إسرائيل لا تثق في إعلان لبنان السيطرة على نهر الليطاني

انتشار الجيش اللبناني في الجنوب لا يكفي لطمأنة إسرائيل في ظل تشكيكها في آليات نزع سلاح حزب الله.

بيروت - أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اليوم الخميس أن الحكومة حققت للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عاما سيطرة كاملة للدولة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. ومع ذلك، يقابل هذا الإعلان بتشكيك إسرائيلي يجسده توسيع إسرائيل لدائرة الضغط العسكري. 

وقال سلام في مقابلة أجراها مع وكالة "بلومبرغ" على هامش مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، إن "أن العمل جارٍ لاستكمال المرحلة الثانية من الخطة التي قدّمها الجيش اللبناني ووافق عليها مجلس الوزراء".

ووصف رئيس الحكومة قرار حصر السلاح الذي اتُخذ في أغسطس/آب الماضي بأنه "لحظة تاريخية"، معتبرًا أن الدولة "نجحت رغم الظروف الصعبة"، في استعادة سيادتها على جنوب لبنان.

وفي الفترة الأخيرة، صعّدت إسرائيل عدوانها على لبنان بسلسلة غارات استهدفت جنوبي وشرقي البلاد، في مؤشر على انتقال واضح من الضربات الموضعية المحدودة إلى توسيع دائرة الضغط العسكري جغرافيًا ونفسيًا.

ويتقاطع هذا التطور مع إعلان السلطات اللبنانية إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، ومع تصاعد النقاش داخل إسرائيل حول جدوى الانتقال إلى مراحل أشد قسوة تجاه لبنان دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وفي مقابلة مع الأناضول، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي بهاء حَلَّال، أن اختيار إسرائيل لمناطق شمال نهر الليطاني "ينطوي على أبعاد جغرافية وعسكرية وسياسية" كونها تعتبر النهر خطًا أمنيًا ونفسيًا مفترضًا.

فيما يقرأ استهداف إسرائيل لشرقي لبنان على أنه محاولة قطع "شريان حيوي استراتيجي وطبيعي" بين العمق في البقاع والواجهة المتمثلة بالمناطق الحدودية في الجنوب.

ويتوقع الخبير اللبناني استمرار القصف بوتيرة متوسطة ضمن الجغرافيا نفسها دون توسع كبير، ويستدرك بأن ذلك قد يتغير في حال انهيار اتفاق وقف النار أو حدوث تغير إقليمي مفاجئ.

استهداف "المنطقة الوسطى"

ويعتبر حَلَّال أن مناطق شمال نهر الليطاني تمثل في العقيدة الإسرائيلية، منطقة وسطى حساسة بين الجنوب المباشر والعمق اللبناني"، مبينا أن "النهر يُعد خطًا أمنيًا ونفسيًا مفترضًا لدى إسرائيل، حتى وإن لم يكن خطًا مانعًا فعليًا".

ويضيف أن "أي نشاط عسكري شمال الليطاني يُقرأ إسرائيليًا باعتباره دليلًا على أن المواجهة لا تقتصر على الشريط الحدودي، بل تمتد إلى عمق الانتشار، حيث تُعد هذه المنطقة نقطة تحشّد وانتقال، إضافة إلى كونها حلقة ربط لوجستي وبشري بين الجنوب والبقاع شرق البلاد".

وتابع أن الغارات على هذه المناطق تهدف إلى تعطيل مرونة انتشار حزب الله، والضغط على عمقه التنظيمي، لا على الخطوط الأمامية فقط، فضلًا عن توجيه رسالة مفادها أن الالتزام النظري بالحدود لا يغيّر قواعد الاشتباك التي تفرضها إسرائيل.

البقاع الغربي.. ضرب شريان

وفي ما يتعلق بالغارات على البقاع الغربي (شرق)، يلفت حَلَّال إلى أن محور بلدات يحمر– سحمر– مشغرة وصولًا إلى الخيام، يُعد أحد أهم المحاور الاستراتيجية تاريخيًا وعسكريًا في لبنان، نظرًا لكونه ممرًا طبيعيًا يصل البقاع بالجنوب.

ويوضح أن "طبيعة التضاريس في هذا المحور، من مرتفعات وأودية وطرق متشعبة، تجعل منه مسارًا أقل انكشافًا وأصعب في المراقبة الجوية الدائمة، ما جعله يُستخدم تقليديًا في نقل الإمداد وإعادة الانتشار والمناورة بين الجبهات".

ولفت إلى أن استهدافه يعني "محاولة قطع الوصل بين العمق والواجهة، أو على الأقل رفع كلفة استخدامه بشريًا"، معتبرا أن إسرائيل تنظر إلى هذا المسلك على أنه "شريان حيوي، وضربه لا يستهدف منطقة بعينها بقدر ما يستهدف فكرة التواصل الجغرافي نفسها".

بين ردع واستنزاف

ويحدد الخبير 4 أهداف رئيسية للتصعيد الإسرائيلي، أولها، "نقل طبيعة الصراع من مواجهة حدودية إلى استنزاف في العمق اللبناني، بهدف كسر الإحساس بالأمان وخلق ضغط نفسي واجتماعي أوسع".

وثانيها، "فرض معادلة ردع جديدة بعد خطوة الجيش اللبناني جنوب الليطاني، إذ تؤكد إسرائيل أنها الجهة التي تحدد نطاق النار، وأن انتشار الجيش لا يعني تلقائيًا تهدئة أو تحييدًا للميدان".

أما الهدف الثالث، فيتمثل في "إضعاف أي مسار سياسي أو ميداني بديل عن المواجهة، ولا سيما في ظل تعطيل لجنة الميكانيزم (المعنية بمراقبة تنفيذ وفق النار)، حيث يهدف القصف إلى ضرب أي تصور بأن التنظيمات المسلحة باتت محصورة جنوب الليطاني أو أن الانتشار الرسمي غيّر موازين الردع".

وبالنسبة للهدف الرابع، يرتبط بالتحضير لسيناريوهات مستقبلية دون الذهاب إلى حرب شاملة، من خلال نمط قصف محدود متكرر وموزع جغرافيًا، يسمح بالاستنزاف وجمع المعلومات واختبار ردود الفعل، وفق حَلَّال.

نمط منخفض الكلفة وحدود مفتوحة

ووفق الخبير اللبناني "يحقق هذا النمط من العمليات لإسرائيل أهدافًا متعددة دون كلفة شاملة، كونه لا يستدعي تعبئة واسعة ولا يفرض إخلاءات كبيرة في الداخل الإسرائيلي، كما لا يستجرّ ردًا تلقائيًا واسعًا في ظل التزام حزب الله باتفاق منع العمليات العدائية" الموقع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

وأضاف أن "الدولة العبرية تراهن على تفوّقها الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي، وقدرتها على تحديث بنك الأهداف وتنفيذ ضربات دقيقة نسبيًا، فضلًا عن اعتمادها سياسة الضغط التراكمي لا الصدمة الواحدة، بما يتيح استنزافًا نفسيًا واجتماعيًا ولوجستيًا بطيئًا وقابلًا للاستدامة".

غير أنه يشير إلى أن "لهذا النمط حدودًا، أبرزها فرض معادلة ردع مقابلة، أو توسع جغرافي في الاشتباك، أو تصاعد ضغط دولي فعلي في حال ارتفاع الخسائر المدنية، أو فشل القصف في تحقيق نتائجه العملية، ما قد يحوّله إلى استنزاف بلا مردود".

سيناريوهات المرحلة المقبلة

وبالحديث عن رؤيته لسيناريوهات المرحلة المقبلة، يرجّح الخبير، على المدى القريب، "استمرار القصف بوتيرة متوسطة ضمن الجغرافيا نفسها، دون توسع كبير".

أما على المدى المتوسط، فيطرح ثلاثة احتمالات هي "تثبيت هذا النمط كأمر واقع، أو تراجعه نتيجة ضغط دولي أو ردع ميداني، أو الانتقال إلى نمط تصعيد مختلف في حال تغيرت المعادلات".

ويخلص إلى أن هذا النمط "قابل للاستمرار لكنه هش ومشروط"، ويُستخدم لإدارة الوقت لا لحسم المعركة، محذرًا من أن نقطة كسره قد تكون انفراط اتفاق منع العمليات العدائية أو حدوث تغير إقليمي مفاجئ في بيئة هشة ومتقلبة".