إجراءات الإغلاق تفتح منافذ سيبرانية لتمدد التطرف في أوروبا

بريطانيا تسجل ارتفاعا مقلقا لعمليات اعتقال مراهقين بسبب جنح ذات طابع إرهابي في تطور على ارتباط بين الإغلاق المفروض لوقف انتشار وباء كوفيد-19 وقيام منظمات مثل داعش بتجنيد مراهقين.


لندن قلقة من قيام منظمات إرهابية بتجنيد مراهقين خلال الإغلاق


لداعش خبراء في التواصل وقدرة عالية على الاستقطاب والتجنيد


حالات الاكتئاب الناجمة عن فترات الإغلاق تسهل استقطاب مراهقين


الجماعات الإرهابية تركز على استقطاب من يبدون ميلا أكثر للتطرف

لندن - بقدر حرص الحكومة البريطانية على تطبيق تدابير التوقي من فيروس كورونا وسلالته الجديدة عبر تشديد إجراءات الغلق، بقدر توجسها من أن يشكل الإغلاق المفروض ضمن جهود تطويق الوضع الوبائي، فرصة لتنامي التطرف والإرهاب في المملكة المتحدة.

ولم يأت هذا التوجس من فراغ، فلدى الأجهزة المعنية (الأمن والاستخبارات) ما يفيد بحقيقة أن التطرف بدأ يتمدد من خلال شبكات التواصل الاجتماعي أو بعض المنصات التي تعمل على استقطاب وتجنيد مراهقين لا يكادون يفارقون هواتفهم الذكية أو حواسيبهم خلال فترات الإغلاق.

ومع أن الأمر لا يبدو مفاجئا من حيث الحضور القوي للفضاء الافتراضي في مثل هذه القضايا ولا يعتبر سابقة، لكنه يدق جرس إنذار مبكر يستدعي تعاملا جادا وحازما قبل فوات الأوان، فالجماعات المتطرفة تعمل بلا كلل لاختراق الجدران الأمنية على الأرض وكذالك الطوق الأمني الالكتروني وهو مجال قد يبدو النفاذ منه أسهل عليها من التحرك الميداني.

وما ينطبق على ما قد تواجهه المملكة المتحدة، ينطبق على الدول الأوروبية الأخرى التي يتملكها هاجس التطرف الذي بدأ يغزو الفضاءات الالكترونية.  

وتفيد معطيات كشف عنها وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب أمام النواب بأن بلاده سجلت خلال ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي ارتفاعا بنسبة 7 بالمئة على مدى عام في "حجم المحتوى الإرهابي على الإنترنت" و "ارتفاع مقلق في نسبة الأطفال والمراهقين المعتقلين الآن بسبب جنح إرهابية".

وقد أشارت بريطانيا الخميس إلى ارتفاع "مقلق" لعمليات اعتقال مراهقين بسبب جنح ذات طابع إرهابي وربطت بين الإغلاق المفروض لوقف انتشار وباء كوفيد-19 وقيام منظمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية بتجنيد شبان.

وبحسب الوزير البريطاني، تعتبر شرطة لندن أن عمليات الإغلاق المتتالية التي تم فرضها لمكافحة الوباء الناجم عن انتشار فيروس كورونا تسهل "الوصول الرقمي" من قبل "إرهابيين" إلى "أولئك الذين ربما يكونون الأكثر تقبلا لروايات المتطرفين"، مشيرا تحديدا إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي يعتبره "أكبر تهديد إرهابي على الصعيدين الوطني والخارجي".

وقالت النائبة العمالية ليزا ناندي المسؤولة عن الشؤون الخارجية لدى المعارضة إنها "قلقة جدا" إزاء الطريقة التي يستهدف فيها تنظيم الدولة الإسلامية الشبان خلال الإغلاق.

وتشهد بريطانيا منذ مطلع يناير/كانون الثاني ثالث إغلاق مع إقفال المدارس ضمن إجراءات مكافحة الوباء الذي تسبب بأكثر من 123 ألف وفاة في البلاد وخلق هذا الإغلاق وقت فراغ اكبر بكثير مما كان لدى المراهقين.

والأمر لا يتوقف عند وجود أوقات فراغ كبيرة لدى هؤلاء بل أيضا تفشي حالات الاكتئاب وهو أمر لا يتعلق بفئة عمرية محددة لكن قد يبدو لدى المراهقين أكبر فبعد أن تعودوا على قضاء أوقاتهم بين الدراسة ومجالات واسعة للترفيه يجدون أنفسهم أسرى لشبكات التواصل الاجتماعي وللفضاء الالكتروني عموما.

ويقضي هؤلاء فترات أطول من المعتاد أمام هواتفهم الذكية وحواسيبهم في تصفح قد يفلت عن الرقابة الالكترونية مع قوانين تبدو أضعف من أن تحد من اختراق التطرف للعائلات وذلك بسبب المخاوف التي ترافق عادة الحريات العامة والفردية.

وللتنظيمات المتطرفة عناصر متدربة جيدة وخبراء في التعامل مع تكنولوجيا التواصل الذكية وهي قادرة على خلق منافذ الكترونية بعيدة عن المراقبة الأمنية والوصول إلى عقول كثير من المراهقين ممن يعانون فراغات بسبب حالة الإغلاق.

وسبق مثلا لتنظيم الدولة الإسلامية أن أثبت قدرة عالية من الناحية الاتصالية صدمت العديد من الدول من خلال أفلام دعائية لقوته ولفظاعته وهي تلك التي نشرت الرعب في العالم على مدى بضع سنوات من خلافته المزعومة في العراق وسوريا.

كما أن غالبية الجهاديين الأجانب تم استقطابهم عبر الفضاء الالكتروني وتم تجنيد العشرات في الخارج عبر القنوات ذاتها بعيدا عن عيون الرقابة.

وتعرضت بريطانيا كما العديد من العواصم الأوروبية في السنوات القليلة الماضية لهجمات تبناها تنظيم الدولة الإسلامية ونفذتها خلايا أو ذئاب منفردة.

وتشكل الفضاءات الالكترونية شريانا حيويا للجماعات المتطرفة ليس لجهة الاستقطاب والتجنيد فحسب بل أيضا لجمع التبرعات لتمويل أنشطة إجرامية وبناء شبكات واسعة مترامية لا توقفها حدود ولا تمنعها إجراءات أمنية.

وسبق أن سلطت تقارير ألمانية وفرنسية الضوء على نشاط واسع لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا وكيف أن الجماعة التي وفرت لها حكومات غربية ملاذا آمنا تحت غطاء المظلومية أو بغرض التوظيف السياسي ضد دول نشأت فيها النواة الأولى لتلك التنظيمات، نجحت في تأسيس خلايا مهمتها اختراق النسيج الاجتماعي الأوروبي وترويج الفكر المتطرف بعد أن تعرضت منابر الخطابة سواء في بعض المساجد أو الفضاءات المفتوحة أو في الغرف المغلقة لجمعيات خيرية.

وتعتقد مراكز تُعنى بشؤون الجماعات الجهادية أن الدعاية للتطرف عبر الفضاءات الالكترونية أخطر من تلك التي تنساب من على منابر أرضية، فالأخيرة يمكن رصدها بسهولة والتعامل معها سريعا أم تلك التي تنساب عبر المنابر الالكترونية وهي كثيرة، فيصعب رصدها ومعالجتها فوريا.

وترجح هذه المراكز أن هذه الجماعات سواء المصنفة تنظيمات إرهابية في الغرب أو تلك التي على شاكلة جماعة الإخوان، باتت تركز على الشبكة العنكبوتية لبث خطابات التطرف والكراهية وهو فضاؤها المفضل والأيسر والأقرب للاستقطاب.