إسرائيل تتابع مناورات مصرية تحاكي سيناريوهات هجومية
القاهرة/القدس – أثارت المناورة العسكرية الكبرى التي نفذها الجيش المصري مؤخراً ضمن نطاق القيادة الغربية قلقاً ملموساً في الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، التي تابعت تفاصيلها عن كثب ورأت فيها مؤشراً واضحاً على رفع مستوى الجاهزية لدى القوات المصرية وقدرتها على التعامل مع سيناريوهات هجومية متقدمة. وتفسر الدوائر الإسرائيلية هذه التحركات على أنها رسالة تحذيرية ضمنية، في ظل تدهور العلاقات الثنائية على خلفية الصراع في غزة، وتصاعد النفوذ العسكري والأمني لإسرائيل في كل من سوريا ولبنان، وما نتج عن ذلك من توتر مستمر في الساحة الإقليمية.
المناورة، التي شارك في متابعتها وزير الدفاع المصري الفريق عبدالمجيد صقر ورئيس الأركان الفريق أحمد خليفة، لم تُقدَّم من الجانب المصري باعتبارها خطوة استثنائية، غير أن تركيزها على سيناريو اختراق دفاعات "قوة معادية" دفع إسرائيل لاعتبارها الأكثر إثارة للانتباه بين سلسلة مناورات نفذتها القاهرة خلال العامين الماضيين. وتعتقد مواقع عسكرية إسرائيلية ومن بينها موقع " ناتسيف نت" أن الظهور العلني لقيادات الصف الأول خلال التمرين، خصوصاً في مرحلة المحاكاة الهجومية، يشير إلى أن الجيش المصري يسعى إلى إبراز قدراته أمام الداخل والخارج، وإيصال رسالة بأنه قادر على خوض عمليات واسعة ذات طابع مشترك بين القوات البرية والجوية والخاصة.
وفي التفاصيل التي أعلنتها القاهرة، شملت المناورة عمليات مركّبة تضمنت تقدّم وحدات مدرعة ومشاة ميكانيكية تحت غطاء جوي مكثف، مع تنفيذ ضربات مدفعية دقيقة لتعطيل مراكز القيادة والسيطرة التابعة للخصم المفترض. كما نفذت قوات المظلات وعناصر الكوماندوز عمليات اقتحام خلف خطوط “العدو”، وهو بند يراه محللون إسرائيليون بالغ الحساسية لأنه يتضمن تدريباً فعلياً على تكتيكات تفكيك الدفاعات الطبقية ذات الطابع الإسرائيلي. وإلى جانب هذا النشاط البري، استخدمت القوات الجوية المصرية مروحيات هجومية وصواريخ مضادة للدبابات، ضمن إطار عمليات منسقة تهدف إلى فتح ثغرات في التحصينات الدفاعية.
وبرغم أن القاهرة قدمت التدريب في سياقه العسكري الاعتيادي، إلا أن تل أبيب ترى أنه يرسخ ما تعتبره "تحولاً تدريجياً في العقيدة المصرية" من الدفاع التقليدي إلى نمط هجومي مبادر، خصوصاً أن البيان العسكري المصري تحدث صراحة عن "اختراق خطوط العدو وتدمير دفاعاته ومنعه من إعادة تجميع قواته"، وهي صياغة تُقرأ في إسرائيل على أنها تلقي بظلال جديدة على موازين القوة في المنطقة.
ويشير محللون إسرائيليون إلى أن المناورة الأخيرة تتزامن مع سلسلة خطوات داخل الجيش المصري، من بينها زيارات مفاجئة لوزير الدفاع إلى تشكيلات قتالية حساسة، ورفع مستوى الجاهزية في وحدات مدرعة ونخبوية. وتُربط هذه الإجراءات – في التقديرات الإسرائيلية – بتطورات إقليمية معقدة، من بينها استمرارية الحرب في غزة وتوسع العمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان، وهو ما يُرجّح أن يدفع القاهرة إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية، خصوصاً على الحدود الشرقية.
وتخشى بعض الدوائر الإسرائيلية من أن امتلاك مصر لترسانة تسليحية متقدمة – تشمل مقاتلات حديثة وأنظمة دفاع جوي وصواريخ دقيقة – قد يمنحها قدرة على شن عمليات متزامنة يصعب التصدي لها في حال تصاعد التوترات. ويشير محللون إلى أن إسرائيل تتابع أيضاً مؤشرات أخرى، مثل تقارير تتحدث عن تهريب طائرات مسيّرة عبر سيناء، ومساعٍ مصرية لتعزيز وجودها الأمني في مناطق حساسة، فضلاً عن ضغط غربي متزايد يدفع القاهرة إلى لعب دور أكبر في غزة والسودان، وهو ما تعتبره تل أبيب جزءاً من معادلة إقليمية جديدة قد تؤثر في توازن الردع.
في المقابل، تؤكد القاهرة أن تدريباتها تأتي في إطار حماية الأمن القومي المصري على جميع الاتجاهات، وأن تحديث قدرات الجيش هدفه مواكبة المتغيرات العسكرية في المنطقة وليس استهداف دولة بعينها. وقد شدد وزير الدفاع المصري في ختام المناورة على الجاهزية العالية للقوات المسلحة واستعدادها لتنفيذ مهامها "مهما كانت الظروف"، فيما أكد قائد المنطقة الغربية أن قواته “جاهزة لخوض أي مهمة تُكلّف بها”.
ومع أن مصر لا تعلن صراحة عن توترات مع إسرائيل، إلا أن التقديرات الإسرائيلية ترى أن المناورة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وأن إظهار القدرات الهجومية بهذه الصورة لا يمكن فصله عن بيئة إقليمية يزداد فيها الاحتكاك غير المباشر بين البلدين.