أول حزب سياسي "نسوي" يولد من رحم تهميش المرأة العراقية

نظام الحصص التشريعية في العراق لا يضمن تأثيرًا حقيقيًا للمرأة إذ لا تزال هناك عوائق هيكلية وثقافية.
حزب المودة تطور تاريخي في السياسة العراقية

بغداد – أطلقت السياسية العراقية جيهان الطائي حزب "المودة" النسائي في ظل كفاح طويل وغير متكافئ في البلاد من أجل مشاركة المرأة السياسية في مواقع صنع القرار. إلا أنه لن يخوض الانتخابات رسميًا. فبعد أكثر من عامين من التأخيرات البيروقراطية، لم يتمكن الحزب من تأمين أوراقه في الوقت المناسب لتقديم مرشحيه في الانتخابات الوطنية المقبلة.

وتصف جيهان الطائي، مؤسِّسته وأمينته العامة، حزب المودة بأنه تطور تاريخي في السياسة العراقية. فهو حزبٌ وُلد من رحم تهميش المرأة العراقية، التي تُشكِّل أكثر من نصف السكان، لكنها لا تزال مُستبعدة منهجيًا من مواقع صنع القرار.

وقالت الطائي في مقابلة مع موقع "باس بلو" الأميركي "عندما دخلنا عالم الترشح والسياسة، شعرتُ بخيبة أمل من معاملة الأحزاب الحاكمة للمرشحات المستقلات. رأيتُ كيف تُفضّل النساء العاملات داخل التنظيمات الحزبية على غيرهن من خارجها، وكيف يسيطر الرجال على كل شيء ويُفضّلون على النساء".

ولدت الطائي عام 1974 في قضاء المحمودية ببغداد، وهي من عائلة تربوية. لديها ثلاثة إخوة، اثنان منهم مديرا مدرسة، وأخت معلمة.

ويأتي إطلاق الحزب في خضم كفاح طويل وغير متكافئ في العراق من أجل مشاركة المرأة السياسية. حيث دخلت النساء البرلمان لأول مرة عام 1980، وفي عام 2005، تم اعتماد حصة بنسبة 25 بالمئة لضمان تمثيلهن. ورغم تجاوز هذه الحصة في الانتخابات الأخيرة - ولا سيما في عام 2021، عندما انتُخبت 98 امرأة، ليشكلن 28.9 بالمئة من أعضاء مجلس النواب العراقي، المؤلف من 329 عضوًا، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس إلا جزءًا من الحقيقة.

قيادة حزب المودة حكر على النساء بما في ذلك منصبا الأمين العام ونائبه بينما الأعضاء الذكور حلفاء داعمين لا قادة

وفقًا لماريانا دوارتي موتزنبرغ، خبيرة النوع الاجتماعي في الاتحاد البرلماني الدولي ومقره جنيف، والذي يرصد التمثيل السياسي للمرأة عالميًا، فإن "التمييز الجنسي والتحرش والعنف لا يزالان يشكلان عقبات رئيسية أمام المشاركة الكاملة للبرلمانيات". ورغم نظام الحصص في العراق، لم تتولَّ أي امرأة منصب رئيسة البرلمان قط، ومن بين اللجان البرلمانية الخمس العراقية التي يراقبها الاتحاد البرلماني الدولي، ترأست امرأة لجنة النوع الاجتماعي فقط.

ومع ذلك، بالمقارنة مع جيرانها الإقليميين، فإن مكاسب العراق كبيرة: حيث أصبح لدى البلاد الآن ثاني أعلى نسبة من النساء في البرلمان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد الإمارات التي حققت التكافؤ بين الجنسين من خلال الحصص.

مع ذلك، لا تزال المرشحات في العراق يواجهن الترهيب وحملات التشهير والعوائق اللوجستية، بحسب التقارير الإعلامية لانتخابات 2018 و2021، حيث تعرّضت بعض المرشحات للمضايقات وتلف مواد حملاتهن الانتخابية. إضافةً إلى ذلك، غالبًا ما كانت التدخلات القانونية في صالح المرشحين الرجال. وقد وثّق نشطاء حقوق الإنسان مقاومةً مستمرةً من الأحزاب الدينية والحاكمة لمشاركة المرأة.

ويسعى حزب الطائي إلى تجاوز التمثيل الرمزي. ويؤكد برنامجه على التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة، وحماية الأطفال، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتشديد إنفاذ قانون مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي. وأوضح الطائي أن الحزب يضم بالفعل أكثر من 7000 عضو في جميع أنحاء العراق وإقليم كردستان المستقل.

بينما يشترط القانون العراقي أن يكون ثلث أعضاء الحزب على الأقل من الذكور، تبقى قيادة حزب المودة حكرًا على النساء، بما في ذلك منصبا الأمين العام ونائبه. وينظر الحزب إلى الأعضاء الذكور كحلفاء داعمين لا كقادة.

ورغم أن حزب المودة لن يشارك في الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إلا أن الطائي قالت إنه يمهد الطريق لتواجد قوي في الانتخابات المستقبلية.

وأوضحت "كل من سمع بتأسيس حزبنا، بمن فيهم بعض رجال أحزاب أخرى، بدأ بزيارة مكتبنا المتواضع للتعرف علينا. عرض بعضهم المساعدة، بينما جهّز آخرون وثائقهم للانضمام إلينا".

وتشير موتزنبرغ، من الاتحاد البرلماني الدولي، إلى أن نظام الحصص التشريعية في العراق لا يضمن تأثيرًا حقيقيًا للمرأة؛ إذ لا تزال هناك عوائق هيكلية وثقافية، بما في ذلك محدودية الوصول إلى قنوات صنع القرار.
 وتقول منظمة المودة إنها تهدف إلى مواجهة هذه العوائق من خلال بناء حضور سياسي مستدام، والدعوة إلى الإصلاح التشريعي، وإنشاء منصة تُمكّن المرأة من ممارسة السلطة بدلًا من مجرد شغل المقاعد.

وفي محادثة "باس بلو" مع الطائي عبر رسائل واتساب (مترجمة من العربية إلى الإنجليزية)، تحدثت عن تأسيس حزب المودة بعد أن شهدت تمييزًا متجذرًا في ريف العراق وحرمانها من مقعد برلماني عام 2021. ووصفت العقبات الأولى التي واجهتها المودة والتي حالت دون مشاركة حزبها في انتخابات نوفمبر، وهي التأخيرات البيروقراطية، ونقص التمويل، وتقييد الوصول إلى وسائل الإعلام، وحملات التشهير من الأحزاب التي يقودها الرجال. لكنها أكدت أن تنامي الدعم بين الشباب والعراقيين المحبطين يُنذر بالتغيير.

وعلاوة على ذلك، فيما يتعلق بالقانون الجديد المثير للجدل الذي يسمح بزواج الأطفال، كانت واضحة "إن الزواج من فتاة في سن التاسعة يعد انتهاكًا وجريمة واغتصابًا للطفولة".

وشاركتُ الطائي في الانتخابات النيابية لعام 2021، وكان من المفترض أن تكونَ مُمثلةً عن دائرتها الانتخابية رقم 17 في بغداد، وفقًا للقانون آنذاك. إلا أن مفوضية الانتخابات أصدرت تعليماتٍ قبل الانتخابات بعشرة أيام تقريبًا، مُخالفةً للنص القانوني، مما أدى إلى حرمان حوالي 22 امرأة من المقاعد التي تم منحها للرجال.

ورغم رفع النساء عدة دعاوى قضائية أمام القضاء العراقي والمحكمة العليا، إلا أنها لم تحقق نتيجة إيجابية، لأن الأحزاب الحاكمة تسيطر على مفوضية الانتخابات والقضاء والحكومة العراقية بأكملها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت فكرة تأسيس حزب سياسي.
وتعززت الفكرة مع اعتماد قانون التمثيل النسبي الجديد، المعروف بنظام سانت ليغو، والذي جعل كل محافظة دائرة انتخابية واحدة. وبموجب هذا القانون، تتنافس قوائم المرشحين على أساس كل محافظة، ما يعني أن أي قائمة تحصل على أصوات أكثر تحصل على حصة أكبر من المقاعد. بدأتُ العمل على تأسيس الحزب عام 2023، بعد إقرار قانون مجالس المحافظات، واستمر العمل قرابة عامين حتى حصلتُ على الترخيص في 6 مايو/أيار 2025.

وقالت الطائي أن من أهم أولويات الحزب الدفاع عن حقوق المرأة وتحقيق العدالة لها في المجتمع العراقي، لنيل جميع حقوقها المشروعة. وتهدف إلى مواجهة أي عنف أو اضطهاد يُمارس ضدها، وتمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. بالإضافة إلى حماية ورعاية الأطفال، ويسعى الحزب أن تكون المرأة مؤثرة في المجتمع وذات أهمية سياسية، كأي امرأة سياسية في العالم أو في الدول المتقدمة. "نريدها أن تكون صانعة قرار وقيادية في الحكومة العراقية"، بحسب السياسية العراقية.