إدارة ترامب والكلام الجميل عن ايران

اذا كان هناك من إيجابية للعام 2017، فان هذه الايجابية تتمثّل في تفريق الولايات المتحدة بين الاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني من جهة والنشاطات الايرانية ذات الطابع "الإرهابي" في المنطقة من جهة أخرى. هذه نشاطات تستند أساسا الى المشروع التوسّعي لإيران القائم على الاستثمار في الغرائز المذهبية الى ابعد حدود.

قالت الولايات المتحدة كلمة لا لاستخدام ايران الاتفاق في شأن ملفّها النووي من اجل تغطية ما تقوم به من دون حسيب او رقيب. على العكس من ذلك، بدأت اميركا تفهم تماما ما الذي تركّز عليه الاستراتيجية الايرانية التي تستند اوّل ما تستند على ذرّ الرماد في العيون بغية تغطية حقيقة ما تقوم به.

كانت نيكي هايلي مندوبة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة آخر من تحدث، من بين مسؤولي الإدارة، عن خطورة ما تقوم به ايران. ركّزت بشكل خاص على صواريخ باليستية إيرانية اطلقها الحوثيون (انصار الله) من الأراضي اليمنية في اتجاه الأراضي السعوية. احد هذه الصواريخ استهدف مطار الملك خالد في الرياض، مع ما يعنيه ذلك من رغبة إيرانية في قتل مدنيين في السعودية. ولم تتردّد المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة في الإشارة الى هذه النقطة بكل وضوح مستندة الى نتائج تحقيقات لخبراء دوليين. لم تتجاهل أيضا النشاطات الايرانية في العراق وسوريا ولبنان. خلصت الى ضرورة تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة نفوذ ايران ووضع حدّ لنشاطاتها التي تشكل اكبر خطر على استقرار المنطقة.

يمكن اختصار المؤتمر الصحافي لهايلي بعبارة قالتها جاء فيها: "علينا ان نوصل رسالة الى طهران بانّ الكيل طفح".

اذا اضفنا كلام المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة على ما صدر عن مسؤولين آخرين، في مقدّمهم الرئيس دونالد ترامب، وذلك منذ دخول الأخير البيت الأبيض، وحتّى في اثناء حملته الانتخابية، نجد انّنا امام إدارة جديدة تريد تمييز نفسها عن إدارة أوباما.

المؤسف ان لا ترجمة على ارض الواقع للكلام الاميركي الذي يبقى، الى اشعار آخر، مجرّد كلام جميل. لم يطرأ ايّ تغيير على سير المشروع التوسّعي الايراني وتقدّمه، لا في العراق ولا في سوريا ولا في لبنان ولا في اليمن ولا في البحرين حيث يستمرّ التحريض المذهبي من اجل قلب نظام الحكم وتحويل البحرين الى محافظة إيرانية.

هناك تنظير أميركي. يظهر هذا التنظير ان الإدارة الحالية تعرف تماما ما هي ايران وذلك منذ اقام آية الله الخميني "الجمهورية الاسلامية" مستندا الى نظرية "ولاية الفقيه". استطاع ترامب القيام بجردة حساب للنشاطات الايرانية وذلك منذ احتلال "طلّاب" السفارة الاميركية في طهران في تشرين الثاني – نوفمبر من العام 1979 واحتجاز دبلوماسييها طوال اربعمئة وأربعة وأربعين يوما، مرورا بتفجير مقرّ "المارينز" في بيروت في الثالث والعشرين من تشرين الاوّل – أكتوبر 1983.

فتحت إدارة ترامب كلّ الملفّات الايرانية، لكنهّا لم تغلقّ ايّا منها. ما زالت هذه الملفات مفتوحة في كلّ بلد عربي تقريبا. تمدّدت ايران في كلّ الاتجاهات، من المحيط الى الخليج وفي مناطق غبر عربية مثل الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي في الماضي وفي افغانستان.

ما الذي تفعله ايران في لبنان على سبيل المثال غير استخدام "حزب الله" في تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية، او ما بقي منها؟ انّها تعمل على نشر البؤس واستكمال تغيير طبيعة الطائفة الشيعية في البلد بعيدا كلّ البعد عن الولاء للبنان كوطن يجمع بين كلّ أبنائه بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب.

ماذا عن سوريا؟ ما الذي تفعله ايران في سوريا غير السعي الى تدمير المدن السنّية الكبيرة الواحدة تلو الأخرى وتنفيذ عمليات تبادل للسكّان وشراء للأراضي بغية تطويق دمشق من كلّ الجهات.

وفّر الاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 انطلاقة ثانية للمشروع التوسّعي الايراني. من يستخفّ بمدى امساك ايران بالورقة العراقية هذه الايّام، انّما يضحك على نفسه لا اكثر. استطاعت ايران منذ العام 2003 والى اليوم تغيير طبيعة المدن العراقية والتركيبة السكّانية للعراق. من يشكّ في ذلك يستطيع ان يطرح على نفسه سؤالا في غاية البساطة. ما وضع بغداد اليوم؟ ما وضع الموصل؟ وفي حال المطلوب الذهاب الى ابعد من ذلك، يصحّ التساؤل هل من منافس لـ"الحشد الشعبي" في العراق؟

يمسك "الحشد الشعبي" بالقرار العراقي السياسي والعسكري بكل تلابيبه. صار "الحشد" الذي يتألّف من ميليشيات مذهبية تابعة لـ"الحرس الثوري" في ايران الحاكم الفعلي للعراق. كلّ ما عدا ذلك تفاصيل ودخول في نقاشات عقيمة لا فائدة تذكر منها.

لا حاجة بالطبع الى الذهاب الى اليمن والى عملية اغتيال علي عبدالله صالح قبل نحو أسبوعين للتأكّد من ان ايران ارادت، عبر الحوثيين (انصار الله) تصفية حساب قديم مع الرئيس اليمني السابق الذي دعم صدّام حسين في الحرب العراقية – الايرانية بين 1980 و1988. لم تكن تصفية علي عبدالله صالح سوى تأكيد لوجود مخطط إيراني ذي بعد إقليمي، يشكّل اليمن احدى ركائزه. ارادت ايران ان توجه رسالة الى اليمنيين فحواها انّ هذا مصير كلّ من دعم صدّام حسين في مرحلة ما، غيّر سلوكه لاحقا ام لم يغيّره.

لم تفعل إدارة ترامب شيئا يذكر، اقلّه الى الآن، من اجل الانتقال من التنظير الى الأفعال. لعلّ الدليل الاوّل على ذلك ترك معبر البوكمال بين سوريا والعراق تحت سيطرة الايرانيين.

في النهاية، ستوفّر السنة 2018 فرصة كي تظهر إدارة ترامب هل هي جدّية جدّية تعاطيها مع المشروع التوسّعي الايراني... ام ان كلّ همها سيظلّ محصورا في استرضاء إسرائيل وذلك لاسباب داخلية أميركية. هناك أماكن عدّة يمكن البدء منها في حال كان مطلوبا التصدّي لإيران. تبقى سوريا احد هذه الاماكن، بل ابرزها. عاجلا ام آجلا، سيتبيّن هل من فائدة تذكر من الكلام الاميركي الكبير عن ايران؟ ماذا عن الأفعال؟ هناك شعب سوري يتعرّض لحرب إبادة. الأرقام مخيفة. يكفي عدد القتلى وعدد النازحين لاعطاء فكرة عن حجم المأساة السورية، التي ايران جزء منها، والتي تجاهلها باراك أوباما ويتجاهلها دونالد ترامب. انّها مأساة تخيف كلّ أبناء المنطقة ولكن يبدو انّها لا تخيف اميركا – دونالد ترامب مثلما لم تخف اميركا باراك – أوباما الذي لم يذهب الى حدّ الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. فعل من دون ان يضع فعلته في سياق تسوية سياسية فيها بعض العدالة. تسوية تأخذ في الاعتبار ان القدس الشرقية ارض محتلّة في العام 1967 وان من حقّ الفلسطينيين ان يكونوا فيها وان يتخذوا منها عاصمة لدولة قد ترى النور في يوم من الايّام وتضع الشعب الفلسطيني على الخريطة الجغرافية للشرق الاوسط.