أيتها التلفزة: عودي بنا الى جزائر الأمس فلعلّ وعسى!

كيفما أردتم تسمية شعوري هنا، وكيفما استقرأتم واستنبطتم الأحكام من خلال مفرداتي وعباراتي، صدقوني ودون لف أو دوران: لم تعد القنوات الفضائية مجتمعة تغريني لمشاهدتها، منذ سنوات، مهما قدمت من برامج ومهما بلغت استوديوهاتها من شساعة ومن وسائل ومهما نوعت من صحفييها، ومهما حاولت رفع شعار التنوع والحريات...ليس لأني أحن الى عهد الحزب الواحد والرأي الأوحد، بل هناك فروقات كبيرة لا يفي الموضوع لحصرها.

لقد انخدعنا ببعض القنوات الفضائية في البداية، ولكن ما يجري في الوطن العربي من مآسي ودموع، جعلني شخصيا أمقت هذه القنوات وأغير رأيي فيها الى أن تغير خطها.

دعوني أهمس في آذانكم وأفتح نافذة لكم من خلال هذا المقال، في ظل القحط، والجوع الفكري الذي يكاد يعم البلد، وفي ظل الرداءة المستشرية...التي بلغت حدّ التخمة، وهدر المال العام، وصمت من كنا نحسن الظن بهم.

إنّ الانفتاح الاعلامي في الجزائر اليوم، سواء أكان قناعة أم تحت الاكراه، أبان الكثير من العورات والسوءات في القنوات الجديدة، التي كانت تغطيها التلفزة الجزائرية، وجعلنا نحن الى التلفزة الجزائرية في عهد الحزب الواحد، من خلال تلك الوجوه المنيرة التي كانت تشع بيوتنا، بتلك الابتسامات العريضة التي تنبعث عبر جميلات الجزائر، ومن خلال نبرة التعاليق التي كان يقدمها المنشطون بصوت جزائري فريد، ومن خلال برامج الأطفال، والفكاهة... أو من خلال نشرات الأخبار التي لم نكن نفوت فرصة متابعتها، أو من خلال البرامج المختلفة، أو من خلال الأفلام والمسلسلات الجزائرية الخالصة... أو من خلال الفن الذي كنا نشاهده أو نستمع اليه، أو من خلال الرياضة... والدعوة والثقافة.

قبل أن تصاب الجزائر بهذا الضباب وهذا الغبار والثرثرة الاعلامية، والفوضى المختلفة التي تسود الوطن، وأصبح المواطن فيها يشتكي ويصرخ ويبكي كل يوم من هذا البلاء الذي حلّ بالأمة.

مهما انتقدنا التلفزة الجزائرية، ومهما وبخنا المشرفين المتعاقبين عليها،وحملناهم من مسؤوليات، ومهما وصلت ذروة الانحراف فيها... فإنها مقارنة بما تقدمه القنوات التي تزعم الاستقلالية والوطنية والوسطية... تبقى التلفزة حصنا من الحصون التي يجب الحفاظ عليها، وعلامة مسجلة غير قابلة للتقليد.

إن ما تقوم به القنوات المختلفة من نشر للشائعات، وتسويق لخطاب مليء بالحقد والكراهية، وبث للأغاليط، وابتعاد عن المهنية، سواء ما تعلق الأمر بالسرقات الفكرية، أو نشر الأخبار الكاذبة، والتلفيق، أو من خلال تداول مواضيع دون أن تعرف تداعياتها على الأسرة والمجتمع، واستضافة أناس من محدودي الفكر، وصنع ألقاب لمجاهيل، أو من خلال الاثارة، يجعلنا نحنّ الى التلفزة الجزائرية بغض النظر عن عيبوها.

فيا أيها المشرفون على التلفزة الجزائرية: انفضوا الغبار عن تلك الأهرامات في الاعلام الجزائري وذكروا الأجيال بها، وانشروا لنا ولو لقطات من عبق تلك الكنوز المخبأة...حتى يستشعر الجيل الجديد معنى الأنفة الجزائرية، فقد وصل القحط مداه.

عودوا بنا الى تلك الأصوات الشجية التي علمتنا الذوق والحبّ... وتلك الوجوه المنيرة التي طبعت فينا الألوان الجزائرية.

عودوا بخطابات الرئيس هواري بومدين، لعلكم تبثوا في الشباب والأجيال المتعاقبة روح الحماس الذي كان يملأ شوارع الجزائر ويبلغ صداه فلسطين، وحتى يروا بأعينهم كم كان الشباب ذا قيمة قبل أن نبتلى بالعجزة الصمّ العمي والبكم.

عودوا ببرنامج الأرض والفلاح، لعل الأرض الجزائرية تخضر من جديد، وتنبت سنابل تقيها من السنوات العجاف. عودوا بالحديقة الساحرة، لعل البراءة المشوهة تعود الى أصلها وفطرتها.

عودوا بدندنات دحمان الحراشي، وخليفي أحمد، ودرياسة، وأحمد وهبي، ونورة وسلوى... علنا نسمع هديل الحمام فوق أسطح البيوت من جديد.

عودوا بضحكات بوبقرة، وقاسي تيزي وزو، والمفتش الطاهر، وحديدوان... حتى ترسموا البسمة في الوجوه المكشرة.

عودوا بحوارات مدني عامر ومراد شبين، لعل أواصر الأخوة تبنى من جديد...عودوا بالحصص الخاصة بالأسرة علكم تحيون حرارة الأسرة وتلاحمها. عودوا بأخبار الثامنة لحراث بن جدود.

أيتها التلفزة الجزائرية: عودي الى جزائر العصر الذهبي، واحيي بذلك الشعور من خزانها، تلك المتعة والغيرة الجزائرية، وتلك العظمة التي كانت تتميز بها الجزائر، علنا نبني جزائرالغد، فإننا لم نعد نتحمل عصر الرداءة والتخلف الذي حلّ بالبلد، حيث قتل الابداع وقتل التنافس ويكاد يقضي على الانسان... ودخلت مصطلحات الى قاموس الشعب لم تكن موجودة في فصيلة الدم الجزائري.