إضراب في قطاع النقل يشلّ الحركة في الجزائر
الجزائر - دخلت الجزائر مع مطلع العام الجديد في نفق من الاضطرابات الاجتماعية، حيث تسببت الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات في إشعال فتيل احتجاجات بقطاع النقل شلت الحركة في معظم الولايات. ويعكس هذا المشهد المتأزم فشل الحكومات المتعاقبة في تنويع مصادر الدخل التي ظلت مرتهنة للنفط والغاز، والعجز عن إيجاد بدائل تنموية حقيقية بعيداً عن الحلول الترقيعية.
وبلغت نسبة الاستجابة للإضراب أكثر من 90 بالمئة في المحافظات (الولايات) الكبرى، مما تسبب في تعطيل مصالح الملايين من الموظفين والطلاب، وفشل النقل العمومي في تعويض النقص الحاد.
وتزايدت حالة الاحتقان بسبب الطابع "الفجائي" لقرار الترفيع في أسعار الوقود، مما يعزز الشعور بغياب الشفافية ويجعل من أي "إصلاح" قانوني مجرد وسيلة لجباية الأموال من جيوب المواطنين لسد العجز المالي.
ولم تكن الزيادة في أسعار الوقود مجرد إجراء مالي تقني، بل أثارت صدمة اجتماعية واقتصادية شاملة، بالنظر إلى تداعياتها على تكاليف نقل البضائع والمواد الغذائية، مما ينذر بموجة تضخمية جديدة.
وتزامنت هذه الخطوة مع ندرة حادة في قطع الغيار وارتفاع أثمانها، مما جعل ممارسي مهنة النقل بين فكي كماشة تكاليف التشغيل المرتفعة، وتسعيرة النقل المجمدة منذ 2018.
وتواجه الحكومة الجزائرية انتقادات لاذعة بسبب عجزها عن تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة إنتاجية متنوعة. ورغم الوعود المتكررة بـ"الإقلاع"، لا يزال الاقتصاد رهيناً لتقلبات أسواق الطاقة، حيث تُستخدم المداخيل النفطية لتمويل الاستيراد بدلاً من بناء قطاعات صناعية أو زراعية قوية.
وتتبع السلطة استراتيجية قائمة على زيادة الأجور والمنح (مثل منحة البطالة وزيادات الوظيفة العمومية) لامتصاص الغضب الشعبي. ويرى الخبراء أن هذه الزيادات "وهمية" لأنها تُمتص فوراً عبر التضخم ورفع أسعار المواد المدعومة (مثل الوقود)، مما يجعلها حلاً مؤقتاً لتهدئة الجبهة الاجتماعية لا غير.
وتظل الدولة هي المحرك الرئيسي للاقتصاد، مع ضعف كبير في مساهمة القطاعات خارج المحروقات (مثل الصناعة والسياحة) في الناتج المحلي الإجمالي، ما يترك الاقتصاد تحت رحمة تقلبات أسعار برنت.
وأدى استمرار سياسة الدعم الواسع والزيادات المتكررة في الأجور دون زيادة موازية في الإنتاجية، إلى تفاقم متاعب صندوق ضبط الإيرادات الذي كان يمثل صمام الأمان المالي للبلاد.
وبدلاً من تشجيع الاستثمار الخاص وتسهيل الإجراءات، يشتكي المهنيون من تشديد القوانين الزجريّة، مثل تعديلات قانون المرور الأخيرة التي فرضت عقوبات سجنية وغرامات قاسية، دون توفير بنية تحتية مهيأة أو بيئة عمل محفزة.
ويعيش المواطن الجزائري حالة من التناقض الصارخ؛ ففي بلد يصنف كأحد كبار منتجي الطاقة، يواجه السكان واقعاً معيشياً متدهوراً، حيث يضطرون إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام بسبب عجز الحكومة عن تدبير ملف الوقود والنقل، بينما تُهدر المليارات في نفقات تسييرية لا تخلق ثروة مستدامة.
وفي حين تدافع أحزاب الموالاة (مثل جبهة التحرير الوطني وجبهة المستقبل) عن الإجراءات الحكومية وتصفها بـ "الطفيفة"، يرى الشارع أن هذه الطبقة السياسية منفصلة عن واقع المعاناة اليومية للمواطن الذي يكافح لتأمين لقمة العيش.