أوروبا تتنفس الصعداء

الفرح بصعود بايدن يجب ان لا ينسي الأوروبيين أن التيار القومي اليميني الشعبوي لم يسقط بسقوط ترامب.


العقلاء في أوروبا أدركوا أن النار التي أشعلوها لتضخيم أخطار وهمية قد أصبحت حريقا امتد إليهم


معركة الديمقراطية ضد التعصب العرقي القومي اليميني ستكون اقوي في أوروبا

نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية مقالا رئيسيا حول تسلم بايدن الحكم خلفا لترامب. ويعطي المقال انطباعا كما لو أن كابوسا ثقيلا انزاح من على صدر حلفاء أميركا التقليديين في الغرب وفي مقدمتهم بريطانيا بانتهاء عهد ترامب.

يبدو أن أحداث 6 كانون الثاني/يناير الحالي وأقصد بها حصار أنصار ترامب لمبنى الكونغرس بالألوف، ثم اقتحام ذلك المبنى ضمن محاولة يائسة للتأثير على الكونغرس لمنع تصديقه على نتائج الانتخابات، قد تركت كثيرا من عوامل القلق لدى الأوربيين، لقد كان شبح عودة ترامب يحوم حول أوروبا كفزاعة مثلما حام حول أميركا إن لم يكن قد أثار المخاوف بصورة أكبر.

أوروبا العجوز التي سقطت أنيابها، المنكفئة على نفسها، الخائفة من الخطر الروسي، والتي لم تتمكن من امتلاك ارادة سياسية واحدة، وبدلا من أن تسير نحو الولايات الأوروبية المتحدة وجدت نفسها تسير بالاتجاه المعاكس نحو التفريط بعناصر الاتحاد التي تعبت في نسجها خلال عشرات السنين الماضية، أوروبا هذه تنظر للولايات المتحدة باعتبارها حصنها الأخير وقوتها الضاربة وحين تشتعل النار داخل تلك القلعة فلا يمكن أن تنام أوروبا باطمئنان.

لكن القصة لا تنتهي عند ذلك، فأوروبا هي الموطن الأصلي الذي يحمل ميراث الحضارة المعاصرة وقيمها التي تعولمت، وهناك اعتقاد سائد بأن الديمقراطية هي الوعاء السياسي الحامل لتلك القيم، بالتالي فتهديد الديمقراطية ينظر اليه باعتباره تهديدا وجوديا لنمط الحياة الذي يعيش عليه الغرب.

بينما انشغل المفكرون في الغرب بتصدير مخاوفهم المتعلقة بالإسلام والتطرف الاسلامي خلال العقود السابقة، وساهم بعضهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في نشر الإسلامفوبيا، وانشغل آخرون في نشر الكراهية ضد الأجانب والخوف من ظاهرة اللجوء، فقد برز اليوم الخطر الحقيقي الذي يهدد الغرب ألا وهو تيار اليمين القومي الشعبوي. ولاشك أن العقلاء هناك أدركوا اليوم أن النار التي أشعلوها لتضخيم أخطار وهمية قد أصبحت حريقا امتد إلى داخل مزارعهم وبيوتهم.

من حق أوروبا أن تشعر بالراحة والاطمئنان للتخلص من شبح ترامب، وأن تهلل لقدوم رئيس مثل بايدن يمثل نقيض ترامب في كل شيء تقريبا.

كتبت الاندبندنت: "على الأقل ولفترة زمنية فإن السيد بايدن سوف ينجح ببساطة لأنه ليس دونالد ترامب، وقد كان ذلك وراء صعوده للبيت الأبيض فوق كل شيء، لقد سقط ميراث ترامب القومي الشعبوي الذي غذاه ذلك الرجل وهو من لم يتقلد في حياته منصبا في الحياة السياسية العامة، ولم يتمكن السيد ترامب من جعل أميركا عظيمة (كما وعد) ثانية".

عددت الاندبندنت المهام التي تنتظر بايدن، لكنها لم تأت بشيء جديد، فكل تلك المهام كانت في صلب برنامج بايدن سلفا، وقد باشر بتنفيذها بعد وصوله للبيت الأبيض مباشرة.

وبصورة خاصة فعلى الصعيد الداخلي كان واضحا توجه بايدن نحو انفتاح الدولة على الأعراق والأديان الأخرى، والغاؤه كل القرارات المتعسفة بحق اللاجئين وتأشيرات الدخول لبعض الدول الاسلامية، واشراك المرأة في أعلى المناصب القيادية في الدولة. كل ذلك وغيره يعني حملة مضادة لمنجزات التيار القومي اليميني الشعبوي الذي أوصل ترامب للسلطة ودافع عنه حتى آخر لحظة.

لكن يبدو أن الفرح بصعود بايدن لدى الاندبندت أنساها أن التيار القومي اليميني الشعبوي لم يسقط بسقوط ترامب، بل ربما كانت لحظة محاصرة الكونغرس بالنسبة له لحظة تاريخية لها ما بعدها.

معركة الديمقراطية ضد التعصب العرقي – القومي – اليميني لم تنته، وما لم يتمكن المجتمع الأميركي من انتاج اللقاح الفعال ضد ذلك الفيروس فإن مستقبل الولايات المتحدة سيظل عرضة لأفدح المخاطر.