أول عُملة إسلامية تشعل الحرب بين عبدالملك بن مروان والإمبراطور البيزنطي

في حال ضعف الاقتصاد تشهد العُملة تدهوراً عند سكها

لكل عصر من عصور التاريخ الإسلامي عُملة تُميّزه، وهي بمثابة الشاهد الذي ينطق أسماء الحكام في كل عصر، وتختلف العُملة من عصر إلى عصر آخر، وهذا يرجع لأسباب عديدة، أهمها أن لكل عصر حالة اقتصادية، وحُكَّاماً تختلف توجُّهاتهم عن حكام العصور الأخرى.

الدينار البيزنطي والدرهم الساساني، كانا العُملتين المتداولتين في عهد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولم يتجه الرسول إلى سك أو تعريب النقود نظراً لانشغاله بأمور أكثر أهمية، وهي نشر الدين الإسلامي وبناء الدولة الإسلامية، وسيادة هاتين العُملتين في شبه الجزيرة العربية قبل مجيء الرسول (صلى الله عليه وسلم).

وقد ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، الدينار والدرهم في جزء من حديث شريف له "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم"، وهذا دليل على تداول كلتا العُملتين في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم).

• الدينار البيزنطي

الدينار البيزنطي كان عليه صورة هرقل أو ولديه هرقليوناس وقسطنطين، أما الدرهم الساساني كان عليه اسم الملك الفارسي باللغة الفهلوية وشعار النار، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب استطاعت الجيوش الإسلامية هزيمة الفرس، وشهدت هذه المرحلة تطوير العُملة، وذلك بإضافة بعض الكلمات العربية على العُملة مثل "بسم الله، محمد رسول الله، أمير المؤمنين"، وكانت هذه المرة الأولى التي تتم فيها نقش الكلمات العربية على العُملة.

وشهد اقتصاد الدولة الإسلامية استقلالية تامة في عهد خامس الخلفاء الأمويين عبدالملك بن مروان، وذلك بسك أول عُملة إسلامية منقوش عليها "سورة الإخلاص" واسم الخليفة، وتمت الكتابة بالخط الكوفي.

• الدينار الأموي

كان سك أول عُملة إسلامية سبباً في إشعال الحرب بين الخليفة عبدالملك بن مروان والإمبراطور البيزنطي جستينيان، الذي كان يرى أن سك العُملة حكر له، وتم فسخ المعاهدة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية، المتعلّقة بعدم الاعتداء على الحدود الإسلامية، بعدما أرسل له الخليفة عبدالملك بن مروان الإتاوة المقررة عليه بالدينار الإسلامي.

وكان وزن أول دينار إسلامي 4.25 جرام وقطره القائم 20 ملم، وقطره بالعرض 19 ملم وسماكته 1ملم، ونسبة الذهب فيه كانت 95%، ويظهر فيه الخليفة عبدالملك بن مروان واضعاً يده على سيفه، وتم كتابة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" على الوجه، وكتابة سورة الإخلاص على الظهر، وتم سكه في دمشق.

وفي عصر الدولة العباسية، أزال الخليفة أبوالعباس شعار الدولة الأموية من العُملة، واستبدل سورة الإخلاص المنقوشة على العُملة بعبارة "محمد رسول الله"، وأمر هارون الرشيد بوضع اسم ولده الأمين مع اسمه على العُملة الذهبية، وهذا الأمر شجّع الولاة في البلدان على نقش أسمائهم، ومنهم ولاة مصر الذين ظهرت أسماؤهم على الدنانير الذهبية.

• الدينار العباسي

استقل أحمد بن طولون إدارياً بمصر والشام عن الدولة العباسية، ولكنه لم يحذف اسم الخليفة العباسي من العُملة، بل وضع اسمه تحت الخليفة العباسي، ونفس الأمر حدث مع محمد بن طغج الإخشيدي عند استقلاله بمصر والشام، وذكر ابن خلدون: أن "المعز لدين الله الفاطمي عند سيّطرته على مصر والشام، كان معه دنانير حوّلها إلى سبائك على هيئة أحجار الطواحين، ووضع كل حجرين على ظهر جمل، وأعاد سكها في مصر".

والعُملة في العصر الفاطمي تختلف عن العُملة في العصر العباسي، وذلك بعدما ظهرت جمل جديدة منقوشة على العُملات مثل "أفضل الوصيين ووزير خير المرسلين"، في إشارة إلى الامام علي بن أبي طالب.

وأصدر الخليفة المعز ديناراً وأطلق عليه "الدينار المعزي"، وكانت توجد مُنافسة شرسة بين الدينار العباسي والدينار المعزي، وأمر الخليفة المعز عُمَّال الخراج بجمع الخراج بالدينار المعزي، وذلك من أجل أن تزداد نسبة تداوله بين الناس، وفي فترة ما من حكمه، جعل الدينار المعزي أغلى من الدينار العباسي.

• الدينار الفاطمي

وفي العصر الفاطمي، تم غش بعض العُملات بسبب سيّطرة الصيارفة اليهود، ولذلك أصدرت الدولة الفاطمية أمراً بتحديد مكان للصيرفة وهو "رحبة الصيارفة"، ورغم سيّطرة صلاح الدين الأيوبي على مصر والشام والجزيرة واليمن، إلا أنه جعل النقود تابعة للخليفة الفاطمي، ولكن بعد عامين من حُكمه، أصدر النقود دون أن يُسجّل عليها اسم الخليفة الفاطمي.

وشهدت الدولة الأيوبية، أزمة فعلية في الحصول على معدن الذهب المستخدم في سك العُملة، وهذه الأزمة لها أسباب، وهي ظاهرة الاكتناز، التي اشتهر بها سلاطين العصر الأيوبي أو احتفاظهم بالدنانير الذهبية، وتهريب الذهب إلى أوروبا خاصة أثثاء الحروب الصليبية، ودخول صلاح الدين في مصر بشكل عسكري دون دراسة لطبيعة مواردها، على عكس الفاطميين الذين حملوا الذهب إلى مصر عند الذهاب لها.

وشهد عصر المماليك أول نقش لاسم ملكة، وهي الملكة شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكتبت على وجه العُملة "المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين"، ووالدة خليل أمير المؤمنين، وارتبطت العُملة في هذا العصر بالانتصارات، فبعد انتصار قطز على المغول في موقعة عين جالوت، كتب على العُملة "الملك المظفر سيف الدنيا والدين قطز".

• العصور العربية

ويؤكد رأفت النبراوي أستاذ الآثار الإسلامية، أن العُملة دليل على ملامح الاقتصاد في كل عصر من العصور الإسلامية، ففي العصر الأموي كانت العُملة مُرتفعة العيار والوزن، وهذا دليل على قوة الاقتصاد في العصر الأموي، بينما كانت العُملة مُنخفضة العيار والوزن في العصر المملوكي، وهذا دليل على ضعف الاقتصاد، مُشيراً إلى أن العُملات الإسلامية تُعد من الآثار التي يجب أن تُحافظ عليها كل الدول الإسلامية، وأن هناك بعض الدول مازالت تُحافظ على الهوية الإسلامية عند سك العملة، وفي مُقدمة هذه الدول المملكة العربية السعودية.

ويؤكد هذا الكلام، د. فياض عبدالمنعم أستاذ الاقتصاد الإسلامي، حين يقول: إن العُملة أداة رئيسية لرصد حال الاقتصاد في كل عصر من عصور التاريخ الإسلامي، فافتصاد الدولة الإسلامية تظهر قوته أو ضعفه من خلال العُملة، فقوة الاقتصاد كانت تجعل العُملة تشهد تجويداً عند السك، فتخرج من دار السك ثابتة الوزن، مصنوعة من ذهب فقط دون خلط مع معدن آخر، وكذلك تشهد الدولة في حال قوة اقتصادها نُدرة في غش النقود وتداول لعملتها في دول أخرى مثل دول أوروبا، أما في حال ضعف الاقتصاد فتشهد العُملة تدهوراً عند سكها، ونُقصاناً في وزنها، وإدخال معادن أخرى كالنحاس عند سكها.

أما د. محمود عرفة، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة فييقول: إنه أثناء تحضيره لرسالة الدكتوراه في النقود، عثر على صرة دنانير اقتربت من الصدأ، ترجع لأحد عصور التاريخ الإسلامي بقرية بأسيوط في صعيد مصر، مؤكداً أن هذه الحادثة تدل على حال الآثار في الوطن العربي، وأضاف: إن كليات التاريخ والآثار مليئة بمئات من رسائل الدكتوراه عن النقود في العصور العربية، لكن لا أحد من الناشرين يهتم بتحويلها إلى كتب؛ لأن عملية نشرها مُكلفة وليست تجارية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)