إرث يوسف شاهين سينما تفكر وتتمرد وتبقى حيّة

ستة عقود من الإبداع جعلت المخرج المصري يحول السينما إلى مساحة مواجهة وأسئلة كبرى فصارت أفلامه مرآة لقلق الإنسان العربي وتحولاته.

القاهرة ـ ستة عقود كاملة قضاها المخرج المصري الكبير يوسف شاهين (1926-2008) في صناعة السينما، ترك خلالها إرثًا فنيا استثنائيا يضم 44 فيلما روائيا ووثائقيًا، شكلت مجتمعة أحد أهم المشاريع الإبداعية في تاريخ السينما العربية. لم تكن تجربة شاهين مجرد مسيرة إخراجية ناجحة، بل كانت رحلة فكرية وجمالية أعادت تعريف وظيفة السينما، وحولتها إلى مساحة للحوار مع الذات والمجتمع والعالم.

منذ بداياته، بدا واضحا أن شاهين لا يسعى إلى السينما بوصفها ترفيها خالصا، بل كأداة للتعبير الفني والفكري.

درس السينما في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى مصر في أواخر الأربعينيات، حاملا رؤية مختلفة لطبيعة الصورة السينمائية وقدرتها على مساءلة الواقع.

 كان فيلمه الأول "بابا أمين" (1950) إعلانا مبكرا عن مخرج يمتلك حسا بصريا غير مألوف، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع فيلم "ابن النيل" الذي لفت الأنظار إلى موهبته في قراءة التحولات الاجتماعية.

وفي خمسينيات القرن الماضي، انشغل شاهين برصد المجتمع المصري في لحظة تغير تاريخي، ولم يكن فيلم "صراع في الوادي" مجرد قصة رومانسية، بل قراءة درامية لعلاقة السلطة بالطبقات الاجتماعية، بينما قدم "باب الحديد" (1958)  واحدًا من أكثر أفلامه جرأة، حيث غاص في أعماق النفس البشرية، مقدما شخصية مركبة تتصارع مع القمع والرغبة والعزلة. هذا الفيلم تحديدًا أصبح لاحقًا علامة فارقة في تاريخ السينما العربية، نظرًا لجرأته في تناول الهامش الإنساني.

يوسف شاهين ترك مدرسة فكرية وجمالية
يوسف شاهين ترك مدرسة فكرية وجمالية

وتميزت سينما شاهين في هذه المرحلة بقدرتها على المزج بين الواقعية والتعبير الفني، مع اهتمام واضح بالشخصيات المهمشة. وكان يبحث عن بشر يحملون تناقضاتهم، وهو ما منح أعماله طابعا إنسانيا عابرا للزمن.

ومع ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دخل شاهين مرحلة أكثر انخراطا في القضايا السياسية والفكرية.

وكانت أفلام مثل "الأرض"  (1970) و"العصفور" (1973) أعمالا سياسية، كما كانت تأملات في علاقة الفرد بالسلطة والهزيمة والهوية.

 في "الأرض"، تحولت قصة الفلاحين إلى ملحمة عن الكرامة والصمود، بينما عالج "العصفور" تداعيات نكسة 1967 من منظور إنساني عميق.

وكان شاهين مخرجا، ومفكرا يستخدم السينما كوسيلة لطرح الأسئلة، وكشفت أعماله انشغاله بالعدالة الاجتماعية، والحرية، وحق الإنسان في التعبير، ما جعل أفلامه تثير الجدل بقدر ما تحصد الإعجاب.

ومن أبرز سمات تجربة شاهين انتقاله إلى ما يمكن وصفه بـ“السينما الذاتية”، حيث مزج بين حياته الشخصية والخيال الفني. في أفلام مثل “إسكندرية… ليه؟"(1979)، و"حدوتة مصرية"، و"إسكندرية كمان وكمان"، قدم تأملا سينمائيا في ذاته كفنان، وفي علاقته بالمجتمع والسينما والسياسة. هذه الثلاثية الإسكندرانية كشفت جانبا إنسانيا حميميا، حيث تحولت الشاشة إلى مساحة اعتراف ومراجعة.

شاهين أعاد تعريف السينما العربية
شاهين أعاد تعريف السينما العربية

في هذه المرحلة، أصبح شاهين أكثر تحررا في أسلوبه، مستخدمًا تقنيات سردية غير تقليدية، ومزجًا بين الواقع والخيال، والغناء والدراما، في لغة سينمائية شخصية للغاية. هذه الجرأة جعلت أعماله أقرب إلى التجارب الفنية المفتوحة، التي تحتفي بالذات دون أن تنفصل عن السياق العام.

رغم انغماسه في قضايا محلية، حافظ شاهين على حضور عالمي لافت، حيث شاركت أفلامه في مهرجانات دولية كبرى، ونال تقديرًا نقديًا واسعًا، أبرزها جائزة خاصة من مهرجان "كان" عن مجمل أعماله. هذا التقدير لم يكن مجرد تكريم شخصي، بل اعترافًا بدور السينما العربية في الحوار الثقافي العالمي.

وقدم أفلاما مثل "المصير"  (1997) رؤية فلسفية حول حرية الفكر، مستلهمة سيرة ابن رشد، لتطرح سؤال التسامح في مواجهة التطرف. هنا تتجلى قدرة شاهين على تحويل التاريخ إلى مرآة للحاضر، مستخدمًا السينما كجسر بين الأزمنة.

وتميّز شاهين بأسلوب إخراجي يجمع بين الواقعية والشاعرية، وبين الدراما والغناء، مع اهتمام خاص بحركة الكاميرا وبناء المشهد. كان يؤمن بأن السينما فن شامل، قادر على احتواء المسرح والموسيقى والأدب في آن واحد. هذا التوجه منح أفلامه طابعًا احتفاليًا أحيانًا، وتأمليًا في أحيان أخرى.

كما عُرف بقدرته على اكتشاف المواهب، حيث تعاون مع عدد كبير من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من أعمدة السينما المصرية. كان ينظر إلى الممثل كشريك إبداعي، لا مجرد أداة أداء.

عند رحيله عام 2008، لم يترك يوسف شاهين مجرد أفلام، بل مدرسة فكرية وجمالية أثرت في أجيال من السينمائيين. أعماله ما زالت تُعرض وتُدرس، لأنها لا تنتمي إلى لحظة زمنية محددة، بل تطرح أسئلة إنسانية دائمة حول الحرية والهوية والعدالة.

يمكن القول إن شاهين أعاد تعريف السينما العربية بوصفها فنًا قادرًا على التفكير، لا مجرد الترفيه. بعض أفلامه قد تكون أثارت الجدل، وبعضها الآخر قد لا يحظى بالإجماع، لكن مجمل تجربته يشكل علامة فارقة في تاريخ الفن السابع.

يوسف شاهين لم يكن مجرد مخرج، بل صاحب مشروع ثقافي كامل، استخدم الكاميرا كأداة للبحث عن الحقيقة والجمال. وبين أفلامه التي تجاوزت الأربعين، تظل علامات مضيئة في ذاكرة السينما، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يُقاس بالزمن، بل بقدرته على البقاء حيًا في وجدان الجمهور.