إرث ابن سينا والزهراوي في حماية الابتسامة البشرية

الريادة العلمية والطبية للعرب تثبت في مجال طب الأسنان، بدءاً من الهدي النبوي في الوقاية واستخدام السواك، وصولاً إلى ابتكارات كبار الأطباء القدامى في الجراحة والتخدير والحشو والتعويض.
صلاح عبدالستار محمد الشهاوي
طنطا

اقتضت حكمة الله تعالى خلق الأسنان حتى تقوم بما قدر لها من وظائف مهمة وهي: الحفاظ على شكل الوجه وعظام الفكين، والقيام بقطع ومضغ الطعام، والمساعدة على النطق السليم. لذا اهتم العرب بالأسنان اهتماماً كبيراً، واعتبروها من الأعضاء النبيلة والأصيلة في الجسم. 

وطب الأسنان، شأنه شأن غيره من العلوم الطبية، كانت له منزلة مرموقة في دائرة الاهتمام العلمي العربي، ولو راجعنا تاريخ العرب الطبي، لوجدنا أن النبي العربي والطبيب الأوَّل محمداً عليه الصلاة والسَّلام، قد وضع معالم الطريق المؤدية إلى حماية الأسنان ووقايتها، أليس هو القائل: "لولا أن أشقّ على أُمتي لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة"، والقائل: "مالي أراكم تدخلون عليَّ قُلْحاً (القُلْح: هم المصابون باصفرار الأسنان وهو ما يسمى بالقُلَح) استاكوا". والقائل  أيضًا: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب".

فما هو السواك الذي حضَّ عليه رسول الله؟.

مسواك: فرشاة مع معجون!

منذ حوالي خمسة عشر قرناً، لم يكن هناك ما يُسمَّى فرشاة أسنان، بل كان هناك أداة تدعى المسواك. والفرشاة العصرية في حدِّ ذاتها تعتبر مسواكاً، لكنه صناعي. ولا بد لمعظم الناس حين استعمالها، من التعامل مع المعجون الطبي، الذي يدعم فعلها الميكانيكي بفعله الكيميائي، المبيض والمطهر والمعطر والحات للأوساخ.. الخ.

أما المسواك الطبيعي، فإنه يقوم بالفعلين: الميكانيكي والكيميائي معاً، إنه فرشاة مع معجون، ومعجونه الطبي متغلغل بين أليافه، مندمج مع خلاياه. وهو في الوقت نفسه ليس له محذورات المعجون الطبي المستخدم مع الفرشاة، والذي كثيراً ما يعيق عملية التنظيف ويحوّل دون وصول أشعار الفرشاة إلى داخل الميازيب اللثوية!.‏ 

إن المسواك الطبيعي النباتي يحوي خلاصة تعطي الفم رائحة زكية وطعماً مستحسناً، فضلاً عن أن فيه بعض المواد القابضة كالعفص، تشدّ اللثة وتنشط دوران الدم فيها، وهناك خلاصات أخرى نباتية لطيفة تستعمل مضادة لعفونة الفم بدرجة خفيفة. 

وفضل العرب والمسلمين في ميدان طب الأسنان كبير إذ أن كل طبيب من أطباء العرب والمسلمين على وجه العموم كان يعالج سائر جسم الإنسان، فوضعوا المؤلفات ووجدوا طرائق جديدة لمعالجة الإشكالات والأمراض في الفم عامة، والأسنان خاصة، من ذلك أن لهم مسهامات في المعالجات اللثوية ومداواة الأسنان والجراحات الفكية والوجهية، وعلاج تشوهات الفكين بطرق مبتكرة، وتوصلوا إلي استخدام جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط اللسان، إضافة إلي نصائحهم التي يمكن إدراجها ضمن ميدان طب الأسنان الوقائي. 

كما عالج أطباء العرب أورام اللثة بـ4 طُرق هي الأدوية (دهن الورد والعفس والجلنار وغيرها) والكيّ، والجراحة، والجرد. 

كما اهتم أطباء العرب بالعناية بالمريض بعد قلع الضرس، كتعاملهم مع النزيف الذي يتبع القلع، ومعالجتهم إياه بأدوية تسبب انقباض الأنسجة (ما يضغط على الأوعية الدموية، فيخفض النزيف)، أو بحشو الموضع أو بالكيّ.

وعرف الأطباء العرب أيضًا طريقة حشو السن ووصفوا مواد تُخلط لتصبح تركيباً يُحشى به السن بعد حفرها، وكان هناك ما يُسمى تحنيط اللب، أو ما يعرف حالياً باستئصال اللب. وذلك بتجريف النخر وإزالته ووضع مواد حاشية مناسبة متوافرة لهم، ولعل أهم المواد التي كانت مستخدمة في حشو السن: الشمع، وبرادة العقيق، والعاج، إضافة إلي بعض المعادن أو المواد ذات الأصل النباتي. 

وقد استعمل العرب لإزالة بقايا الأطعمة التي بين الأسنان أعواد نبات الخِلة (الخِلة Ammi Visnaga) تحت اسم الخُلال. وتمتاز هذه الأعواد بالإضافة إلى قوامها الدقيق الذي لا يؤذي اللثة، برائحة عطرية منعشة تظل في الفم مدة من الزمن.‏

وذلك لأن بقايا الطعام لا تزول بالمضمضة ولا بدلك الأسنان واللثة، إنها لا تزول إلا باستخدام الخلال، إن ثِخَن عود الخلة يلائم الفُسَح بين السنية، وهي عندما تمر على السطوح الملاصقة للأسنان ترفع ما على هذه السطوح من بقايا، وبضغطها على اللثة تجعل الأخيرة تضغط على الأسنان وهذا بدوره يؤدي إلى خروج ما في الجيوب اللثوية. فالخلة تقوم بعملية تنظيف الأسنان وعملية دلك للثة في آن واحد‍!.

وكان من اهتمام الأطباء العرب بجراحة الفم والأسنان، انهم كانوا يجرون العمليات المختلفة على الفم ويعالجون الأسنان ويُسدون النصائح والإرشادات للمحافظة على سلامة الأسنان وتوصلوا إلى صنع الأسنان الصناعية من عظام الحيوانات وقاموا بتركيبها لمرضاهم. 

العرب روّاد في تخدير المرضى لخلع الأسنان

يستخدم الآن ومع كل هذا التقدم في هذا العصر في عيادات الأسنان مخدراً فعالاً، يسمح بقلع الأسنان أو معالجتها من دون أن يشعر المريض بأي ألم أو إزعاج. ويعود الفضل للأطباء العرب القدامى في اكتشاف وتطوير هذه العملية الهامة، فهم روادٌ في هذا المجال.‏ 

فقد استعمل العرب (المرقد المخدر العام)؛ لإبطال حس المرضى من أجل العمليات الجراحية، وهو يختلف كل الاختلافات عما استعمله اليونان أو الرومان من مشروبات مسكرة كانوا يسقونها للمرضى من أجل تخفيف آلامهم، فقد استعمل العرب المرقد أو التخدير العام الذي عرف بالإسفنجة المخدرة، وهو فن عربي بحت لم يعرف من قبلهم، إذ كانت الإسفنجة توضع في عصير الحشيش أو الأفيون أو الزؤان Lolium temulentum أو نبات البنفسج أو الشكران (اسَيْكران Conium maculatum) والتوت. ثم تجفف في ظل الشمس، وعند استعمالها ترطب على أنف المريض، فتمتص الأنسجة المخاطية المواد المخدرة، ويدخل المريض في سبات عميق يحرره من أوجاع العملية الجراحية المقررة.

وكان العرب يستعملون في التخدير الموضعي ضمادات خاصة تبلل في محلول خاص شبيه بالمزيج المخدر الذي يستعمل في الإسفنجة المخدرة، وتوضع فوق المنطقة المراد تخديرها. أما إيقاظ المريض المخدَّر فقد كان عن طريق استنشاق أبخرة الشمرة أو الرازيانج. 

فضل العلماء العرب والمسلمين في ميدان طب الأسنان

لو تتبعنا ما قدمه العرب في مضمار طب الأسنان لوجدنا الكثير، فأبو بكر الرازي أعظم من كَتب عن طب الأسنان ومارسه عند العرب، يوصي بتحاشي الحموض بسبب سوء تأثيرها في عناصر السن، وأوصى بعدم اللجوء إلى القلع قبل استنفاد وسائل المعالجة كلها، وأوصي أيضًا بتشبيط اللثة وتسكين الآلام عن طريق الأفيون أو عطر الورد، والرازي يلجأ إلى المقبضات لتمكين السن ومنع اهتزازها، وينصح بسد الحفر والنخرات السنية بالمسك والشاب بعد تنظيفها. 

كما وصف الرازي عملية تهيئة الضرس قبل المباشرة في اقتلاعه، عبر طليه بمُسكّن، قائلاً: "الوجع الذي يبقى إثر قلع السن إنما هو من قبل الحادث في العصبة التي تأتي أصلها.

كما قام الرازي بعلاج الأسنان عن طريق بردها بمبرد لطيف، وحشوه الأسنان بالفوتنج المسحوق وبالزجاج (وأحياناً الأفيون) لتسكين الأوجاع، كما قام الرازي بعلاج التهاب لبّ لسن بثقبه من وسطه، وأحياناً باستعمال الزرنيخ، كي يميت قلب اللب، فيسكن الألم. 

كما اهتم الرازي بأسنان الأطفال، خصوصاً قوله: "إذا حان للطفل نبات أسنانه، فلا تعطه شيئاً يمضغه. ولتُدخل (الداية) إصبعها كل ساعة، ولتدلّك لِثّة الصبي دلكاً جيدًا. كل هذا يؤكد ممارسته ووعيه ودقة تشخيصه في مجال طب الأسنان.

أما طبيب البيمارستان العضدي أبو الحسين بن كيشكرايا فيقول في كتابه الكناش في الطب: "ربما حدث البخر من فساد يحدث في الضرس أو سن متآكل فيجب أن نقلع ذلك الفساد ويصير فيه ما يصلح فساده من السنونات وصفته في باب علاج الفم والأسنان.‏ وربما حدث البخر من بلغم قد فسد وبقي في المعدة".‏ 

وأما أبو القاسم الزهراوي الطبيب الأندلسي فأدرك أهمية السن حين أكد أن السن عضو نبيل وجوهر شريف، ولا تجوز التضحية بها إلا بعد استنفاد كل الوسائل العلاجية.

ويصنّف الزهراوي في خانة عظماء جرّاحي الأسنان، استناداً إلى ما ورد في كتابه القيم التصريف لمن عجز عن التأليف. 

فالزهراوي تفنن في عملية قلع الأسنان، ومن أقواله في هذا المجال: "ينبغي أن تعالج الضرس من وجعه بكل حيله، ويتوانى عن قلعه. إذ ليس منه خلف، إذا قلع. وكثيراً ما يُظنّ أن العلة في الضرس الصحيح فيقلعها، ثم لا يذهب الوجع حتى يقلع الضرس المريض". بهذا الوصف يعتبر الزهراوي الأوَّل من وصف الألم المتنقّل في الأسنان ومساره.
وللزهراوي نصائح تنمّ عن خبرة وتمرّس في مجال طب الأسنان، كقوله: "إياك أن تصنع ما يصنع الجهال من الحجامين، فينكسر الضرس وتبقى أصولها أو بعضها أو أن تقلعه ببعض عظام الفك". كما نُقل عن الزهراوي وصفه طريقة قلع الجذور المكسورة والآلات المتعلقة بهذه العملية.
وقد استعمل الزهراوي 14 نوعاً من المجارد في عملية جرد السنّ (بمعنى إزالة الرواسب الكلسيّة)، ما زال بعضها مستخدماً إلى اليوم. كما عالج الزهراوي تحرّك الأسنان بواسطة شدّها بخيوطٍ من الذهب والفضة. 

ووصف الزهراوي أدوات لتلقيح الأسنان ومعالجة اللثة، وهي شديدة الشبه بالأدوات اليدوية المستعملة اليوم، إذ لها الشكل نفسه، وتؤدي الغرض ذاته، مع فارق التقنية المتطورة التي تصنع بها أدوات اليوم. كما تكلَّم عن طرائق المعالجة اللثوية، وذكر كيف تُجرى الجبائر اللثوية، وماذا يستعمل فيها، واقترح الخيوط المصنوعة من الذهب أو الفضة، ومازالت الجبائر اللثوية تطبق إلى يومنا هذا، بالطريقة التي وصفها الزهراوي، وعالج كسور الفك السفلي، كما قام باستئصال الورم الضفدعي الذي يظهر أحياناً تحت اللسان، وبلغ من الدقة أنه كان يذكر مراحل العمل الجراحي بالتفصيل، ويذكر أيضًا التطورات والمضاعفات التي يُمكن أن تحدث إثر العمل الجراحي ويقدم حلولاً لها. لقد كان يذكر الحالة السريرية الجراحية وتطوراتها ومشكلاتها إلي حين الشفاء.

أما الطبيب الرئيس ابن سينا فقد خطا خطوات واسعة في مجال طب الاسنان، ووضع قواعد ثابتة للحفاظ على الأسنان، مازال أطباء اليوم تنصح بها مرضاها رغم مرور مئات السنين على عصره الحافل بالعطاء!. 

وضع ابن سينا قواعد للحفاظ على الأسنان مما يندرج تحت باب الطب الوقائي فقال: "من أحب أن تسلم أسنانه، فيجب أن يراعي:‏ 

- التحرز عن تواتر الطعام والشراب في المعدة لأمر في جوهر الطعام وهو أن يكون قابلاً للفساد وسريعاً كاللبن والسمك المملوح والصحناة أو لسوء تدبير تناوله.

- تجنَّب مضغ كل علك وخصوصاً إذا كان حلواً كالناطف والتين والعلك.‏ 

- اجتناب كسر الصلب.

- اجتناب كل شديد البرد وخصوصاً على الحار، وكل شديد الحر وخصوصاً على البارد.‏ 

- إدامة تنقية ما يتخلل الأسنان من غير استقصاء وتعدٍّ إلى أن يضر بالعمور وباللحم الذي بين الأسنان فيخرجه أو يحرك الأسنان.

- اجتناب أشياء تضر الأسنان بخاصتيها مثل الكراث فإنه شديد الضرر بالأسنان".

وكان ابن سينا واضحاً ودقيقاً في تحديد الغاية والهدف من مداوة نخور الأسنان حين قال: "الغرض من علاج التآكل، منع الزيادة على ما تآكل، وذلك بتقنية الجوهر الفاسد منه وتقليل المادة المؤدية إلى ذلك" وهذا مبدأ أساسي لمداواة الأسنان. 

كما سبق ابن سينا علماء العصر الحديث في مجال تثقيب الأسنان وتآكلها، فبينما كان يعتقد في أوروبا في القرن الرابع عشر أن سبب نخر الأسنان وتآكلها هو الديدان والأرواح الشريرة، والتي كانت كثيراً ما تعالج بوسائل السحر والشعوذة وتلاوة الصلوات الخاصة، كان ابن سينا يشخص هذا المرض في القرن العاشر الميلادي التشخيص العلمي الصحيح، فقال حرفياً: "إن سبب تثقُّب الأسنان وتآكلها هو رطوبة رديئة فيها". ويقصد بهذه الرطوبة (الجراثيم) المختلفة الناشئة عن مختلف المواد الغذائية الموجودة في الفم. 

ووصف العلاج الصائب لتلك الرطوبة فقال: "إن الغرض من علاج التآكل هو منع الزيادة على ما تآكل وذلك بتقنية الفاسد منه وتحليل المادة المؤدية لذلك. وأن تُحشى بسلة وسعد أو بسك مسك وحده فإنه يمنع التآكل ويسكن الألم".

وقد وصف ابن سينا طريقة لرد خلع مفصل الفك السفلي، ولم يطرأ على هذه الطريقة أي تعديل يُذكر حتى عصرنا.

كما عالج الأسنان اللبنية بإذابة زرنيخ أحمر بزيت ويغلي ويقطر منه في أصل الضرس، وهذه المادة لا تزال تستخدم حتى يومنا هذا.

واستخدم الكافور في الحشو فكان نافعاً ومانعاً لزيادة التآكل ومسكناً للألم، كما أوصى أن يكون الحشو برفق؛ لأنه يزيد الوجع. 

وركز ابن سينا على خلع الفك ومعالجة الأسنان المهتزة من جَرَّاء ذلك، بالخياطة والرفائد والأدوية الملحمة، كما نبَّه إلى ضرورة التأكّد من موضع الضرّر قبل الشروع في العلاج.