزع وقته بين المسئولين في الوزارة لحثهم على سرعة افتتاح القصر من جديد وبين زيارتنا في بيوتنا لإقناعنا بالعودة وحلق لحانا وغسل عيوننا الملتهبة، ولم يهدأ إلا وقد كفكف كل منا دموع الفناء وفهم وأدرك أن الإخلاص لروح الشهداء إنما يكون باستكمال رسالاتهم واستلهام درسهم البليغ، وهكذا بدأنا رويداً رويداً في العودة للحياة، وهكذا رجعت الأنوار والأصوات المنغمة والرغبة في مقاومة القبح بالفن داخلنا لتعود الورش الفنية والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية. 

وهكذا عاد الصاوي الذي كان مثل الطائر الذي أقام أرواحنا مرة أخرى من تحت الرماد ليكتشف كالعادة أسماء ومواهب جديدة يتبناها في كل لحظة وفي كل مكان في نفس الوقت الذي يخرج من محاضرة سياسية صباحاً في حزب سياسي ليتبنى في المساء مشروع "ثقافة القرية" ويصطحب أصدقاءه الأدباء لينزلوا إلى الناس.
لا يجد هذا "المثقف العضوي" تعارضاً بين الأنشطة التي تصب جميعها في طريق وغاية إثراء الروح وإذكاء الوعي، وهو طريقه ويقينه واختياره ومرماه، تماماً كما جمع بين المحاولات التي لا تهدأ لتنشيط الإيمان بدور الفعل الثقافي في مؤسسات المجتمع المدني في بني سويف من جمعيات وأحزاب ونوادٍ وهيئات وبين حضوره لجلسات صلح بين متخاصمين بسبب الثأر! لا فرق عنده بين توعية المواطن بحقوقه الصحية أو التعليمية ومحاولة انتزاع حق سياسي من أي مسئول مقصر أو فاسد في المحليات وبين تأسيس منتدى ثقافي يموج بروائح وإلماعات الشعر والقصة أو النضال ضد تغيير لوائح مؤتمر أدباء مصر. 
كان خالد شخصاً لا تستطيع أن تعبره أو تتجاهل ألقهُ وبريقهُ وكيف تفعل وأنت محاصر بابتسامته المتفائلة وروحه القوية التي تقاتل ضد كبده المُتليِّف والسرطان الذي ينهش جسده جزءاً جزءاً وجدعنته الأسطورية مع الجميع وكونه ضالعاً في كل الأمور لدرجة أننا كنا نعتمد عليه ونُقَصِّرُ ونُقَصِّرُ ونظهر فقط لنأخذ جهده مطمئنين.
كان شخصاً غَيْرياً ومتفانياً ومبدئياً بامتياز، قلباً يفيض بالمحبة ويتنفس فقط إذا أسعد من حوله وأحسَّ أنه يفعل بعض ما عليه تجاه وطنه ولهذا كنت تذهب إليه بيقين – لم يحدث أن خاب أبداً - أنه سيحل لك أو لغيرك المعضلة أيًّا ما كانت ومهما كانت صعوبتها العملية لا فارق بين كونكم تبحثون عن حقوق صغيرة أو كونك تحلم بمؤتمر لقصيدة النثر في بلدكم الصغير. 
وبقدر حبك لشخص كهذا لا بد وأن تحس بالذنب الذي سيلازمك إلى نهاية حياتك من جراء السؤال المخزي: ماذا لو كان الوضع الصحي لأي واحد من أصدقاء خالد يشبه ما كان هو عليه، هل كان سيكتفي بالحزن الصادق والدعاء الحارق له بالنجاة؟ ليست مصادفة أن يُطرح هذا التساؤل فيرد الجميع بالألفاظ نفسها: كان سيقلب الدنيا كي لا تُترك يا أخي هكذا. لكننا بالفعل لسنا هو، للأسف ولحكمة إلهية غامضة تجعل من كان مثله قليلين.
وهكذا عاش من كانت حياته هي الناس وآلامهم لحظات لا توصف قسوتها وحيداً في شقته الصغيرة في شرق بني سويف يعطي لنفسه الحقن ويضبط أنابيب الجلوكوز ويمسح نزيفه. لم يقصر أهله ولا أصدقائه في زيارته وعيادته ولكن الفارق مرعب وناءٍ بين أن تكون إنساناً مخلصاً وطيباً وبين أن تكون خالد الصاوي، المخلص والصادق والقادر كذلك على الفعل. 
في النهاية لقد خسرت بني سويف إنساناً حقيقياً وخسرتُ أنا حبيبي النبيل الذي لم أجرب عليه كذبةً واحدةً ولا خطاً ولا تقصيراً واحداً. من كان يقطر إنسانية متجددةً وعفيةً وبساطةً عجيبة ًوزهداً وحباً للبشر، ملح الأرض، بلا ادعاء ولا مزايدة وإنما برهان على الإنسان وعلى المستقبل؛ خسرتُ من كنت أرفع عيني وأنظر في عين الشمس وأنا بجواره ناسياً جبروتها وقسوتها، الذي كان يقطف كروم الدنيا كلها ويعطينا خبزه ودمه لنحيا.
يا خالد طب حياً وميتاً يا رفيق.