أيقونة الساحرة المقدسة

أمي التي لا تمر عليها الكلمة الخاطئة لغوياً مطلقاً رغم عدم تخصصها وكان هذا الأمر مثيراً لي.


أمي شجعتني منذ البداية على الكتابة من دون كلام صريح


تترك الأوراق والأقلام وكراسات الرسم والألوان وتنظر لي نظرتها المكتنزة وتذهب

(1)
حملت هذه السيدة البسيطة الهادئة خفيضة الصوت والتي تنتمي عائلتها للأشراف المنتسبين للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في ثنايا نظراتها المطمئنة، تجربة إنسانية متعددة الطبقات فهي البورسعيدية التي ارتبطت حياتها من المهد بتجارب كبيرة في لوحة هذا الوطن بدايةً من ثورة يوليو/تموز 1952 التي ولدت معها وصارت من (جيل الثورة) كما أطلقت وسائل الإعلام على أطفال هذه المرحلة، ثم عاشت في فوهة البركان بعد تأميم قناة السويس 1956 حيث عاينت العدوان الثلاثي بقلب طفلة تخلت عن ألعابها البدائية لتعدو من قذيفة غادرة أو تبكي فزعاً وصارت مشاهد الهلع واحتراق منازل بورسعيد الخشبية ساعتها، وأصوات الطلقات والمدافع وآيات المقاومة هي البديل الطبيعي للأغنيات المرحة الشقية وألعاب البنات المنطلقات نحو الحياة.
بعدها ذاقت مرارة هزيمة 1967 باستشهاد أقارب شباباً ثم بالوقوع عام 1968 في شَرَك التجربة المفصلية في حياة هذه الأسرة وهي التهجير، حيث حُملت العائلة لتغادر البحر والنوارس ورائحة اليود لتستقر في مركز صغير من مراكز محافظة بني سويف، وتستقبل بقلوب واجفة التفاصيل التي لا تنتهي لتدبير المعيشة والإقامة والحياة ذاتها، لكنَّ الفتاة تُكمل تعليمها وتستلم عملها كمعلمة ثم يتقدم لخطبتها زميلها الذي هو أبي فتستخير الأسرة الله طويلاً كي توافق على ترك الابنة والرحيل بعدما هَلَّ عام 1974 ومعه قرار السماح بعودة المُهَجَّرين لبورسعيد بعد سنواتٍ ست مرت على الأسرة كأنها الجبال الرواسي لتعيش هذه الأم الصغيرة في مدينة أقرب للريف وتنتمي لأهل أبي الذين اعتمدوا عليها بشكل كامل إعجاباً بالعقل المتحضر الراجح والعزيمة التي لا تلين، تلك التي تم اختبارها أكثر وأكثر بسفر أبي للسعودية للإعارة.
وهكذا ماتت جدتي لأبي وهي تدعو لأمي التي كانت ترعاها في مرضها وفي نفس الوقت تقود السفينة بفدائيةٍ وتحدٍ بعدها رجع الزوج واصطحبها للصحراء لتضيف غربة أخرى إلى ما فات، وتمر سنوات الإعارة، وتعود الأسرة ويموت والدها، جدي الجميل، بصمته المتصوف وحبه لآل البيت وذكرياته الدافئة معهم وبسمة الرضا الثابتة رغم كل ما كان، وكثيراً ما كنتُ أشاغبه وأكشف عن ساقه وأسأله عن كل ندبةٍ وحرقٍ فيحكي الحكاية لأرى وأشم وأسمع كيف ارتبطت كل واحدة منهم بأهوالٍ وفقد لبشر وبيوتٍ وملامح. 
ومرت السنون بحلوها ومرها إلى أن مرض أبي مرضه الطويل فنفضت سنوات عمرها التي بدأت تتكاثر وعادت فدائية كعادتها إلى أن ودعت الحبيب وهو يعود لربه راضياً مرضياً، وكانت أختي الصغرى مازالت تتعلم وأنا لا أعمل فأتمت مهمتها وزوجت أختي ثم مرضتُ أنا مرضي الغامض الذي حاصرني لسنواتٍ كانت فيها أسداً يذود عن شبله، فحاربت وقاومت، ولم تهن لحظة أو تضعف. كيف أنسى يوم غادر الأقارب المنزل تعباً وضاق تنفسي قرب الفجر والجناحان اللذان نبتا في هذا الجسم الضئيل. حملتني لمسافة طويلة على ظهرها حتى وصلنا المستشفى الحكومي وكيف كانت تدق الأبواب لتوقظ الممرضات صارخة فيهم ابني يموت حتى تم تركيب أجهزة التنفس وعشت بعدها لأشهد حَفْر المزيد من الذكريات في الطرقات الصامتة.

أمي
تملأ المكان بنظرة تضوع بالمسك من عينيها الملونتين بلون العسل الصافي

(2)
منذ البداية شجعتني أمي على الكتابة من دون كلام صريح، فكانت تترك الأوراق والأقلام وكراسات الرسم والألوان وتنظر لي نظرتها المكتنزة وتذهب. كذلك كانت تتواطأ مع أبي على عدم حرماني من الكتب والمجلات التي تعلقتُ بها منذ الطفولة حتى لو دمر ذلك مصروف الشهر لكني كثيراً ما كنت أكشف سرها وأراها تختلس أوقاتاً لتقرأ وتشتبك مع التاريخ الإسلامي بالذات، أمي التي لا تمر عليها الكلمة الخاطئة لغوياً مطلقاً رغم عدم تخصصها وكان هذا الأمر مثيراً لي إلى أن اعتبرت الأمر هبةً من السماء لا يُلَقَّاهُ إلا الصادقون. 
في البداية كنت أقرأ عليها ما أكتب لأني كنت أخجل من هيبة أبي بالإضافة إلى أنه كان رحمه الله الحياء مجسداً (لا أذكر أن عينيْنا التقتا مطلقاً، كان ينظر دائماً للأرض حتى وهو يسير، وفهمتُ بعدها من الكبار العارفين، أنه كان يحس بربه في كل مكان فظل طول عمره خاشعاً) وعندما بدأت أنشر قصيدة وبعدها مقالة وبعدها كتاباً كنت ألمح انتصاراً في عينيها وبهجة لم أحسها أنا نفسي مطلقاً وكعادتها كانت لا تتحدث كثيراً لكنها تملأ المكان بنظرة تضوع بالمسك من عينيها الملونتين بلون العسل الصافي.
وبالنسبة للكتابة ذاتها فكأني استأَذَنْتُها قديماً في أن أعتبرها (نطفةَ خلقِ كائناتِ الكتابة) فكنت أُحمِّلُ شخصها على الدوام بحمولاتٍ خيالية تجعل منها المخلوقات كلها والحيوات كلها وتجعلها منطلق الحكي وبؤرة السرد ومصباح الحيارى والظامئين، حتى بالنسبة لأبطالي الأشرار، كنت أملأ بصيرتي بملامحها ثم أقتنص نقيضها مرتعشاً فكأن الغولة ما صارت هكذا إلا لأنها هربت من بريق ملامح أمي واختارت القفز من النافذة فملأتها الأقدار بشاعةً وَحَشَت مسامها بالموت.
وعندما حاولتُ للمرة الأولى أن أكتب قطوفاً من سيرتي مع الصحراء والمدن والشعر والموت، فشلتُ تماماً، فأطفأتُ النور في غرفتي واستعدتُ نُثارات حكاياتها التي كانت تسقط منها في طرقات المنزل وهي تصلي أو تعد قروشها لتقتسمها مع أصدقائها الفقراء أو تحتوي كل مَنْ كان غاضباً أو يائساً في هذه الدنيا بنظرةٍ أو بتربيتةٍ كأنها السحر، فأنارت غرفتي وأينَعَتْ وصرتُ أجولُ وأجول في حياةٍ عريضة مترامية، قوامها امرأةٌ لها جَنَاحَان من بَنُّور، زَرَعَ اللهُ فوقهما الحَبَّ والمَنَّ والسلوى، لتُشبعَ أروحاً ونفوساً لا تظمأَ بعدها أبداً.