إسرائيل ترد على تمسك حزب الله بالسلاح بغارات مكثفة

الجماعة المدعومة من طهران تؤكد 'حقها ‏المشروع' في مقاومة الاحتلال والعدوان والوقوف إلى جانب الجيش.
حزب الله يتهم واشنطن وتل أبيب باستدارج لبنان نحو تفاوض ‏سياسي مع اسرائيل
واشنطن تستهدف بحزمة عقوبات شرايين حزب الله المالية

بيروت - شنَّ الجيش الإسرائيلي اليوم الخميس غارات مكثفة استهدفت مواقع لحزب الله، مؤكدًا أن الجماعة المدعومة من إيران تحاول إعادة بناء قدراتها العسكرية.وتأتي هذه الضربات بعد ساعات قليلة من إعلان الحزب رفضه لأي مفاوضات بين لبنان والدولة العبرية، متمسكًا بما أسماه "حقه المشروع" في مقاومة الاحتلال والعدوان. ينذر هذا التصعيد بعودة الحرب التي أفقدت الجماعة الشيعية الكثير من قدراتها، وحدَّت من نفوذها السياسي.

ولم تُعلن وزارة الصحة اللبنانية حصيلة الخسائر البشرية جراء الغارات الجوية التي وقعت عصر اليوم. وقالت إن ضربات في وقت سابق من اليوم أسفرت عن مقتل شخص.

وأصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أوامر الإخلاء في الثالثة مساءً بالتوقيت المحلي (13:00 بتوقيت غرينتش) اليوم، مع خرائط تظهر ثلاثة مبانٍ في قرى عيتا الجبل والطيبة وطير دبا. أمر المنشور السكان بالابتعاد لمسافة 500 متر عن تلك المواقع. وذكرت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية أن الدفاع المدني اللبناني ساعد السكان على إخلاء المناطق.

وبدأت الغارات الجوية بعد نحو ساعة، مما أدى إلى تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان في السماء. ورغم أن إسرائيل شنَّت ضربات متكررة استهدفت ما تقول إنها مواقع عسكرية لحزب الله وأعضاء في الجماعة بجنوب لبنان خلال العام الماضي، فإنها نادرًا ما كانت مصحوبة بأوامر إخلاء.

وقال المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية شوش بيدروسيان لصحفيين "ستواصل إسرائيل الدفاع عن جميع حدودها، وسنظل مُصِرّين أيضًا على التطبيق الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والدولة العبرية". وأضاف أن إسرائيل لن تسمح لجماعة حزب الله بإعادة تسليح نفسها أو استعادة قوتها العسكرية التي حطمتها الحرب البرية والجوية الإسرائيلية في 2023 و2024.

وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية إن الغارات على لبنان مساء الخميس شنَّتها تل أبيب بتنسيق مع القوات الأميركية المتمركزة في قاعدة قيادة الشمال منذ وقف إطلاق النار مع حزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وأضافت أن الهدف من الهجمات هو تمكين إسرائيل من تحقيق غايتها في تجريد حزب الله من سلاحه، مشيرة إلى أن "واشنطن تشارك الدولة العبرية هذا التقدير وتعتبر أن نزع سلاح الجماعة ضروري تماشيًا مع قرارات الحكومة اللبنانية".

وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي رصد في الأسابيع الأخيرة زيادة ملحوظة في نشاط الحزب، تشمل محاولات لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية وتهريب صواريخ وتجنيد عناصر جديدة في صفوف قوة الرضوان.

وذكرت أن الهجمات "تتركز على القرى الشيعية القريبة من الحدود بهدف منع تموضع عناصر الحزب في المناطق المحاذية لإسرائيل، فيما يستعد الجيش الإسرائيلي لاحتمال رد من الجماعة، بما في ذلك على الجبهة البحرية".

كما نقلت القناة العبرية عن مسؤولين في الجيش قولهم إن وتيرة تحركات الجيش اللبناني بطيئة مقارنة بما تتوقعه إسرائيل، وأن تل أبيب "ستتولى المهمة بنفسها" إذا لم يُسرع في نزع سلاح الحزب.

وكان حزب الله أكد في وقت سابق "حقه المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان والوقوف إلى جانب الجيش والشعب لحماية سيادة البلاد"، رافضًا انخراط الحكومة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في ظل ضغوط أميركية. وقال في بيان "لبنان مَعنِيٌّ راهنًا بوقف العدوان بموجب نص إعلان وقف النار والضغط على العدو الصهيوني للالتزام بتنفيذه، وليس مَعنِيًّا على الإطلاق بالخضوع للابتزاز العدواني والاستدراج نحو تفاوض سياسي مع العدو الصهيوني".

وكان الموفد الأميركي إلى الشرق الأوسط توم براك حث الأسبوع الماضي السلطات اللبنانية على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في وقت تتصاعد فيه حدة التوتر على الحدود الجنوبية نتيجة الغارات الإسرائيلية المكثفة على مواقع يُعتقد أنها تابعة لحزب الله، وذلك بعد قرابة عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.

وخلال مؤتمر صحفي عُقد على هامش منتدى "حوار المنامة" الذي يستضيفه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في البحرين، قال براك إن السبيل الأمثل لتفادي المزيد من التصعيد هو "الانخراط في حوار مباشر مع إسرائيل". وأضاف "يجب أن يكون الحوار مع إسرائيل فقط مع إسرائيل. الباب مفتوح أمام اللبنانيين، والإسرائيليون مستعدون. اذهبوا في هذا الاتجاه وتحدثوا إليهم، فذلك لن يضر أحدًا".

وأشار إلى أن القيادات اللبنانية "تتوجس من فكرة المفاوضات" بالنظر إلى "الظروف الأمنية والسياسية المعقدة التي تمر بها البلاد"، غير أنه أكّد في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة مستعدة لتوفير الدعم السياسي والوساطة اللازمة لضمان أن تكون إسرائيل "مرنة ومنفتحة" في حال قرر لبنان المضي قدمًا في هذا المسار.

وشدد براك على أن واشنطن ترى في الحوار المباشر "خيارًا واقعيًا وضروريًا" لتجنب اندلاع مواجهة شاملة جديدة على الحدود، لافتًا إلى أن استمرار الغارات وتبادل النيران في الجنوب "لا يخدم مصالح أي طرف، ويهدد بجرّ المنطقة إلى فوضى أوسع".

ويبدو أن تصريحات براك لم تُعجب جماعة حزب الله التي تعتبر الدعوة خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل، وهي من بين أهداف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالتالي فهي تضغط من أجل منع المفاوضات المباشرة.

وكان الأمين العام للحزب نعيم قاسم هاجم الوساطة الأميركية في الملف اللبناني، حيث اتهم واشنطن بدعم الدولة العبرية في عملياتها العسكرية. وقال في خطاب الأسبوع الماضي "واشنطن تدّعي العمل من أجل تهدئة الوضع في لبنان، لكنها في الواقع الراعي الفعلي للعدوان وتقدّم له الغطاء السياسي الكامل"، مضيفًا أن "الاعتداءات الإسرائيلية تتصاعد مع كل زيارة لمبعوث أميركي إلى المنطقة، ما يثبت أن الضغوط الأميركية ليست من أجل التهدئة بل لمصلحة إسرائيل".

وفي شأن آخر، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في وقت لاحق من اليوم الخميس فرض عقوبات على أفراد قالت إنهم سهلوا تحويل عشرات ملايين الدولارات من إيران إلى حزب الله خلال العام الحالي. واتهمت، في بيان الأفراد باستخدام شركات الصرافة للاستفادة من الطابع النقدي للقطاع المالي اللبناني.

وأضافت أن "حزب الله يستخدم هذه الأموال لدعم قواته شبه العسكرية، وإعادة بناء بنيته التحتية الإرهابية، ومقاومة جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية"، مشيرة إلى أن "إجراء اليوم يستهدف العناصر المالية في الحزب الذين يشرفون على نقل الأموال من إيران".

وتابع البيان "يشمل ذلك الأموال الناتجة عن أنشطة تجارية سرية يديرها الفريق المالي لحزب الله، بما في ذلك بيع النفط الإيراني وسلع أخرى، والتي تُحوَّل إلى لبنان عبر شركات صرافة مرخصة وغير مرخصة".

واعتبر أن "شركات الصرافة غير المرخصة، وكذلك تلك التي لا تُجري عمليات تدقيق كافية على عملائها، تتيح لحزب الله استغلال الطبيعة النقدية إلى حد كبير للاقتصاد اللبناني لغسل الأموال غير المشروعة".

وبشأن ما أسماه "استغلال حزب الله للاقتصاد النقدي في لبنان"، قال بيان الخزانة الأميركية إن فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني حوّل أكثر من مليار دولار إلى الجماعة منذ يناير/كانون الثاني 2025 معظمها عبر شركات صرافة.

وتستهدف العقوبات الجديدة شخصيات رئيسية ضمن الفريق المالي لحزب الله، أبرزهم أسامة جابر، الذي جمع أو حوّل ملايين الدولارات بين سبتمبر/أيلول 2024 وفبراير/شباط 2025، بالتعاون مع صرافين محليين، إضافة إلى جعفر محمد قصير، نجل القيادي الراحل محمد قصير، والذي تسلم إدارة الفريق المالي للحزب بعد وفاة والده في أكتوبر 2024، ومعه علي قصير، ابن شقيق محمد قصير.

كما طالت العقوبات سامر كسبار، مدير شركة Hokoul SAL Offshore Company، وهي شركة واجهة لحزب الله، ويتعاون بانتظام مع أعضاء الفريق المالي لحزب الله في صفقات تجارية مختلفة، بحسب البيان الأميركي. ومن المستهدفين أيضًا رجل الأعمال السوري ياسر حسين إبراهيم، المقرب من النظام السابق، الذي شارك في صفقات نفطية وتجارية لدعم الحزب.

وأكدت الخزانة الأميركية أن "إجراء اليوم، يُجمِّد جميع مصالح وممتلكات الأشخاص أو الكيانات الذين تم تصنيفهم أو حظرهم سواء كانت موجودة في الولايات المتحدة أو في حيازة أو سيطرة أشخاص أمريكيين"، داعية إلى الإبلاغ عنها إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وتابعت "بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر محظورة أيضًا أي كيانات مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فرديًا أو مُجتمِعًا، بنسبة 50 بالمئة أو أكثر من قبل شخص أو أكثر من الأشخاص المحظورين".