"أولاد حارتنا" منعطف مهم في تاريخ الرواية العربية

رواية نجيب محفوظ تبيّن مستوى النّضج الذي وصل إليه الأدب العربي في جنس الرّواية.


نجيب محفوظ يعتبرُ مرجعاً حيّاً للدّارسين في الوقت الرّاهن


أسماء مستوحاة من الخيال وليست محاكاة حرفيّة للأنبياء وسيّرهم

عرفت الرّواية العربية في منتصف القرن العشرين تطوّراً ملحوظاً، سيّما مع رائدها نجيب محفوظ الّذي ارتفع بها إلى القمّة. نجيب محفوظ يعتبرُ مرجعاً حيّاً للدّارسين في الوقت الرّاهن، إذ شكّلت رواياته العمود الفقري لجلّ الأعمال الروائية، سيّما تلك التي كُتبت بعد نيله جائزة نوبل للآداب سنة 1988.
أبدع نجيب محفوظ في الرواية تاركاً وراءه إرثاً يُحتذى به كلّما سنحت الفرصة لذلك، كما أمتع القرّاء فيما يزيد عن عشر مجاميع قصصية بتنقُّلاته السريعة، وحبكته المُحكمة التي تستهوي القارئ. رغم أنّ بعض أعماله قد تُغريك بصغر حجمها إلّا أنّها تحتاجُ لانتباهٍ وتركيزٍ شديدين نظراً لتشابك الأحداث والحضور الكثيف للشّخصيات، واستعمالهُ سرداً حديثاً نهله من التجارب الكبرى. لطالما وُصِف نجيب محفوظ كروائي، فيما يتغاضون عن وصفه قاصّاً قل نظيره.
هناك من يقرُّ أنّ نجيب محفوظ عالج قضايا محيطه وبقيّت رواياته حبيسة المجتمع المصري لا غير، بغضّ النّظر عن إبداعه المُبهر الّذي لا يختلفُ حوله جديّان. إلّا أنني سأحاول تفنيد هذا الرّأي. قرأتُ لمحفوظ مجموعة قصصية نحت لها عنوان "همسُ الجنون"، هي أوّل مجموعة قصصية افتتحتُ بها إرثه الخالد، أدرج قصّة ضمن القصص التي يضمّها العمل موسومة بـ فُلفل. نالت هذه القصّة استحساني، لأنّها عالجت دواخل الإنسان والهواجس التي أَسَرَتهُ بالدرجة الأولى. فلفل هو نادل في إحدى المقاهي الشّعبية، يشتغل فيها، وتخامرهُ أحلامٌ مغدورة، وكانت نفسه مكدودة، ويتطلّع دوماً إلى مستقبل مُزهر، ويحملُ خطايا ذويه، ويُقارع مطبّات الحياة بشجاعة. 
حكى محفوظ تفاصيل أيامه في المقهى، إذ صوّرها بأفراحها وأتراحها، وهي تفاصيلٌ قد لا تختلفُ عن شبابٍ آخرين ينتمون للبيئة العربية والمُنحدرين من الطبقة المسحوقة. كلّ ندل المقاهي، في أيّ بلدٍ عربي، في تلك الفترة أو الآن، مع بعض الاستثناءات، فإنّهم يحلمون بغدٍ يجتاحهم فيه فرحٌ ضاجّ وأن ينعموا براحةٍ وطمأنينة، بيد أنّ الأحلام، خصوصاً الأحلام الكبيرة، لا تتحقّق بسهولة، إذ تحتاجُ لصبرٍ كبير، ولجهدٍ جهيد. 

هذه الرّواية كانت دافعاً كبيراً لينال جائزة نوبل للآداب، التي أثنتْ لجنتها على أعمال نجيب محفوظ ونوّهت بها

سأطرحُ قصّة أخرى من مجموعة قصصية أخرى وضع لها نجيب محفوظ عنوان: بيتٌ سيّء السّمعة، وقد تضمّن هذا العمل قصّة بنفس العنوان، تطرَّق فيها نجيب محفوظ لتلك النّظرة التي تُوجّه للفتاة في المجتمعات العربية عموماً وفي المُجتمع المصري على وجه التحديد. ثلاثُ فتيات يخرجنّ من بيتهنّ عاريات الرؤوس يجبن أزقّة الحارة، دون ولي أمرهنّ المتوفي، فبدأ الكلّ يرميهنّ بكلمات منتقاة بعناية من قاموس الكلام المقذع، وهو ما أثار حفيظتهنّ، مع العلم أنّهن يخرجن من المنزل دون ارتكابهنّ لأيّ جرم. سلّط نجيب محفوظ الضوء على قضية انطمرت في تلافيف ذاكرة المجتمعات العربية وهي انتهاكُ حريّات الأنثى، والنّظرة المصوّبة نحوها، وغالباً ما تكونُ نظرةً قاصرة. 
قدّم محفوظ للمكتبة العربية ما ينيف عن خمسين عملاً أدبياً، لكن هناك رواية صدرت في طبعتها الأولى سنة 1959 موسومة بـ: "أولاد حارتنا". نالت هذه الرّواية نصيب الأسد من الاهتمام بالمقارنة مع بقيّة أعماله الأخرى، واحتدمت حولها النقاشات وتضاربت حولها الآراء، وأدلى قرّاء محفوظ والنّقاد بدلوهم فيها، كلّ واحدٍ قرأها من منظوره الشّخصي، وقد أدّت هذه الرّواية إلى اتّهام صاحبها بالكفر والإلحاد والطّعن في المُقدّسات، كما أثارت الشكوك حوله من طرف السلطة الحاكمة آنذاك، وقد اُستدعي محفوظ لمبنى المخابرات الحربية على يد صلاح ناصر، في ذلك الوقت، للتحقيق معه على ضوء ما تطرّق له في روايته؛ هذا التحقيق كان بسبب مخاوف سياسية في المقام الأوّل، وسأشير لذلك لاحقاً. 
"أولاد حارتنا" لم ينشرها نجيب محفوظ لأوّل مرّة بين دفتيّ كتاب، بل واظب على نشرها في أعداد من جريدة الأهرام التي كان يُشرف عليها آنذاك محمّد حسنين هيكل؛ نشرها في حلقات يوميّة بشكلٍ متسارع حتى لا ينتبه لها القرّاء ويبدأ الهجوم عليها دون أنْ تُنشر كاملة. أثارت أولاد حارتنا ضجّة واسعة بعد نشرها وتبعها لغطٌ كبير، واعتبروها رواية تهين المقدّسات الدينية واعتبروا أيضاً نجيب محفوظ أنّه لم يُراع مشاعر القرّاء، في حين أنّ صاحب الرواية قد دافع عن مضمون روايته ودافع عن الرّؤى الّتي بلورها فيها في ندوة بكلية الآداب بالقاهرة سنة 1988، مؤكداً عدم إهانته لأيّ شيء مقدّس، وأنّ الرواية لم تتناول أيّ شيء يخصُّ الدين. ظلّ موضوع الدين، في تلك الفترة والآن، من الطوبوهات عند عامّة النّاس في جلّ الأقطار العربية، الّتي لا يجوزُ الإشارةُ إليها.
جاء تقسيمُ الرّواية كالتالي: وضع نجيب محفوظ افتتاحية للرواية، ثم أردفها بخمس قصصٍ توزّعت على النّحو التالي هي: أدهم، جبل، رفاعة، قاسم، والقصة الأخيرة التي سيموتُ فيها الجد الجبلاوي هي قصّة عرفة. هذه أسماء، فيما يبدو لي، مستوحاة من الخيال وليست محاكاة حرفيّة للأنبياء وسيّرهم. لأنّ البعض اعتبر هذه الرواية تستهزئ بالأنبياء. لنتّفق مع أصحاب هذه الآراء، الذين يقولون بأن أحداثاً من حياة موسى موجودة في الرّواية، ولنضرب مثالاً من الرّواية: هل موسى عليه السّلام كان يدخلُ إلى الخمّارة؟ هو مثالٌ لمن اعتبر إحدى الشخصيات تتماهى وتُحاكي النّبي موسى، هذه الشّخصية هي من الحارة التي تدور فيها أحداثُ الرّواية. وهناك أيضاً من اعتبر أنّ شخصية قاسم يقصدُ بها النّبي محمّد، كما هو معروف أن من ألقاب الرسول صلى الله عليه وسلّم أبو القاسم. وشخصيّة أدهم قالوا بأنّها تشيرُ إلى آدم نظراً للتقارب الصوتي بين الاسمين. هي رواية، أراها من منظوري، ذات طابع سياسيّ بالدرجة الأولى، وهذا ما لمسهُ فيها محمد حسنين هيكل قبل نشرها في الأهرام."

novel
طفرة نوعية 

"
شخصية عرفة كان لها دور جوهري في الجزء الأخير من الرّواية، وهي الّتي كانت وراء مقتل الجدّ الجبلاوي المتزمّت الّذي مارس حيفاً على أبناء الحارة. هذه الشّخصية (= عرفة= اعتبرها النقّادُ رمزاً دالّاً على العِلم الّذي ارتدّ على الأسطورة والخرافات التي هيمنت على التاريخ، كما اعتبروا أنّ الجد الجبلاوي يرمزُ للذّات الإلهية. النّاقدة المصريّة عزّة أبو النجا اعتبرت أنّ شخصية الجبلاوي طوال الفصول، قبل ظهور عرفة، ظنّ أنّها رمز للذّات الإلهية، لكن في فصل عرفة وضح الأمرُ بما لا يدعُ مجالاً للشكّ أن هذه الشخصية كانت تشيرُ إلى الدّين الّذي سيطر على الناس في حقبٍ مختلفة، على حدّ قولها. إذا كان عرفة رمزٌ يدلّ على العلم ليهدّم أسس الأسطورة والخرافة فهذا محمود ونُسلّم به، لكن إذا كان، كما ادّعت الناقدة عزّة أبو النجا، إشارة حقيقية من نجيب محفوظ للدين أو الذات الإلهية فهذا حديث آخر لا أستطيعُ الخوص فيه إذ أفتقر لأبسط مقوّمات أهل الاختصاص.
ذاع صيتُ الرّواية وجذبت الأنظارُ حولها، وهو ما دفع الأزهر الشّريف، أعلى سلطةٍ دينية في مصر وفي العالَم الإسلامي، للدخول على الخط، سيّما أن تلك الاتهامات الموجّهة للرواية وكاتِبها كلها كانت من زاويةٍ دينية بحتة. شُكِّلت لجنة من الأزهر لدراسة الرّواية، مع العلم أنّ هذه اللجنة لها دراية لا بأس بها بالأدَب. اللجنة خرجت بقراءة دينية افتقرت للدقّة والموضوعية النّقدية، كما خرجت ببيان تُقرّ فيه – بتأكيدٍ كبير - بطعن الرّواية في المقدسات، ونددت بها، ليكون احتجاج الأزهر على "أولاد حارتنا" أوّل احتجاجٍ رسميّ على الرواية، وأوصوا كذلك بعدم نشر الرواية في مصر.
إنّ عدم نشر الرّواية كان قراراً سياسياً لأنّها تطرّقت للحياة السياسية في مصر آنذاك تحت حكم وسطوة جمال عبدالنّاصر ورفقائه الّذين أنجبتهم ثورة الضباط الأحرار الّتي حدثت في 23 يوليو/تموز 1952، وشكّلت التواءً كبيراً في تاريخ السياسة بمصر. الرواية أظن أنّها كانت مساءلة أو محاكمة سياسية للقائمين على الحكم، ولهذا أُخفيت تحت ستار الدين، لأنّ هذا الأخير يُهيّج المشاعر، ويتعاطفُ الناس معه.
الرواية كيفما كانت هي إبداعٌ في المقام الأوّل، وجب الاعتناء بها والانكباب عليها، ونقدها نقداً موضوعياً بدون خلفياتٍ مطمرة. "أولاد حارتنا" تعدُّ منعطفاً مهمّاً في تاريخ الرّواية العربية بغضّ النظر عن الجدل الّذي أثارته والّذي لا يزال قائماً إلى اليوم لأنّها تبيّن مستوى النّضج الذي وصل إليه الأدب العربي في جنس الرّواية. لقد لعب التأويل الخاطئ دوراً كبيراً في قلب الرّسائل الّتي كان يودّ نجيب محفوظ إرسالها عبر "أولاد حارتنا"، فتمّت تغطية القضية السياسية بقضيّةٍ دينية، وما ينمّ عن ذلك هي التُّهم التي وُجِّهت لنجيب محفوظ، والكلّ صدّقها، لأنّ الوازع الدّيني يحرّك المشاعر الرّاكدة. وبالتالي فلعبة التأويل الخاطئ والمقصود لُعبت بشكلٍ جيّد. 
نجح نجيب محفوظ بقفزه على حبال الكلمات وانتقاء عباراته ومفرداته بدقّة، كما تعمّد، في نظري، إدخال الحوار العامّي بشكل كبير في أكثر من موضع حتى تلامس الرواية جوهر الفرد المصري. تميّز صاحب أولاد حارتنا بتمحيصه للقضايا الاجتماعية ويسبر فيها سبراً، كما أنّه غاص في نفسيّة المصريين في أكثر من موضع من إرثه الأدبي. كانت هذه الرّواية دافعاً كبيراً لينال جائزة نوبل للآداب، التي أثنتْ لجنتها على أعمال نجيب محفوظ ونوّهت بها، وهذا يدلّ على نضج الرواية العربية والطفرة النّوعية التي عرفتها معه، إذْ من الصعب الفوز بتلك الجائزة، التي تحظى بمكانةٍ مرموقة في الوسط الثّقافي العالَمي، لو لم يكن إبداع نجيب محفوظ المبهر يستحقّها، وفعلاً يستحقّها دون مُداهنة.
كاتب مغربي