'إضاءات معاصرة' يوثق مسيرة أجيال من الفنانين
تونس - يقدم معرض تشكيلي بعنوان "إضاءات معاصرة" افتتح، الجمعة، بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، لزائريه مختارات من الرصيد الوطني للفنون التشكيلية الذي يتطور سنويا من خلال عملية الشراءات التي تقوم بها وزارة الشؤون الثقافية بهدف دعم الفنان التشكيلي وجمع رصيد من الأعمال التشكيلية ذات الأبعاد الفنية والجمالية الهامة والعميقة.
ويضم المعرض الذي ينظمه المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر نحو سبعين عملا تشكيليا، ووفق النص التقديمي للتظاهرة، فإن المعرض "لا يختزل في بعده الآني فحسب، بل يندرج أيضا في امتداد تاريخي يرسخ لنبذة عن مسيرة أجيال من الفنانين الذين أسهموا كل بطريقته في صياغة ملامح الهوية البصرية التونسية المعاصرة".
وأوضحت المديرة العامة للمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، أحلام بو صندل، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أن تسمية المعرض "إضاءات معاصرة" جاءت من منطلق أنه يقدم إضاءات على أهم التوجهات التشكيلية المعاصرة في تونس من فنون بصرية تبين الاختلاف والتعدد في وجهات النظر والتعبيرات المختلفة بين الفنانين، وتراوح الأعمال بين "التشخيصي" و"تغييب الملامح" والأعمال "المقروءة" و"غير المقروءة" واللوحات التجريدية بما يسلط الضوء على جزء كبير من الواقع الثقافي التشكيلي التونسي.
وأشارت إلى أن قائمة الأعمال المعروضة تضم لوحات ومنحوتات وأعمال متنوعة الأصناف وهناك أعمال لا يمكن تصنيفها، وكلها بأنامل تونسية.
وتم إعداد هذا المعرض الذي سيتواصل لأكثر من ثلاثة أسابيع، منذ أواخر الموسم الثقافي الماضي، ولكن يتم تقديمه في افتتاح الموسم الحالي من أجل إتاحة الفرصة للجمهور وخاصة للطلبة والتلاميذ، للاطلاع على هذا المخزون الهام من الأعمال التشكيلية، إذ سيكون المعرض مفتوحا يوميا على ذمة الزوار، كما يمكن للراغبين في الاستفسار عن الأعمال المعروضة التواصل مع الوسيط الثقافي للمعرض، محمد علي درويش، الذي سيكون موجودا يوميا في فضاء العرض.
ويجد الزائر نفسه فور دخوله فضاء المعرض الذي تم تركيزه بقاعة العروض المؤقتة التابعة لإدارة المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، أمام شاشة تعرض فيديو تكريميا للفنان التشكيلي الراحل عبدالحميد الحجام (1940 – 2025)، يتضمن مقتطفات من بعض حواراته وصورا لبعض أعماله، ثم يستدير الزائر ليشاهد على عين المكان ثلاث منحوتات من إنجاز هذا النحات الكبير، الأولى عنوانها "امرأة مستلقية Femme allongée" ومصنوعة من الرخام، والثانية "امرأة تصفف شعرها Femme se coiffant"، مصنوعة هي الأخرى من الرخام، والثالثة تحمل عنوان "أمومة"، ومصنوعة من الخشب، وهي ثلاثة أعمال تجسد المرأة في وضعيات حياتية مختلفة وتتكامل في ما بينها من حيث الألوان حيث يعتمد النحات ثلاثية الأسود والأبيض والبني. وقد تم إدراج هذه الأعمال صلب المعرض في لمسة وفاء لفنان قدم الكثير للفن التشكيلي في تونس.
وعن هذا التكريم، أشار المستشار المتحفي والوسيط الثقافي للمعرض محمد علي درويش، إلى أنه من ضمن أدوار المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، حفظ الذاكرة الفنية وتثمين تجارب الفنانين، وفي هذا السياق تم اختيار هذه الأعمال الفنية للفنان الراحل، والفيديو الذي يعرض والذي يتضمن بدوره صور أعمال أخرى للفنان، وذلك يندرج في إطار العمل على مقاومة النسيان.
وقد حضر افتتاح المعرض عدد من أفراد عائلة الفنان المحتفى به من خلال إحياء ذكراه، من بينهم ابنته إيناس الحجام التي تأثرت بهذا التكريم وفي تصريح لوكالة "وات" أشارت إلى أن والدها قدم الكثير للفن التشكيلي التونسي، وأن هذا التكريم مستحق لأن الراحل قدم "الفن للفن" وأمضى أغلب حياته في العمل على منحوتاته وأعماله التي كان ينجزها بحب وشغف.
وعبدالحميد الحجام هو جامعي وفنان تشكيلي، متخرج من مدرسة الفنون الجميلة بتونس في أواخر خمسينات القرن الماضي، وتابع دراسته في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بباريس في بداية الستينات، ثم التحق بالجامعة كأستاذ بالتزامن مع انطلاق تجربته في ممارسة الفنون التشكيلية، وقد كان الحجام فنانا بصريا متعدد الاختصاصات، يتقن الرسم والحفر كما كان متمكنا من جميع التقنيات التشكيلية. حاز عدة جوائز، منها الجائزة الأولى في النحت، ومثّل تونس في معارض دولية. تم تكريمه سنة 2004 بالجائزة الكبرى للفنون التشكيلية لمدينة تونس.
تواصل مشوار هذا الفنان الراحل على مدى نصف قرن من الزمن أنجز خلالها العديد من الأعمال التي وظف فيها محامل ومواد مختلفة، ليقدم مواضيع تتعلق بالروابط الأسرية والحياة اليومية عامة وقد كان "من المختصين في إنجاز الميداليات المنحوتة والتي كانت توثق لشخصيات تاريخية ووطنية.